التربية والتعليم

أخطاء الكتابة: لماذا يكتب الأكاديميون بشكل سيء للغاية؟ وكيف يضرهم ذلك

  • إيوانا إيتاليا
  • ترجمة: ريناد عبد ربه قوماوي
  • تحرير: لما الحلاق

تشتهر الكتابة الأكاديمية بأنها فضفاضة ومملة وغامضة، رغم أن الكتابة الواضحة والدقيقة والموجزة مفيدة للجميع.

إننا إذا تمكنا من حث الأكاديميين على إنتاج نثر جيد سهل القراءة، فإن حياتهم المهنية اليومية ستتحسن بشكل كبير وسيكون الجمهور أكثر ميلًا إلى احترام مراكز التعليم العالي لدينا.

قد تبدو جودة النشر الأكاديمي قضية تافهة أو تحسينية بحتة، ولكن في الواقع هي أمر ملح، في المقابل إذا لم يتمكنوا من الكتابة بطرق جذابة وسهلة القراءة الفهم، فلن يكون لديهم أي وسيلة لإقناع دافعي الضرائب والناخبين بأن العمل الذي يقومون به مهم ويستحق الدعم والتمويل.

تعد الكتابة الأكاديمية بالنسبة لأولئك المهتمين بالفنون والعلوم الإنسانية حاجة ماسة بشكل خاص، وذلك لأن قيمة العلوم والمجالات ذات الصلة أكثر وضوحًا. ولكن العلماء يحتاجون إلى تقديم حجة قوية للحاجة للبحث الأساسي دون استخدامات طبية أو صناعية فورية، كما نحتاج نحن أيضًا الجمهور لناقلي العلم المتميزين لتعزيز الفهم العام للعلوم، والتي بدونها لن نكون قادرين على توليد الإرادة السياسية لمعالجة قضايا مهمة مثل التدهور البيئي وتغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية.

تفرض الجامعات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة رسومًا هائلة على معظم الطلاب للحصول على درجات في المواد التي ليس لها تطبيقات تجارية أو عملية واضحة. فقد بدأ هذا يشكل قيمة ضعيفة على نحو متزايد مقابل ما يدفع فيه من المال. وفي الوقت نفسه، في الولايات المتحدة بشكل خاص تعمل الطبقة الدنيا من المساعدين بأجور زهيدة، ودون أمن وظيفي ولا مرافق. إن التناقضات الأخلاقية للثقافة الجامعية صارخة حيث يعد الأكاديميون أشد المدافعين عن العدالة الاجتماعية، ومع ذلك فهم يعملون في واحدة من أكثر البيئات المهنية هرمية واستغلالية وانعزالية.!

نحن نتجه نحو كساد اقتصادي كبير في الوقت الحالي ومن المرجح أن يزداد تقليص حجم الأقسام الأكاديمية وإلغاء تمويلها، وعندها لن يتمكن الباحثون من الاعتماد على هالة الهيبة لضمان الدعم بل سيحتاجون إلى إظهار عملهم وإثبات قيمته.

يعتمد عمل أولئك في الفنون والعلوم الإنسانية على شكل الكتابة إلى حد كبير، هذا يعني أنه سيتعين عليهم الكتابة بشكل جيد فإذا لم تتمكن عالمة في العلوم الإنسانية من التواصل بشكل فعال من خلال الكتابة؛ فلن تكون قادرة على إقناع الآخرين بأن التعليم في مجالها ينتج أي مهارات قابلة للنقل.

إن حقيقة أن معظم النشر الأكاديمي ركيك ومزعج للقراء تشير إلى مدى انحراف الحوافز في التعليم العالي، فقد يفترض شخص لا يعرف شيئًا عن النظام أن الكتابة العلمية ستكون من بين الأكثر الكتابات وضوحًا ودقة.

ورغم كل شيء، يحب معظم الأكاديميين في العلوم الإنسانية قراءة الكتابة الجيدة بأنفسهم. إن الحب العميق للكتابة الجميلة هو أحد الأشياء الرئيسية التي دفعتني إلى دراسة الأدب الإنجليزي، وهذا ينطبق على الكثير وليس وحدي ففي مجال عملي، ينغمس الأكاديميون في عمل بعض أكثر مستخدمي اللغة مهارةً وقوةً ومع ذلك، فإن أغلب تعليقاتهم عبارة عن لغة ركيكة، ويفعلون ذلك على الرغم من أنهم يجب أن يقرؤوا عمل بعضهم البعض: وهي عقوبة قاسية وغير عادية، فحتى أسوأهم لم يفعل شيئًا يستحقه، فقد يمكنهم أن ينتجوا تحليلات معبرة بشكل جميل والتي سيكون من دواعي السرور الاطلاع عليها.. وبدلاً من ذلك، تتركز الحياة الأكاديمية في كثير من الأحيان حول التبادل المشترك للمحادثات المملة التي تسبب الصداع.!

يريد أكاديميو العلوم الإنسانية -مثل جميع الكتّاب- أن يتقرأ كتاباتهم. كتابة شيء تعلم أنه الذي سيقرأه عدد قليل جدًا، ولن يقرأه أحد تطوعًا منه؛ هو أمر مدمر للروح. فإذا اختار أكاديميو العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية أسلوبًا أكثر قابلية للقراءة، فسيكونون قادرين على إيصال عملهم إلى جماهير أكبر ويمكنهم التأثير بسهولة أكبر على العالم. ولكن؛ لسوء الحظ يتم تكديس الحوافز ضد الكتابة الجيدة في الأكاديمية.

في كثير من الأكاديميات، الغرض الأساسي من الكتابة ليس التواصل بل الإشارة. لا يوجد مقال للقراءة أو إضافة إلى مجموع المعرفة في العالم إلا بقدر ما يوفر خطًا في السيرة الذاتية للأكاديمي وبمجرد وجوده فإنه يجب على الأكاديميين الآخرين في المجال قراءته، لإثبات العناية الواجبة، ويمكن تعداده وإدراجه في قسم الأرشيف المطلوب في المقالات الأخرى وبالتالي يجعل هذا مؤلفيهم يبدون أكثر حذراً من خلال حذف قائمة العناصر التي قرأوها، فهذا يسمى مخطط بونزي الأكاديمي.

النكتة القديمة التي يقولها الباحث هي طريقة المكتبة لإنشاء مكتبة أخرى تبدو ملائمة هنا، فإن المصطلحات الأكاديمية أشبه بعبارة معدية تختطف عقول الباحثين دون تفكير، وتنتج المزيد من النسخ عن نفسها، وهو نوع من الفيروسات الفكرية.

معظم هذه الكتابة مخفية في المجلات العلمية والتي تدفع المحررين والمساهمين القليل أو لا شيء – أو تفرض عليهم رسومًا للنشر في بعض الحالات – ولكن لا يمكن لغير الأكاديميين الوصول إليها دون رسوم باهظة، لذا فهي موجهة فقط إلى الزملاء في الميدان. ونتيجة لذلك، لا تتأثر اللغة بشكل أساسي باعتبارات سهولة القراءة أو الأسلوب أو المعنى فهي تُستخدم لعرض النوايا الحسنة للأكاديميين الآخرين. التراكيب اللغوية الملتفة والإطناب والمصطلحات الغامضة التي لا يعرف أي شخص معناها الحقيقي أو ليس لها معنى يمكن إعادة صياغته على الإطلاق.

الكل يمكنه أن يقول أنه عالم؛ ولكن يجب أخذ أولئك الذين يمكنهم منح الحيازة أو الترقية أو التمويل على محمل الجد.

لا تكمن المشكلة في استخدام المصطلحات التقنية المتخصصة، مثل الاختصار الذي يسمح للباحثين في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بالإشارة بإيجاز إلى الظواهر أو العمليات المعقدة التي تتطلب إعادة صياغة غير مطولة، كما أنها ليست مشكلة أن الأكاديميين يستخدمون كلمات طويلة لأن هذه الكلمات والكلمات غير العادية يمكن أن تضيف فارقًا بسيطًا أو تعزز نسيج ولحن اللغة. تكمن المشكلة في أن هذه المقالات مليئة بالكلمات والعبارات والتراكيب النحوية التي لا تضيف أي شيء إلى الأسلوب أو المعنى، والتي لا توضح ولا تثري بل إن هذه السمات اللغوية هي في الواقع رادعات، تخدم غرضًا مشابهًا للجمجمة والعظمتين المتقاطعتين.

لسان حالهم: احذروا، الأكاديميون هم من يمكنهم قراءة هذا فقط فهذا ليس من أجل الجماهير عامة. ستحتاج إلى وثائق فكرية صحيحة قبل أن تتمكن من كسر ختم “ممنوع للعوام” على هذه الورقة. ويختلف هذا النوع من الغموض في الكتابة عن الكتابة الفنية المتخصصة لأن لا أحد، ولا حتى زملائه الخبراء في هذا المجال، يمكنهم قراءته بفهم حقيقي.

ربما يكون الكثير من الغموض في الكتابة الأكاديمية هذه نتيجة للخوف الذي يدفع شخصًا ما للكتابة بينما تتحد مصفوفة من العوامل المتنوعة لإثارة هذه الظاهرة، فإن معاهد التعليم من الروضة وحتى الصف الثاني عشر التي توفر قواعد مرجعية لتقديم الحجج -التي ترغب هذه المقالة في معالجتها- بها مشكلات هي جزء لا يتجزأ مما نعتبره أصل المشكلة.

لا أحد يريد أن يبدو أقل دراية من الآخرين، وأقل من غيره في التمكن من اللغة، وأقل تطورا شفهيًا ايضاً. لا أعرف أي مهنة أخرى يعاني فيها المزيد من الناس من متلازمة “المحتال” أكثر من تلك، ويكمن السبب وراء ذلك أنه لا أحد يريد أن يعترف بأنه لا يرى الغموض في كل هذه العبارات المعقدة الغامضة، لأنه حينها سيبدو له أن تلك الترهات تعبر بالفعل عن شيء رائع وعميق، يستطيع أي شخص آخر ذكي فهمه، ماعدا هو.

يتطلب كسر هذه القاعدة شجاعة، لكن للأسف معظم الأكاديميين يخافون، لأن في مجال الفنون والعلوم الإنسانية خصيصاً الوظائف قليلة والمال شحيح، فلا أحد يرغب في المجازفة، لذا يجب على الجميع اتباع القاعدة.

من المحتمل أن يكون هذا التوافق هو السبب في أن الأكاديمية متجانسة للغاية من الناحية السياسية. لقد خلقت مشكلة العمل الجماعي – كلعبة القفز على الحبل المتحرك بطريقة مزدوجة، ينبغي من أي شخص آخر أن يكون حذراً من أي غريب، لأن النتيجة الصافية تُفقر الجميع.

هناك أوجه تآزر واتجاهات بازغة يمكنك الحصول عليها فقط من خلال جمع العلماء معًا في مكان واحد كالجامعات فهي مهمه للغاية كمصانع المعرفة. يتم إثراء جودة الحياة البشرية بشكل كبير من خلال الفن والأدب والموسيقى والتاريخ وعلم النفس والفلسفة وغيرها من التخصصات دون أي قيمة نقدية أو عملية فورية ويرجع هذا لسبب أنها تعمق فهمنا للطبيعة البشرية. إذا أردنا أن ندافع عن الجامعات، فإننا سنعاني من خسارة غير ملموسة وليس أقل من ذلك، بينما إذا أراد أكاديميو العلوم الإنسانية البقاء، فسيكون عليهم إقناع الآخرين من خلال الكتابة الواضحة وإتاحة عملهم للجمهور فهذه هي الخطوة الضرورية الأولى.

لذا، كيف يمكننا إعادة تنظيم نظام الحوافز المشوّه الذي يُكَافِئ الكتابة الرهيبة؟

أولاً: بدلاً من جعل تمويل القسم مرهونًا بنشر عدد معين من أوراق المجلات، يجب أن يكون بالتواصل مع الجمهور.

ثانياً: إتاحة الفرص لأكاديميي العلوم الإنسانية والفنون لتقديم محاضرات منتظمة لعامة الناس بدلاً من مطالبتهم بالنشر في مجلات متخصصة تكون محتوياتها مخفية بشكل كبير وغريبة عن الرأي العام، ويجب مكافئة أولئك الذين يعملون على كتب لإنتاج جمهور قارئ متعلم.

ثالثا: يحتاج العلماء أنفسهم إلى التوقف عن القيام بعمل غير مدفوع الأجر للدوريات الغامضة والطنانة بإنشاء منصات مفتوحة لأنهم يحتاجون إلى الثناء والمكافأة والعمل على تعزيز الإشارة الممتعة للقراءة، وإرسال الخطابات المطولة غير المفهومة إلى مؤلفيها لإعادة صياغتها ويحتاجون إلى مزيد من الشجاعة للكتابة بأسلوب واضح وأنيق ومفهوم والتخلص من الاستناد على النحو الملتوي ومصطلحات لا معنى لها.

لطالما اعتبرت عدم قابلية الكتابة الأكاديمية للتغيير فكرة سخيفة هزلية، فقد حان الوقت بأن ندرك أنها مشكلة خطيرة.

لأنه، إذا أردنا إقناع عامة دافعي الضرائب بأن الجامعات تستحق التمويل، يحتاج الأكاديميون إلى إنتاج عمل متاح للجمهور وممتع للقراءة.

المصدر
areomagazine

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى