عام

ماذا يجب أن تكتب عن جائحة كورونا؟

  • ألين بولاك
  • ترجمة: أماني الغامدي
  • تحرير: عبير الشهري

تستقبل إلين بولاك أسئلةً من الكتّاب المبتدئين، وتجيب عليها بنصائح عن الكتابة والتدوين من خلال مدونتها التي أسمتها “المسودّة”.

مرحبا بكم في المسودة، عمود نصائح عن الكتابة والحياة من إلين بولاك، نحن هنا للإجابة على أسئلتكم عن فن الكتابة، وقول الحقيقة.

عزيزتي صاحبة المسودة: أشعر أنه يجب أن أكتب شيئًا عن الجائحة. ولكن كيف يمكنني أن أُسهم بشيءٍ لم يذكره الآخرون؟ أشعر أنني أستغل الأزمة لإبراز إسمي على الساحة ولأكسب المال، كما أنّ استئنافي للرواية التي كنت قد بدأتها من قبل الوقت الحالي يشعرني بالأنانية والانفصال عن الواقع.

توقيع: محجور ومشتت.


عزيزي م. م

من المؤكد أنك ستشعر بضرورة الكتابة عن الجائحة.

نعيش الآن حدثًا تاريخيًّا وأنت شاهدٌ على التغيّر الجذري الذي أصاب عالمنا. لكن لا تكتب فقط بغرض الحصول على مشاهدات؛ فستكون غير صادق مهما وصل راج ما كتبت، وستكون مقالتك مثل وصفات علاج الفيروس التي غزت الإنترنت. وما الداعي من إعادة نشر ما يقوله الجميع عن هلع شراء المستلزمات الاستهلاكية والأغذية وتدريس أطفالك في المنزل ومراقبة أسعار المعقم أو الصراخ كلما ظهر رئيسنا الأخرق على شاشات التلفاز؛ إلا إذا كنت خبيرًا طبيًّا أو في الصفوف الأمامية، عدا ذلك ليس لديك الصلاحية لتخبرنا بأخبار لم نسمعها من قبل.

لكن، قد يكون لك صلاحية في جوانب أخرى من الأزمة. هل تعمل مُقدِّم رعاية منزلية؟ أو منزّه كلاب؟ هل تنظف بيوت الأثرياء في هامبتون؟ ما هو الأثر الذي فعلته فيك الجائحة؟ ماذا يجري وراء الستار؟

من الذي لم يُسْمع صوته؟ إذا كنت تتقن الإسبانية، هل بإمكانك التحدث مع الأشخاص الذين يرتبون الرفوف ويجلبون البضائع للمحلات التي تتسوق منها؟ هل تعرف سائق حافلة؟ حارس سجن؟ سجينٌ أُفرِج عنه للتو؟ مغني، بعد عمر من التدريبات انضم أخيرًا لطاقم الأوبرا وأُغلقت الدار قبل أن يقدم عرضه الأول؟ ما الذي لم يُذكر؟ ما المشاعر التي شعرت بالتأنيب والدهشة تجاهها؟

لو كنتُ سأكتب مقالةً عن الحجر المنزلي، سأُعبر فيها عن صدمتي عندما وجدت نفسي مصنَّفة كـ”كبيرة في السن” بالرغم من أننّي أبدو كامرأة أربعينية -أو أعتقد أنني أبدو كذلك-، سأذكر كلام صديقتي التي بُحَّ صوتها وهي تذكِّرني أنه بمجرد بلوغي عمر الستين، فإن جهازي المناعي سيكون أضعف مما كان عليه في صغري بغض النظر عن قوتي البدنية. من المحتمل أن أؤكد أنني كإحدى سكان مدينة نيويورك وأعيش بدون شريك، فقد قلّ شعوري بالوحدة عمّا كان قبل الحجر المنزلي، مع الأصدقاء البعيدين والطلاب، وأفراد العائلة الذين يتصلون ويرسلون لي الإيميلات، وابني المحجور في شيكاغو، الذي يتصل بي يوميًا عبر سكايب. من الممكن أن أكتب عن سعادتي ككاتبة لقضاء فترات طويلة بمفردي، وعن توفّر الوقت لتجسيد شخصيات في رواية جديدة، بالرغم من إزعاج الإسعاف بجانب شقتي ومخاوفي بشأن الدخل الذي فقدته حيث توقفت مهمات التحرير التي كنت أقوم بها قبل الأزمة.

لو كنت سأكتب عن الجائحة، سأعترف أنني أقل اكتئابًا خلال الأزمة الحقيقية عمّا قبلها من الكوارث التي أوقعت نفسي بها وأنهكتني.

مجرد التفكير في الأشخاص المعرضين لخطر الموت لو أصابهم الفيروس، أو الذين فقدوا تجارتهم وأعمالهم، مكّنني أخيرًا من طرد شعور الشفقة على نفسي بسبب استبعاد صحيفة التايمز نشر مراجعة كتابي الأخير.

سأذكر أنه من الممتع عيشَ حدثٍ تاريخيٍّ كهذا بشيء من الاستحياء، فقد عوضتني هذه الجائحة عن تجربة العيش في نيويورك خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر. النجاة من الجائحة ومحاولة مساعدة الجميع ليعيشوا أعطتني إحساسًا بالأهمية والتضحية الذي يفتقده معظم الكتاب.

عندما انتقلت إلى مانهاتن قبل خمس سنوات، قرأتُ تنبوءًا عن الجائحة، فطلبت صندوق أقنعة N95 من أمازون. تعجبت من صعوبة الصعود بالدراجة في الطريق الجبلي لمونت سيني وتسليم الأقنعة لمتدرب طبي يقوم بجمع التبرعات الأولية للرعاية الصحية، وصُدِمت بمقدار النشوة التي أصابتني في طريق عودتي للمنزل.

لو كنت سأكتب عن الجائحة، سأذكر كيف كانت جولتي في حديقة السنترال بارك تساعدني على الحفاظ على صحتي العقلية. سأصف نغزة قلبي والمشاعر المختلطة، ومقدار ابتهاجي برؤية الربيع والأزهار، والشعور بالذنب الذي أحسسته حيث كانت المستشفيات حول الحديقة مليئة بالمرضى الذين يصارعون للبقاء.

عزيزي، م.م

لو كنت سأكتب عن الجائحة، من الممكن أن أجد أجوبةً للأسئلة التي تدور بذهني. مثل: من يرمي كل هذه القفازات على جانب الطريق؟ لماذا يظن الناس أن الجائحة عذر كي لا ينظفوا قذارة كلابهم؟ هل كوني محبوسة ووحيدة أفضل من كوني أعيش مع من يشاركني السكن بعادات مزعجة؟

لو احتجت أن استخدم المترو أو التاكسي لمساعدة صديقتي المعاقة التي هي أسوء حالًا مني، سأعرّض نفسي لخطر الإصابة بالفيروس، هل يجب أن أبقى في المنزل أو أن أساعد صديقتي؟

أو من الممكن أن أذكر المفارقات: كيف قلّ دخلي بسبب الجائحة، ولكن بسبب إلغاء عطلتي بقي مبلغ كالذي فقدته. كيف أنهيت قارورة عطري وأنا ملتزمة بالابتعاد عن كل الناس مسافة ستة أقدام؛ سأكتب عن خوفي من مقدار الكُره الذي أُكنّه لدونالد ترامب برغم مقدرتي على التخلص من الكراهية.

لو احتجت لإضافة بعض السخرية، سأكتب عن صعوبة مشاهدة فيديو لأحد المشاهير وهو يحاكي أغنية لم أسمع بها قط بطريقة كوميدية. أو عن طريقة مهذبة لأخبر بها أصدقائي إذا شاركوني بعض الروابط لصور تعبيرية مضحكة أو مقالات ساخرة سبق أن رأيتها.

عزيزي م.م

 رغم كل الفيديوهات التي شاهدناها، من المحتمل أن تصبح الجائحة شيئًا من الماضي. قد يكون الفيروس محطّ اهتمامنا وقراءتنا في الفترة الحالية، ولكن بمجرد أن نستطيع الخروج من كهوفنا وممارسة حياتنا شبه الطبيعية، هل سنرغب بقراءة كلمة أخرى عن الفيروس؟ متى كانت آخر مرة رغبت فيها بالقراءة عن إعصار كاترينا أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ إذا عجزت عن نشر مقالك على الفور في المدونات، من المحتمل أن تفقد جماهيريتك -أكتب هذا المقال قبل أسبوع من نشره وأخشى أن يكون قديمًا نوعًا ما عندما ينشر.

ماذا عن الروايات، هل سألتني؟ هل يبدو اختراعك لشخصيات وهمية تعاني الحسرة صعب أو ليس له علاقة؟ ليس بالضرورة.

أليس الفن هو ما يُسهّل عليك التعايش مع الأزمة؟ سواء كان على شكل موسيقى تعلو على صوت الإنذارات؛ صور أو لوحات لتحميك من فقدان عقلك عندما تحدق في الجدار؛ عروض كوميدية، أفلام، مسرحيات، المسلسلات التي تساعدك على تمضية الأيام والليالي الطويلة؛ القصص والأشعار التي تطير بروحك بعيدًا عن غرفة المعيشة الكئيبة.

عندما كنت في الصف السادس، كانت أختي وصديقتها يُحرران الكتاب السنوي للمرحلة الثانوية اقترحت إحدى الفتيات تعليقًا مرتبطًا بحادثة حدثت في السنة التي مضت. قالت أختي: “هذا مضحك الآن، لكن عندما نراه بعد عشر أو عشرين سنة، لن يتذكر أحد النكتة المتعلقة به”.

لو ذكرت هلع الناس على ورق الحمام في روايتك، ستبدو مؤرِّخة لهذه الفترة، كبطاقات التموين وحدائق النصر في روايات الحرب العالمية الثانية، وهذا لا يعني أنه يجب عليك أن تُزيل حقائق الجائحة ولكن الأثر الحقيقي لتجربتك يحتاج منك إلى وقت، وأن تزوده بالسماد لفهم أعمق وأغنى لأهمية هذه التجربة.

يعد ويليام ماكسويل أفضل مثال لمؤلف استطاع كتابة رواية غير مقيدة بالزمن، حيث كتب رواية عن نجاته من وباء الانفلونزا في العام ١٩١٨م عندما كان في العاشرة من عمره بينما توفت أمه التي أصابها الفيروس بسببه، حطّمت هذه الخسارة روحه، وأدّت إلى إنتاج روايتين تُعدُّ من أجمل روايات الأدب الأمريكي وأكثرها إيلامًا، وهي: They Come Like Swallows  و So long, See You Tomorrow.

ولو كنت تبحث عن نموذج غير روائي لكيفية تحليل الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجائحة، فهناك كتاب جين بروكس “influenza1918″، حيث جسّدت فيه الطرق التي غيّر فيها الوباء التركيبة الطبقية لمسقط رأسها “لورانس ماساتيوستس”، وكيف أثّر المرض على والدها المهاجر الذي يقطن في مزرعة العائلة التي تبعد بضعة أميال.

ولدراسة تحليلية عن كيفية تحويل الكارثة إلى فن، يذكر جوليان بارنيز في مقاله “حطام السفينة” عن العملية التي حوّل فيها الرسام الفرنسي حطام السفينة المأساوي إلى أيقونة من أيقونات عصر الرومانسية الفرنسي. في العام ١٨١٦م ارتطمت القرفاطة -نوع من أنواع السفن الحربية- بشعاب داخل البحر وكانت قوارب النجاة لا تكفي لإنقاذ الجميع، بنى الطاقم طوفةً من خشب وألحقوها بالقوارب الأكبر، تخلّى ركاب القوارب عن الطوفة واتخذوا طريقهم تاركين البقية بدون بوصلة أو خريطة. نتيجة لهذا، عانى ركاب الطوافة لمدة أكثر من أسبوعين الجوع والعطش وتمردوا ضد بعضهم، أكلوا لحوم بعضهم وقذفوا الضعفاء منهم في البحر. عندما ظهرت سفينة في الأفق، لوّح الناجون بشكل هستيري وذلك لرؤيتهم السفينة تختفي عن أنظارهم، بالرغم من عودة السفينة في نهاية المطاف لإنقاذ ما تبقى منهم.

 

في زمننا هذا، يرى بارينز أن أي كارثة ستتحول لفيلم أو كتاب بين عشية وضحاها.

انفجار محطة نووية؟ ستقام مسرحية في مسرح لندن في غضون عام. اغتيال رئيس؟ سيصدر كتاب وفيلم وكتاب مصور ومسلسل عن الكتاب. حرب؟ الروائيون جاهزون. سلسلة من جرائم القتلة المروعة؟ استمع إلى الشعراء المشردين. يجب أن نفهم،…لكن يجب أيضا أن نبررها ونتجاوزها… لماذا حدثت؟ ما هذه الفترة الزمنية المجنونة؟ حسنا، على الأقل أنتجت بعض الأعمال الفنية.

ربما يقصد بارينز بشكل خفي” لهذا حدثت الكارثة”؛ ومع ذلك، تحويل الكارثة إلى عمل فني بعيد كل البعد عن الوضوح.

كيف قرر جيريكولت تصوير حطام الميدوسا في لوحته الشهيرة؟ يشرح بارينز أن العمل ليس كرسم كاريكاتوري سياسي للضباط وهم يقطعون الحبال التي ربما لو بقيت لأنقذت حياة البحارة المجندين. كتب اثنان من الناجين رواياتهم عن الحادثة بدرامية ولكن جيريكولت أراد أن تبقى لوحته كفضيحة.

لم يصور جيريكولت التمرد الذي حصل من بعض البحارة فيما بينهم، كما لو أنه شجار في حانة، حيث يضربون بعضهم بالكراسي ويتلقون اللكمات؛ ولم يصور أكلهم لبعضهم بصورة مباشرة حيث كان بإمكانه تصوير البحارة وهم ينخرون اللحم من عظام رفاقهم الموتى؛ ولكنه رسم لحظة ظهور السفينة في الأفق. هل كانت السفينة في طريقها إليهم؟ أم أنها ستختفي مع الأمواج؟ نصف الرجال يشيرون للسفينة بشكل هستيري. والنصف الآخر شبه ميت ملقى على الجهة المعاكسة، حزين وذلك لأنه حتى وإن نجى، فإن ما شهده وما قام بفعله سيفصله عن الأحياء إلى الأبد. لم يرسم جيريكولت مشهدًا مثيرًا، لكنها لحظة من الحقيقة الأبدية حيث وضّح فيها كيف يشعر الفرد عندما يتم تجاهل رغباته، تقول اللوحة: “ضائعون في البحر، غارقون بين الأمل واليأس، مشدودون إلى شيء قد لا يأتي لإنقاذنا أبدا”.

من خلال محاولة عدم تصوير ما هو واضح أو متجسد عن حطام ميدوسا، حوّل جيريكولت تلك الكارثة إلى فن، وهو في نهاية المطاف، كما يذكرنا بارنز “أنه ليس واضحًا على الإطلاق ما هو الفن”.

أعجبني المقال

المصدر
medium @humanparts

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى