عام

الإنترنت و وهم المعرفة

لماذا نعتقد أننا أذكى مما نحن عليه في الواقع؟ وما عواقب ذلك التصور المغلوط عن قدراتنا المعرفية؟

  • سوزان جرينفيلد
  • ترجمة : سالم با عثمان
  • تحرير: إسراء عمر بدوي

مقدمة المترجم

في حياتنا اليومية تمضي علينا مواقف وأحداثٌ ومعلوماتٌ نتذكرها، بل ونتذكر تفاصيلها أيضاً، ولكن قد لا نتذكر زمن وقوعها أو مصدرها. على سبيل المثال: لنقل أنك تعرف شخصية معينة، وقد قرأت عن تاريخها و ما قدَّمت وأخرت، ولكن ذاكرتك تخونك عند محاولة استرجاع المصدر الذي استقيت منه تلك المعلومات.

 إنك في هذه الحالة تكون قد ارتكبت إحدى الخطايا السبع للذاكرة، كما يعبِّر عنها دانيال شكاكتر عالم النفس الشهير والباحث المتخصص في مجال الذاكرة في جامعة هارفارد. تلك الخطايا السبع هي الحجب، وشرود الذهن، والتلاشي، والإيحاء، والتحيز، والإلحاح (أو اقتحام الذكريات) وأخيراً سوء الإسناد كما هو الحال في مثالنا السابق[1].

وقد صرّح بعض علماء النفس أن خطايا الذاكرة قد تكون في غاية الأهمية للإنسان لأسبابٍ عديدة، منها أن الدماغ يعطي الأولوية للمعلومات التي نرى أنها من الأهمية بمكان كي نتذكرها ونستعملها في حياتنا اليومية لغرض زيادة فعالية الذاكرة memory efficacy ، ومنها أن الذاكرة في حاجةٍ مستمرةٍ لإفساح المجال لتشكيل ذكرياتٍ جديدةٍ[2]. وفي المجمل فإن خطايا الذاكرة كما يصفها شكاكتر هي سماتٌ تكوينيةٌ أساسيةٌ لدى الإنسان للتأقلم مع مدلهمات الحياة.

لنعد الآن إلى الخطيئة الأخيرة : سوء الإسناد، ومثال تذكر الشخصية.

نحن إذن عند تذكرنا للشخصية نتذكر التفاصيل ولكن يصعب علينا تذكّر بعض المعلومات المتعلقة مثل : أين قرأت عن تلك الشخصية؟ أو متى كان ذلك؟ وقد نتذكر حدثاً مهماً لكننا ننسى أو نخلط بين الأشخاص الذين شاركونا ذلك الحدث.

من أشهر الأمثلة في ذلك ما حدث لعالم النفس الأسترالي دونالد ثومسون عندما اتُّهم من قِبل الشرطة باغتصاب فتاةٍ كانت تتذكر تفاصيل الواقعة بشكلٍ دقيقٍ وقد ذكرته كمتهم في الحادثة. تبين فيما بعد أن الفتاة كانت تشاهد مسلسل ثومسون على التلفاز قبل لحظاتٍ من وقوع الحادثة وأنها قد خلطت بينه وبين فاعل الجريمة! من حسن حظ ثومسون أنه كان لا يزال في محطة التلفاز بعيداً عن موقع الجريمة وقت وقوع الحادثة.[3]

يمكن تقسيم (سوء الإسناد) إلى ثلاثة أقسام: نسيان خفي cryptoamnesia وفيه ينسب الشخص الأفكار لوحي أصالته الفكرية مما يؤدي إلى انتهاك حقوق الملكية من غير شعور المرء بذلك plagiarism ، والذاكرة المزيفة false memory: وفيه قد يتذكر الإنسان وقائع لم تحدث أو يتذكرها بطريقة خاطئة. والأخيرة هي خلط المصدر (source confusion/ source-monitoring error) وفيه ينسب الشخص المعلومات إلى مصادر أخرى[3].

دعنا الآن -عزيزي القارئ- نسلط الضوء على القسم الأخير: خلط المصدر.

قد نرتكب هذا الخطأ بشكلٍ مستمرٍ، كأن ننسب أبياتاً من نظم الشافعي إلى غيره، أو أن نذكر مقولة لدوستويفسكي وننسبها إلى تولستوي، وأشياء من هذا القبيل.

إنّ هذا الخطأ في الغالب لا تترتب عليه مشاكل كبيرة، لكنه قد يؤدي في أحيانٍ أخرى إلى عواقب وخيمةٍ خصوصاً في الأنظمة القانونية أو الشهادة في المحكمة  كما هو المثال في دونالد ثومسون.

وفي هذه المقالة القصيرة، تسلط الكاتبة سوزان جرينفيلد -عالمة الأعصاب وعضوة مجلس اللوردات- الضوء على ظاهرةٍ جديدةٍ فيما يخص خلط المصدر وسوء الإسناد. ركّزت أبحاث جرينفيلد على اضطرابات التآكل العصبي degenerative diseases وبالتحديد الزهايمر وباركنسون، واهتمت أيضاً بالأبحاث في مجال التقنية وأثرها على الدماغ كما هو الحال في هذا المقال.


نص المقالة:

«كما يعرف الجميع، ثمّة أشياء نعرف أنّنا نعرفها (known knowns)، وثمّة أشياء نعرف أننا لا نعرفها (known unknowns)… لكن أيضاً، ثمّة أشياء لا نعرف أنّنا لا نعرفها (unknown unknowns)» دونالد رامسفيلد

 

لطالما سعى الإنسان في تحسين وتطوير محدودية  قدراته الذهنية، وتحديداً بالاعتماد على موارد أخرى لتخزين وحفظ المعلومات.

قبل عصر الشبكة العنكبوتية كنا نعتمد مشاركة بعضنا البعض الأعباء المعرفية الهائلة المتطلبة لكي نوجه أنفسنا في هذا العالم؛ على سبيل المثال : نتشارك وننقل خبراتنا في معرفة أي من النباتات سامةٌ وأيها صالحٌ للأكل؟

نحن نعمل باستمرارٍ على تحديث خزائننا المعرفية من خلال تواصلنا المباشر مع المجتمع من حولنا، ومع تطورنا المستمر أصبحنا نعزز تلك الخزائن باستخدام أدواتٍ متنوعةٍ كالكتب وغيرها.

عندما نتتبع مصادر المعلومات من أشخاص آخرين، أو من وسائل مختلفة كالكتب نحن لا نخلط بين ما نعرفه وبين ما يقدمه لنا مصدر المعرفة؛ بعبارةٍ أخرى: نحن على وعيٍ تامٍ بمحدودية خزائننا المعرفية.

في المقابل، تظهر الأبحاث الأخيرة أنه عند استخدام الإنترنت فإننا – كما يقول دونالد رامسفيلد- لم نعد نعرف ما نعرفه وما لا نعرفه.

من خلال تسع تجارب علميةٍ -شملت ما يزيد على ألف مشترك- وجد الباحثون من جامعة ييل Yale  أن الإنترنت يخلق نوعاً من الوهم المعرفي من خلال مزج المعلومات التي وجدناها على الشبكة والمعلومات الكامنة في أذهاننا.

طُلب من المشتركين بأن يقوموا بالبحث في متصفح الإنترنت عن أسئلةٍ بسيطةٍ وشائعةٍ تبدأ بـ (كيف؟) و(لماذا؟)، مثل : (كيف يعمل السحّاب؟) وما إلى ذلك. الأسئلة كانت بدهية لأغلب الناس لدرجة تعينهم على معرفة الإجابات ببساطة، لكن طُلب منهم البحث لغرض التأكيد. كان تقييم ثقة المشتركين في مجموعة البحث الإلكتروني لأنفسهم أعلى بمراحل كثيرةٍ بالمقارنة مع المجموعة الأخرى التي لم تستخدم الإنترنت، حتى في قدرتهم على الإجابة وتوضيح أسئلةٍ مختلفةٍ وغير مرتبطةٍ تماماً.

بالإضافة إلى ذلك، وجد الباحثون أنّ مجرد الدخول على الشبكة لم يسوّغ وحده هذه الثقة المفرطة في معرفتنا؛ في الواقع، كان (وهم المعرفة) نتيجة فعل “البحث على الإنترنت” بالتحديد، بغض النظر عن نوع محرك البحث أو كون نتيجة البحث مثمرةً أو مرتبطةً بالأسئلة؛ وكأن مجرد عملية البحث عن المعلومة على الإنترنت كافٍ لإقناع أذهاننا بأننا نملك إجاباتٍ أكثر ومعلوماتٍ أعمق مما نملكه في الحقيقة.

لا شك في أننا على علمٍ تامٍ بأننا نستعين بالشبكة العنكبوتية بشكلٍ كبيرٍ كمصدرٍ للمعرفة، فهذه ليست معلومةً جديدةً لدى الأغلب؛ ولكن نتائج هذه التجارب الجديدة تفيد بأن الاستعانة بالإنترنت كمصدرٍ للمعرفة بإمكانه إخفاء حدود معرفتنا، وإلى أي مدى نعتمد على مصادر المعلومات الخارجية. وبما أن التطور التقني يسهّل الحصول على المعلومة ويسرّع طريقة وصولنا لها، فإن الباحثين في ييل Yaleيتوقعون بأن مهمة تقييم وقياس قدراتنا المعرفية ستصبح أكثر تعقيداً.

هذا النوع من الوهم -بافتراض أننا نقلنا مصادر المعرفة الخارجية إلى أذهاننا- قد يتسبب -وبشكلٍ غير مقصود- في المبالغة في تقدير قدراتنا المعرفية، حتى في حالاتٍ حرجةٍ تتطلب الاعتماد على أنفسنا دون الاستعانة بأية مصادر خارجية.

على سبيل المثال لا الحصر، الطالب الذي يعتمد على الشبكة لغرض الدراسة قد يتفاجأ بضعف تحصيله العلمي عندما يكون في قاعة الامتحانات.

وفي الختام، إنّ هذا التغير في تحصيل المعرفة من الاعتمادية الشخصية إلى الاعتماد على التقنية قد يبدو طفيفاً وعابراً، ولكن في الحقيقة قد تكون له آثارٌعميقةٌ في كيفية إدراكنا للعالم من حولنا.


مقالات ذات صلة :

[1] الخطايا السبعة للذاكرة: كيف ينسى العقل ويتذكر- دانيال شكاكتر

[2] False memory and importance: Can we prioritize encoding without consequence

[3] How Memories are Distorted and Invented: Misattribution

المراجع:

  1. Rumsfeld, D.H. (2002, February 12). DoD News Briefing—Secretary Rumsfeld and Gen. Myers. [Transcript]. Retrieved from http://www.defense.gov/transcripts/transcript.aspx?transcriptid=2636
  2. Fisher, M., Goddu, M. K., & Keil, F. C. (2015). Searching for Explanations: How the Internet Inflates Estimates of Internal Knowledge. Journal of Experimental Psychology, 144(3), 674-687. http://dx.doi.org/10.1037/xge0000070
المصدر
psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق