عام

الجناية على صناعة العلم: الاختصار الجائر أنموذجًا

لو قيل لأكثر الناس: سنطوي لك الوقت ونزف لك خاتمة الرواية، أو نتيجة المباراة، بكلمة واحدة، لرأى فيذلك إزهاقًا للمتعة التي لا يزال يستطعمها قطعةً قطعةً حتى يأتي عليها، مع ما في هذه المتعة من نقص لازم.

وأرى أن مسالك كثيرة يخفّ إليها كثير من المشتغلين بالعلم تفتك بمتعة العلم التي تذوب في أحضانها مشاشة القلب، وتتوهج بها قناديل العقل، حين يمشي رويدًا رويدًا مع المسائل على هيئتها اللائقة بها، لكنه يتلقفها لا من مؤلفها، بل يقف عليها كشجرة في ظهر سيارة، قد جارت عليها أيدي الحدثان، وانتكست أغصانها، وانقعرت أصولها من مغارسها، ثم يروم أن يصطبغ في نفسه منها ما لم يعد في الشجرة نفسها!

إن كتب تراثنا الفاخر الكريم ليست معلومات مسلوبة من مراضعها، منهوبة من مواضعها، كلما تراءى فرعٌ بحثًا عن أخيه، لم يجد ما يمد له بسبب، أو يمت له بنسب.

ولذا فإن من الجناية على كتب العلماء تلخيص واختصار الكتب على وجه يكسف نضارتها، ويطمس طلعتها، ويجعل من العمل الفني المنتصب في حرَم الجمال هيكلًا خشبيًّا شائهًا، وقد شعَر بهذا المسلك الشائن بعض المصنفين، فهذا ياقوت الحموي في معجم البلدان يقول محذِّرًا من الجسارة على كتابه بإفساده: (اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سوي، فقطع أطرافه فتركه أشل اليدين، أبتر الرجلين، أعمى العينين، أصلم الأذنين، أو كمن سلب امرأة حليها فتركها عاطلًا، أو كالذي سلب الكمي سلاحه فتركه أعزل راجلًا.

وقد حكي عن الجاحظ أنه صنف كتابًا وبوّبه أبوابًا، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء وجعله أشلاء، فأحضره وقال له: يا هذا إن المصنف كالمصور وإني قد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما، أعمى الله عينيك، وكان لها أذنان فصلمتهما، صلم الله أذنيك، وكان لها يدان فقطعتهما، قطع الله يديك).

أما لو كان الاختصار على وجه علمي معتبر ينهد إليه من استحكمت فيه شرائط الاقتدار، فهذا باب آخر لا أقصده هنا[1].

لكنَّ غير المرضي ما يتفق لكثير من كتب الشريعة والعربية حين يعمد مؤلفها إلى رسمها على نظامٍ قدّره في ذهنه؛ ليصل بالقارئ أو الدارس إلى مرتبة رفيعة المطلب، ويظفر بنفائس لا يهتدي إليها بادي الرأي، ففي قوام الكتاب ملامح يتشكّل منها خَلْق بديع، وكيان منيع، ثم يخلفه من لا يرى فيه غير معلومات ينبغي أن تُجرّد، فتكون على طرف الثمام من كل كسول وملول!

ألا ترى أن هذا الصنيع الغث، والعمل الرث، سلَب من الصناعة محاسنها، وأبلى مفاتنها، حينما فقَد الإحساس بالزينة تتنادى زخارفها، وتتساقى مشاربها، وأبداها كروضة غنّاء جرفها السيل وصارت قَشًّا بعيدًا عن منابتها؟ وأين هذا مما نقل الرجراجي عن ابن أبي زيد القيرواني أنه قال: (في المدونة آبار لا يعرفها إلا مؤلفها)؟

إن من يشخص إلى كتاب أقام على بنائه وإنشائه فقيه أو أصولي أو نحوي أو غيرهم، وقد تأنق فيه وتألق، لتصدر عنه بطعام شهي، وماء روي، ثم يقول للناس: هاؤكم هذا الملخص الجامع المانع، الذي قد أدنى القطاف، وأوفى على التمام، وهو لم يزد على هتك حرمة الكتاب، والميل به إلى ما يمحو صنعته: يظن أنه قد أربى على الإحسان، وأحسن إلى الإخوان، ولم يعلم أنه رمى ذلك الكتاب في قعر سحيق لا يراه الناس حينما أوهمهم أنه كفاهم مؤنته، وأطرفهم مادته.

ليت شعري كيف لا ينتبه هؤلاء إلى أن شرح القصيدة لا يغني عنها، وأن شرح المتن لا يقوم مقامه، وأن تلخيص كلام العالم لا يسد مكانه؟

ولا تعجب من هذا المسلك الموبوء فهو ثمرة لما يتوهمه كثير من الطلاب: أن للطالب أن يكون شيخ نفسه، فهو الطالب والأستاذ، ولكن لضعف هذا الأستاذ الشادي لا بد من مضغ الطعام له قبل أن يبتلعه؛ لئلا يشرق به، فهو ليس أهلًا لمثافنة كتب العلماء، ويحتاج لوسائط يتبلّغ بها حينًا من الدهر، لكنه قد يمتد ولا يصل لتلك الأصول، فيشيع الفساد، وتعز الحيلة التي ترد المياه إلى مجاريها، والظباء إلى مغانيها.

ولقد جرّب العبد الفقير أن يضع يد الطالب على دقائق الصناعة في كتاب شهير، فهذا قيد، وتلك صفة كاشفة، وهذا استثناء، والضمير يعود إلى كل ما تقدم، وهذه صفة لموصوف محذوف، وهكذا.. لعل الطالب يفيق أن الكتاب الذي تقع عليه عيناه، وتحتضنه يداه، إنما هو صوت القرون الماضية، وخلود الأمة الباقية، وسلسلة نورانية قاضية، من تمسّك بها رشَد، ومن تخلّف عنها ضعُف بَصَرُه ورمَد.

أعيذك بالله أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فتتلقّف (ملخَّصًا مثبورًا) بدعوى أنه خيرٌ مقالًا، وأحسنُ نديًّا!


[1] ومما اشتهر باسم (المختصرات) المتون العلمية المباركة، وقد تقدم لي مقالة في الثناء عليها، والحديث حول بعض مقاصدها النبيلة، في هذا الموقع المبارك على الرابط التالي:

https://atharah.com/the-felony-of-acronyms/

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى