العلم

لمَ لا يمكننا التسليم بالمصداقية العلمية للدوريات الأكاديمية؟

 

إن الدوريات الأكاديمية لا تنتقي البحوث التي تنشرها بناء على أسس علمية فقط. وبالتالي لمَ لا يحتج الأكاديميون في الشوارع على ذلك؟

 

  • جوليان كيرتشير
  • ترجمة: ريم المكينزي
  • تحرير: حنان عاطف

 

خرج مئات الآلاف من العلماء حول العالم إلى الشوارع في إبريل محتجين، “نحن بحاجة للعلم؛ فبالعلم تنكشف الحقائق، ونحن القادرون على تفنيد المعلومات المزيفة.” هكذا أخبرني صديق لي من المشاركين في إحدى المسيرات الاحتجاجية من أجل العلم. كنت آمل بشدة أن يكون ما يقوله حقيقةً، إلا أن عددًا من الأدلة ينفي ذلك.

إن إحدى الركائز الأساسية لادعاء العلم الحقيقة المطلقة، هو فكرة أن التجربة نفسها تأتي بالنتائج ذاتها دومًا إذا أعيد تجربتها، بصرف النظر عن مُجريها، إلا أنه في دراسة حديثة نشرتها صحيفة نيتشر “Nature” حاول فيها ما يزيد عن ٧٠٪ من الباحثين المشاركين أن يحاكوا تجربة لعالم آخر وباءت محاولاتهم بالفشل، كما كشفت دراسة أخرى أن ٥٠٪ على الأقل من أبحاث علوم الحياة لا يمكن أن تُعاد تجربتها ، وينطبق هذا أيضًا على ٥١٪ من الأبحاث الاقتصادية.

تثير  نتائج هذه الدراسات شكوك جمهور من الأوساط الأكاديمية المعاصرة حول مصداقية الكثير من نتائج الأبحاث المنشورة، واحتمالية احتواء الدوريات  الأكاديمية معلومات  مزيفة، مثلها مثل أي مصدر للمعلومات.

يرى بعض المشاركين في المسيرة الاحتجاجية من أجل العلوم أن العلم معصومٌ عن الخطأ، إلا أن العلم الآن يواجه محنة عصيبة، وعلينا أن نكون صريحين حيال ذلك، لا أن ندّعي أن العلماء محصّنون بالحقيقة المطلقة  .

يرغب ٩٧٪ من المشاركين في المسيرة أن يضع  صناع القرار الأدلة العلمية  بعين الاعتبار عند وضع سياساتهم، وقد كنت أنا أيضًا أعتقد أن التأثير بصناع القرار جزء من المهام الوظيفية الجديدة  للأكاديميين، أما الآن، فقد أصبحت أقل ثقة بصحة العديد من نتائج البحث.

ثمة أسباب متعددة لأزمة المحاكاة (إعادة التجربة) في الوسط الأكاديمي، فمن الأخطاء الإحصائية غير المقصودة إلى مراجعة الباحثين  غير المتأنية، إلا أنه قد أجمع الكثير من الباحثين على أن السبب الرئيس لانتشار المعلومات  المزيفة في المجلات  العلمية هو ضغط النظام الأكاديمي الهائل لأن تُنشر الأبحاث  في دوريات  مشهورة (high-impact factor)

وهذه الدوريات المرموقة  تبحث عن نتائج جديدة ولافتة، إذ تعتبر إعادة التجربة  غير الناجحة أقل  جدوى -على الرغم من أنها تثري الحقل  العلمي بإسهاماتٍ  مهمة-، ولهذا لم يستطع ٤٤٪ من العلماء الذين أجروا تجارب مُعادَة  غير ناجحة من نشر تجاربهم.

ولي في ذلك تجربة شخصية، إذ رفضت دورية  شهيرة تجربة مُعادة  غير ناجحة لدراسة استشهدَ بها الكثير من الباحثين (high citation) ، وقد مثّل ذلك لي صعوبة في وظيفتي، إذ نص عقد توظيفي كأستاذٍ مساعد  على نشر عدد معين من الأبحاث خلال سنة، وفي نوع محدد من الدوريات ، وإن نجحت في استيفاء معايير  الأداء هذه، فسأترقى في وظيفتي، وإن فشلت ، فسيُحل عقدي بعد ١٩ شهرًا من الآن.

إن سياسة “ارتقٍ أو ارتحل” هذه هي ما يدفع  الباحثين للخيانة العلمية، فقد أقر أربع عشرة بالمئة من العلماء أن من بين من يعرفونهم عالمًا واحدًا قد زيف قواعد بيانات كاملة ، و٧٢٪ منهم قالوا إن من بين من يعرفونهم  واحدًا قد انخرط بممارسات بحثية أخرى مشبوهة، مثل: حذف نقاط بيانية بعينها  لتعزيز نتائجهم.

ومع هذا فإن الحل لهذه الأزمة لا يكون بالتخلي عن معايير  الأداء مثل عدد الأبحاث المنشورة في الدوريات  الشهيرة، حيث إن الجامعات مؤسسات متسعة ومعقدة ، فهي بحاجة لمؤشرات أداء تنظمها، إلا أن الاعتماد الكلي على مؤشرات الأداء يغفلنا عن أن الاكتشاف العلمي ليس نتيجة الكفاءة الأكاديمية فحسب، بل هو أحيانًا ضربة حظ.

يفضل العلماء عادةً أن ينسبوا اكتشافاتهم العلمية لكفاءاتهم الأكاديمية، رغم أن ما يزيد عن ٥٠٪ من الاكتشافات العلمية كانت بمحض الصدفة حسب تقدير إحدى الدراسات، على اعتبار أن  جهاز تنظيم ضربات القلب، والزجاج المقاوم للكسر، والمحلّيات الاصطناعية، والبلاستيك قد اكتشفت جميعها صدفةً!

إننا بحاجة لنظامٍ يجزي الأكاديميين حقهم من خلال تسليمهم بأن  البحث الجيد ليس بالضرورة أن يقود لأفضل  الاكتشافات دائمًا، كما لا بد أن يُمنح من فشلوا بالإتيان بنتائج لافتة فرصة لنشر أبحاثهم ذات النتائج البسيطة في الدوريات  الشهيرة، إذ لا شك بجدواها العلمية، وعلى الأكاديميين البارعين في التدريس أن يمضوا قدمًا في الوظائف الأكاديمية،  حتى وإن أخفقوا لبضع سنين في تحقيق نجاحات مبهرة في أبحاثهم.

وها قد بدأ الوسط الأكاديمي بالاعتراف بذلك شيئًا فشيئًا، فعلى سبيل المثال، أطلقت منصة “Preclinical Reproducibility and Robustness” الإلكترونية المختصة بنشر الدراسات في علوم الحياة، كما وفر عدد من الجامعات في هولندا -حيث أعمل- مسارات وظيفية نحو الأستاذية للأكاديميين البارعين في إلقاء المحاضرات، ومع ذلك، فنحن ما زلنا بحاجة للعديد من المبادرات.

يتذمر الباحثون اليوم من تراجع الثقة بالعلم، على الرغم من وجود المبررات الوجيهة لتلك الشكوك، وإن استمرارنا -نحن العلماء- بالخروج إلى الشوارع لنزعم تسّلحنا بالحقيقة لن يلحقه إلا خيبة أمل أخرى، ومن أجل مستقبل العلم، علينا أن نقلل من تلك المسيرات وأن نبدأ بتكثيف المناقشات بيننا حيال كيفية تحسين نهجنا الأكاديمي.. 

 اقرأ ايضاً: إرتفاع حاد في نسبة سحب الأوراق البحثية ومطالبات بالإصلاح

المصدر: the guardian

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق