عام

لماذا نبقى في القطار؟

كيف للتفكير في المستقبل أن يضع قيوداً على حاضرنا

  • أماندا سيلفر
  • ترجمة: زياد الحازمي
  • تحرير: فاطمة إنفيص

إن من أكثر الغرائبِ المدهشةِ لسيكولوجية الإنسان هي مناعتنا ضدّ أي تغييرٍ في مسار حياتنا، فنحن نتشبّث بوظائفنا، وعلاقاتنا، واستثماراتنا وأنشطتنا الاجتماعية رغم معلوماتنا المحدودة عنها، ثم نتّبع منهجية التوفيق بين توقعاتنا والتجربة التي نعيشها بمحاولة الالتفاف حول أي مواطن ضعفٍ نواجهها على الطريق، فنتحمّل وظيفةً مُنهِكةً فقط لأن الترقية قريبةُ المنال، ونتمسّك بأسهمٍ هابطةٍ لأننا سنوبخ أنفسنا إذا بعناها قُبَيل ارتفاعها.

هذه النزعةُ لتفضيلِ وضعنا الحاليّ تُسمّى “الانحياز للوضع الراهن”، وهي شعورٌ مشابهٌ لوجودك في قطارٍ قد لا يأخذك لوجهتك، ولكن بدلاً من النزول منهُ تقرّرُ البقاءَ فيه.

كنت أحاول مؤخراً أن أروّض هذا الانحيازَ في سلوكياتي الشخصية وتوصّلتُ لإدراك أن إحدى أقوى الحواجزِ المانعة من التغيير هي“وطأةُ إدراك ما تتطلبهُ إعادة هيكلة لحياتك”، واحتمالُ خسارتكَ للسردية التي لطالما كنت تخبرُ نفسك بها عن ذاتك ووُجهتِك وكيفيّة وصولكَ لها.

سأستعملُ هذه المقالةَ كوسيلةٍ للغوصِ في بعضِ الأغوارِ التي بُنيتْ على علمِ النفس والنظرياتِ الاقتصاديةِ السلوكية، وقد بدأتُ التنقيب عن هذا الموضوع في محاولةٍ لتفهُّم الدوافعِ والمحفزاتِ خلفَ مَيلنا للبقاءِ في هذا القطار، لكنْ في حقبةٍ تتميز بالتغيّر السريع في طريقةِ حياتنا، فإنني أرى هذا الموضوعَ مهماً أيضاً عندما نحاول أن نفهمَ الأسبابَ وراء الخمولِ والقصور الذاتي عند المنظّماتِ وأفرادِ الموظفين.

 

ما هو الانحياز للوضع الراهن؟

مصطلح ظاهرة الوضع الراهن وُضع لأول مرة عن طريق الاقتصاديّين: ويليام سامويلسون، وريتشارد زيكاوزر في رسالتهم التي نشرت عام 1988 بعنوان “الانحياز للوضع الراهن في اتخاذ القرارات”، وباستخدام الاستبانات والدراسات الميدانية أظهر المؤلفان أن المشاركين غالباً سيختارون الخيار الذي يمكن تأطيره في ظل وضعهم الراهن.

على سبيل المثال، قُدِّم سيناريو افتراضيّ للمشاركينَ لتقييمِ فُرصٍ وظيفية: في النسخة المحايدة أُعطي المشاركون وصفاً لأربعة عروض وظيفية، وفي نسخة الوضع الراهن أُعطي المشاركون أيضاً وصفاً لأربعة عروض، لكن أحدها كان مصمما وفقاً لعملهم الحالي، في هذه النسخة كان المشاركون غالباً يختارون منصبهم الحاليّ حتى لو كانت البدائل الأخرى أكثر جاذبية.

 

القطار

لتوضيح فكرة الانحيازية أكثر، أودّ استخدامَ السياق المجازي لركوب القطار: تخيّل أنكَ تركب قطاراً ما، ولديك معرفة ما عن وجهة القطار، ولكن ليس لديك يقينٌ مُطلق بخصوص الوجهة المقصودة، ولديك الخيار إما بالبقاء على متن القطار أو الترّجل والبحث عن قطار آخر؛ ربما ليس هذا التعبير المجازي الأمثل لكن قد يساعد لتوضيح أننا بمجرد أن نجد أنفسنا على طريقٍ ما وبغض النظر عن الشكوك وإمكانية البحث عن بدائل، فإن هناك عوائقَ معتبرةً قد تقللُ من قابليتنا لإحداثِ تغيير ما.

 

تكلفة النزول من القطار

لماذا يصعب علينا تغييرُ مسارنا؟ فنحن نعرف عن أنفسنا والعالم الآن أكثر مما كنّا نعرف عندما بدأنا هذه الرحلةَ في المقامِ الأول، إنّ هناك شيئاً مهماً يحدث عندما نسلك طريقاً ما: نحن نجعل هذا القرار جزءاً أساسياً من حياتنا.

بعد أن تتخذ قرار ركوب هذا القطار، تجلس على مقعدك وتشعر بشعور مريح، وتبدأ تحدث نفسك عن المستقبل الذي ستحظى به وكيف أنك ستكون سعيداً عندما تصل إلى هناك، مما يجعل هذا المستقبل مؤكداً ومبنياً على مسارك الحالي.

ولكن ماذا لو اتّضح لك أن القطار لم يعُد يسير بذلك الاتجاه الذي تخيلته، أوتوقف لأجل الصيانة، أوأنك فقط لم تعد مستمتعا بالرحلة كما كنت تتوقع؟ هل ستنزل؟

بمجرد أن تبني سردية كاملة حول سلوكياتك الحالية، أومسارك المهني الذي خططت له، أوالعائد المالي من استثمار معين، وعلى الرغم من أنك لستَ واثقاً من وصولك لتلك الوجهة، إلا أن فكرة فقدان ذلك المستقبل المحتمل مدمرة ومحبطة في آن واحد.

هذه التجربة تتوافق أيضاً مع بعض التفسيرات الافتراضية الشائعة لـ “الانحياز للوضع الراهن”.

  • كلفة التحوّل: في نظرية بحث التكلفة الاقتصادية، تتأثر قراراتنا بشيئين: التكاليف الخارجية كالاستثمارات النقدية وتكاليف الفرص؛ والتكاليف الداخلية وهو الجهد العقلي المتطلب للقيام بالبحث. بتعبير آخر فإن عملية بناءِ سردية جديدة حيال المسارات التي ننتهجها قد تخلق حملا معرفيا باهظا.
  • النفورُ من الفقدان: تظهر “نظرية الاحتمالية” لدانيل كانمان وآموس تفيرسكي التباين الواضح في كيفية تقييمنا للمخرجات، خصوصاً عندما نعظم من أمر الفقدان أكثر من أمر المكسب المساوي له في القَدر، فإذا أصبحنا متشبّثين بالسردية الآنية فسوف يكون الشعور المحتمل لفقدان الوضع الراهن أكبر وأجلّ من بهجةِ المكَسب المحتمل لبديلٍ ما.
  • تجنّب الندم: إننا عندما نستثمر الوقت والتركيز والموارد لأجل مسعىً ما، فإنه يصبح من الصعب جداً أن نتخلى عنه حتى لو اكتشفنا سوءَ هذا القرار، وهذا السلوك له مسمّيات أخرى كـ “مغالطة كونكورد”، ”فخ التكلفة الغارقة”و “إضاعة الجهد في غيرِ نفع” والتي تشير كلها لفكرة أننا قد نلتزم بجادة ما، متجنّبينَ الاعتراف بالفشل أو آملين في أن الأمور قد تتبدل، وكلما عشنا أكثر مع سردية معينة، كلما بذلنا الكثير من الجهد والوقت لبناء تلك الصورة المستقبلية المتعلقة بها، وكلما أصبح اتخاذ قرار التغيير العقلاني أصعب.

 

قرار صعود الرحلة

هناك كثير من الأسباب التي تُصعّب من تبديل حالة الوضع الراهن، فالقطار مريحٌ وقد اعتدنا عليه، وحتى لو لم يكن كل شيء مثالياً فيمكننا أن نتكيفَ ونستفيدَ من الرحلة التي صعدنا إليها بأقصى حد، ففي معظم الحالات لا داعيَ لكي ننزل من القطار.

ولكن في بعض الحالات يكون العائق الكبير أمام التغيير هو الخوف من فقدان ذلك المستقبل الذي تخيّلناه لأنفسنا، فهذا الانتزاع لذواتنا من الخطط التي أنشأناها والسرديات التي خلقناها لأنفسنا حول المستقبل، يكون مؤلماً، وحتى مع افتراض أن هذا الألم سيقودنا لشيء رائع، إلا أن هذه المخاطرة بذاتها تمنعنا من تجربة الخيارات وتقييم البدائل.

وكما قلت في طليعة هذه المقالة، أنني أحاول ترويض قابليتي لبناء المستقبل المثالي وربط ذاتي بمسار وسردية ما، ولكنّه من المهم تذكر أن يبقى الإنسان موضوعياً متجرّداً عند اتخاذه لقراراته، وأن يعي أن هذه الخطة التي يسيرُ عليها لا تزال أبداً محاطةً بالشكوك، فقد يكون البقاء في القطارِ شيئاً جيداً ولكن يجب أن يكونَ خياراً مَرِنَاً وليس حالةً افتراضيةً نلجأُ إليها كلما خشينا من التغيير.

المصدر
medium @amsilverny

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق