عام

لماذا نغضب؟

  • يوسف عسيري
  • تحرير: عبير العتيبي

أغلب أساليب علاج الغضب والتحكم به غير الدوائية تندرج تحت المسمى الكبير في علم النفس (Mindfulness)، وهو عبارة عن تركيز وانتباه للأفكار وللأفعال مثل (Relaxation exercises) تمارين الاسترخاء ومثل (Meditation) التأمل ومثل ملاحظة ومتابعة الأفكار والمشاعر وتسجيلها ومحاولة التحكم بها (Watching thoughts and ideas) ومثل تحويل مسار الغضب (Redirecting anger) بحيث يتحول إلى عملٍ مفيد كالرياضة والكتابة والرسم وغيرها.

ولكن هذا كله لا يُعالِج معالجةً عميقة وإنما يكتفي بالتركيز على الجانب السلوكي منه، ولا تركز كثيرًا على الجانب المعرفي الذي هو أعمق من السلوكي. إنَّ الخطأ في التشخيص يعطي علاجًا خاطئًا بالضرورة.

في هذه الأيام قد يختنق الإنسان من الغيظ ويُظهِر للناس أنه لا يعاني شيئًا من الداخل؛ ولكن الحقيقة هو أنه يحاول ألا يخرج عن الإطار المتعارف عليه في المجتمع الذي يسكنه. قد يُسمى بتأثير المجتمع أو تأثير القرين. التأثير المجتمعي هو العُرف أو السائد المتوافَق عليه من قِبَل المجتمع حتى ولو لم يكن مباشرًا، أما تأثير القرين فهو التأثير المتبادل بين الأصحاب!

عندما ينظر الإنسان إلى الأشياء من حوله فهو ينظر لها من خلال قالبٍ فكري عام خاص به، جمعه في حياته من خلال تعليمه وتجاربه وتربيته، وهو ابن بيئته يتأثر فيها ويؤثر بقدر ما آتاه الله من الذكاء والزكاء.

ومما تغير في هذا الزمن أنَّ التأثير والتأثر اختلفا كثيرًا عن الماضي والسبب يرجع إلى فكرة التواصل أو بصورةٍ أدق لكيفية التواصل بين الناس.

لنأخذ “سناب شات” بصفته مثالا: تدخل لكي تتواصل مع أصدقائك ومعارفك، ولكن يوجد خانة في الأسفل تقول “for you” يعني “لك” وفي الحقيقة أنها ليست لك ولا تدري بأي معيارٍ صُنِّفت لتكون لك. ثم تنظر فإذا الأغلب في هذه القنوات أو الأفراد إنما يتحدثون بصفة “الملكية” بمعنى أنهم يملكون شيئًا ويريدون إيصال هذه الفكرة لك “أنهم يملكون هذا الشيء”. بعضهم يملك فكرة أو معلومة يريد إيصالها لك وبعضهم يريد إيصال فكرةٍ للناس أو “المتابعين” أنه سعيد، إما لأنه فقط مشهور أو لأنه يملك كذا وكذا ويأكل كذا ويشرب كذا، والمحرك الأكبر في الغالب هو المال. زيادة المتابعين تعني زيادة الإعلانات مما يعني زيادة المال ومن ثم زيادة وقت الفراغ للدوران في هذه الحلقة! وعلى غير سناب شات، فيس بوك ويوتيوب وغيرها كثير، لكن سناب شات يعمل كالمرآة يرى الشخص نفسه فيها ومن ثم يحاول أنْ يُظهِر أفضل ما لديه، فهو يُسوِّق ويُسلِّع نفسه سواءً شعر بذلك أم لا. إنه يطرح نفسه في سوقٍ من العرض والطلب وهذا السوق شديد التنافس على السهل والجذاب والمربح، إنه تنافسٌ غير شريف في سبيل غايةٍ غير شريفة “إلا من رحم ربي”.

وقد قالها رسولنا الكريم بأحسن تعبير: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى عليكم الدنيا أنْ تبسط عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم” وفي اللفظ الآخر “فتهلككم كما أهلكتهم“. (البخاري:٦٠٨٧)

ولكن ألا يستطيع الواحد منا مشاهدة ما يحب وترك ما يكره؟ بلى ولكن التأثير لا يكون فقط مباشرًا، بل قد يكون بطريقةٍ غير مباشرة.

في دراسةٍ قام بها آن روقيفين وغيتا جوهر(1) على المتغيرات والمألوفات خلِصوا إلى أنَّ الاعتقاد المطور كما عبَّروا عنه يتأثر بمدى مألوفية المعروض أكثر من كونه حقيقيًا أو زائفًا، وأنَّ التقارير المكررة تصبح أكثر تصديقًا من الجديدة.

هذا الضخ الهائل في وسائل التواصل يُسهِم في جعل كثيرٍ من الأفكار الخاطئة مألوفة، وهذه الألفة تتحول إلى حقيقةٍ مُسَلَّمة وبعض نتاج هذا التأثير شدةُ ولع الناس بالمحسوس وبالمادي وبالشيء الذي يراه الإنسان أو يسمعه أو يشمه أو يتذوقه أو حتى يلمسه، وهذا لم ينتج فقط من وسائل التواصل ولكنه سياقٌ فكريٌ تاريخي أدى إلى هذا الاعوجاج.

البروفيسور حسين نصر يُعد ممن أشاروا إلى هذا الاعوجاج حيث يقول: “أنَّ أعظم البلاءات التي أصابت البشرية هي تَحوُّل الحقيقة من إلهية إلى حقيقةٍ بشرية في القرن الثامن والتاسع عشر الميلادي، وجعلت على حسب تعبيره العالم عائمًا بدون مركزٍ حقيقي، وهذا التحول ألقى بظِلاله على كل شيء”(2).

ويقول أيضًا في موضعِ آخر: “لم يكن العالم قط مثلما هو عليه من التطرف المادي، اليوم في مبنى واحد تجد عاملًا يتقاضى 12 ألف دولارٍ في السنة وفي نفس المبنى تجد المدير يتقاضى 30 مليونًا في السنة، سعر كوب قهوة جيد في نيويورك يكفي غذاء عائلة كاملة لمدة أسبوعين في بنغلاديش”.

لنبدأ القصة من البداية:

قال الله سبحانه وتعالى للملائكة أنه سيجعل في الأرض بشرًا يخلف بعضهم بعضًا، فسأل الملائكة ربهم سبحانه عن الحكمة من جعلهم خلفاء في الأرض! فأجابهم أنه يعلم ما لا يعلمون. ولبيان منزلة آدم عليه السلام عَلَّمه الله أسماء كل شيء ألفاظًا ومعاني، وأَسْجَد له الملائكة ولكن إبليس الرجيم لم يسجد لآدم لأنه أبى واستكبر، وقد بيَّت إبليس العداوة من قبل.

قال الله تعالى ” ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]

وفي صحيح مسلم: “لما صَوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أنْ يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلقٌ لا يتمالك” (مسلم: ٢٦١١)

ولكن منشأ عداوة إبليس ليست الغضب ولكنها الكِبْر، لأنَّ الغضب ليس شعورًا أصيلًا في النفس ولكنه تابعٌ لشعورٍ أعمق أو ردةِ فعل.

في القرآن الكريم يخبرنا ربنا جلَّ وعلا أنَّ إبليس قال﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلّا تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ قالَ أَنا۠ خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنى مِن نارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]   صرَّح الشيطان بأنه – في منظوره القاصر- أحسن من آدم، وكل ما فعل ويفعل في سبيل إغواء أبناء آدم إنما سببه الكبر!

وعند ابن القيم رحمه الله في الفوائد أنَّ أصول الخطايا كلها ثلاثة:

  1. الكِبر الذي أودى بإبليس إلى لعنة الله.
  2. والحرص الذي أخرج آدم من الجنة.
  3. والحسد الذي جرَّ ابن آدم على أخيه.

إنَّ أحد أهم أسباب غضبنا هو إعجابنا الشديد بأنفسنا، لأنه إذا شعر الواحد منا بقيمةٍ أكبر مما يستحق من الكرامة التي أعطاه الله فإن هذا يستحيل إلى تهيئةٍ كبيرة لسهولة الوقوع في الغضب.

وإنسان اليوم مُحمَّل بكل هذا الوهم، أنه الخارق وغير العادي، والذي وصل إلى القمر وجعل العالم يبدو قريةً صغيرة، وأنه يستطيع فعل كل شيءٍ وأنه حُر. ولكنه ما زال يمرض وما زال يموت وما زال يشيخ ويضعف وتعتريه الأحزان ويقلق من التوافه، فيجمعها في نفسه فلا تستقيم.

وأما السبب الثاني فهو الحرص

تخيل أنك تملك فقط مصنعًا واحدًا وهو الذي يُمثِّل دخلك الوحيد، ومن غير هذا المصنع ستموت من الجوع والعطش. كيف سيكون تعاملك مع هذا المصنع؟ ستحرص كل الحرص بألا يمسه سوء أليس كذلك؟

هذا ما يريد العالم الحالي أنْ يوهمك أنه صحيح وأنَّ الدنيا تطلُب لذاتها وأنها دار قرارٍ وليست عبور.

هذه النظرة الحالية للدنيا بأنها مركز جعلت الإنسان يحرص كل الحرص عليها، وعليها فقط. ومن هنا فإنَّ أي شيءٍ يصيب هذا المصنع يُسخِطه ويُغضِبه.

وقد أجاد صاحب كتاب “مآلات الخطاب المدني” في وصفه حيث قال: “إنَّ النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية في المواقف والرؤى هي المُغالاة في قيمة المدنية والحضارة (3).

والسبب الآخير هو الحسد

فكل هذا إذًا يهيِّئ جوًا من التحاسد بين الناس لِمَا أظهر من الفروقات، ولتركيزه على القيم المادية الاستهلاكية.

ويتحاسد القريبون أكثر من أولئك البعيدون، فالجار يحسد جاره أو قريبه ولا يحسد البعيد. والعلة في قربِ المسافة المكانية والمعرفية فالجار والقريب يعرف الكثير بحكم الجوار أو القرابة وقد يكون كما هو في كثيرٍ من الأحوال يعرفه منذ الطفولة، وهذه المعرفة تقول بلسان الحال: كنا في مكانٍ واحد وعندنا إمكانات متقاربة إنْ لم تكن نفس الإمكانات ثم ينجح، بغض النظر عن تعريف النجاح هنا الذي بطبيعة الحال سيعود لِمَا هو متعارفٌ عليه بين ذلك المحيط. ولكن ما يهم أنَّ هذا النجاح يكون للقريب تذكيرًا بمقدار فشله؛ لأنَّ الحسود يركز انتباهه دائمًا على نفسه وينظر إليها على أنها الثابت وغيرها متحرك، على أنها الصحيح وغيرها الخطأ، لذلك تجده مثلًا يتصدق بالرديء ولو كان لنفسه لَمَا أعطاها إلا أحسن شيء. كما في قصة هابيل وقابيل في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]     فكيف بعالمِ اليوم الذي أصبح فيه كل شيءٍ قريبًا جدًا؟.

هذا الاختزال الكبير والمُجحف يجعل الناس يكتوُون بنيران هذه النظرة المادية، ولكن هذا شيءٌ موجودٌ منذ القدم.

ألم يمد أصحاب النظرة القاصرة هذه لسليمان عليه السلام بمالٍ فقال لهم:  ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ[النمل:٣٦]

الحياة الطيبة مطلب كل ذي عقل، فقد بدأ ربنا سبحانه وتعالى سورة الزمر بقوله: ﴿تَنزيلُ الكِتٰبِ مِنَ اللَّهِ العَزيزِ الحَكيمِ * إِنّا أَنزَلنا إِلَيكَ الكِتٰبَ بِالحَقِّ فَاعبُدِ اللَّهَ مُخلِصًا لَهُ الدّينَ * أَلا لِلَّهِ الدّينُ الخالِصُ ﴾  [الزمر:١-٣] الآية

وكان ﷺ يقرأ بها كثيرًا في الفجر لِمَا فيها من دلالةِ الإخلاص وأنَّ من يُجافي النوم تلبيةً لنداء “حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم” ليس كمن يعبد الله على حرف.

نحن بحاجة اليوم لنداء (mindfulness) ولكن ليس في ترجمتها “اليقظة الذهنية” بل إلى “المراقبة”.

إنَّ الإخلاص هو السعادة الحقيقية ليس فقط المؤجلة في الدار الآخرة ولكن سعادة الدنيا، لأنه يقوم على أعلى قيمةٍ أخلاقية وهي الصدق مع الله ثم الصدق مع النفس. فالإنسان بالإخلاص وبه فقط يُخلِّص نفسه من كل القيود المعنوية التي كبَّلته وأرهقته.

والإخلاص ينقله من التمحور حول ذاته الصغيرة إلى رحاب عبودية الخالق البارئ ذي الجلال.

ألا يصلي المصلي الصلوات المفروضة ليخرج من ذلك الضيق إلى سعة رحمة ربه وهو بهذا إنْ اجتهد وجد الثمرة كما قال ﷺ: “يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها“. [أبي داود:٤٩٨٥]

اقرأ ايضاً: انقشاع الخوف بشهود المعية


  1. Seyyed Hossien Nasr, https://youtu.be/z_vnd_N0_Ho
  2. Roggeveen, A. L., & Johar, G. V. (2002). Perceived source variability versus familiarity: Testing competing explanations for the truth effect. Journal of Consumer Psychology, 12 (2), 81–91. https://doi.org/10.1207/S15327663JCP1202_02
  3. مآلات الخطاب المدني إبراهيم السكران صفحة 24-25

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى