تقارير ودراسات

العقل أعمق من مجرد الأنشطة الدماغية

مغالطة اختزال علم النفس في علم الأعصاب

  • ستيف تايلور*
  • ترجمة: سهيل محمود
  • تحرير: مزنة الكبريش

نُشِرت نتائج دراسة في وقت سابق من هذا الأسبوع تظهر أن العلاج السلوكي المعرفي (CBT) يمكن أن يقوي الروابط العصبية في أدمغة الأشخاص الذين يعانون من الذُّهان، وأن هذه الروابط العصبية مرتبطة بصحة عقلية أفضل، ومرتبطة بالتعافي من هذا المرض. تتبعت الدراسة الصحة العقلية لـ 15 شخصًا على مدى 8 سنوات من خلال سجلاتهم الطبية ومن خلال التقييمات، وأظهرت فحوصات الدماغ وجود روابط قوية في عدة أجزاء من الدماغ، ولكن بشكل خاص في اللوزة الدماغية والفص الجبهي (المرتبط بالتفكير العقلاني) – وهي مناطق مرتبطة بشدة بالشفاء من الذهان(1).

من المؤكد أن التغييرات في الدماغ قد تم ربطها بالعلاج المعرفي السلوكي من قبل – على سبيل المثال: قبل بضع سنوات تم إعطاء الأشخاص الذين يعانون من “هوس الكمال” (هو نمط شخصية واسع يتميز باهتمام الشخص بالسعي إلى الكمال ويصاحبه تقييمات ذاتية نقدية ومخاوف بشأن تقييمات الآخرين) دورة علاجية مدتها 12 أسبوعًا من العلاج المعرفي السلوكي، ووجد بعد ذلك أن لديهم تغييرات كبيرة في قشرة الدماغ، بمستوى عالي من “التثبيط القشري” أي قلة مستويات النشاط العصبي في قشرة أدمغتهم. لكن هذه الدراسة الجديدة هي الأولى التي تُظهِر أن التغيرات العصبية التي يسببها العلاج المعرفي السلوكي مرتبطة بالشفاء طويل الأمد من الذهان.

تدعم هذه النتائج الحجة القائلة بأن الأدوية توصف كثيرًا جدًا لمرضي الذهان، بدلاً من العلاجات الأخرى التي يحتمل أن تكون أكثر فاعلية. في المملكة المتحدة (حيث أعيش)، يبدو أن هناك وعيًا متزايدًا بأن الأدوية ذات التأثير النفساني لها فاعلية محدودة، وأنه حتى عندما يبدو أنها تقلل الأعراض، غالبًا ما تتفوق الآثار الجانبية لهذه الأدوية علي فوائدها. المزيد والمزيد من الأطباء النفسيين وعلماء النفس يدافعون عن العلاجات غير الطبية، ليس فقط العلاج المعرفي السلوكي، بل يشمل ذلك التأمل، وحتى أشكال العلاج البيئي ecotherapy.

العقل والدماغ

ومع ذلك، ربما يكون لنتائج هذه الدراسة أهمية أكبر من ذلك، في ثقافتنا العلمية الأولوية دائما للدماغ. يرى معظم العلماء والأطباء والأكاديميين أن الدماغ هو مصدر تجاربنا الواعية وحالاتنا العقلية وأفكارنا وعواطفنا وأحاسيسنا. غالبًا ما يُنظَر إلى الوعي على أنه نِتاج الدماغ، بنفس الطريقة التي تكون بها صور شاشة الكمبيوتر نتيجة الدوائر الكهربائية والبرامج الموجودة داخل الكمبيوتر. هذا هو الافتراض الذي يقوم عليه “النموذج الطبي” للمرض العقلي – أن المشاكل العقلية ناتجة عن اختلالات أو خلل وظيفي في الدماغ، ويمكن “إصلاحها” بواسطة العقاقير ذات التأثير النفسي. ولكنه ينطبق أيضًا على جوانب أخرى من تجربتنا النفسية، كما يمكن تفسير الظواهر العقلية مثل السعادة والأمل والحب والتجارب “الروحية” بردها إلى النشاط العصبي.

بهذه الطريقة يتم اختزال علم النفس في علم الأعصاب. العقل مجرد ظاهرة ثانوية للدماغ، ولا يمكن فهمه إلا من منظور علم الأعصاب. غالبًا ما ينعكس هذا الموقف في اللغة التي يستخدمها الناس للحديث عن القضايا النفسية. وكثيرًا ما تستخدم المصطلحات العصبية لوصف الظواهر النفسية، كما لو كانت نفس الشيء. على سبيل المثال في مقابلة سمعتها على الإذاعة في اليوم التالي عن الدراسة المذكورة أعلاه عن العلاج المعرفي السلوكي، تمت مقابلة شخص وجد أن العلاج المعرفي السلوكي مفيد في التعافي من مرض الذهان، مع قائد الدراسة المذكورة (الدكتور ليام ماسون). سأل المحاور عدة مرات أسئلة مثل: “إذن كيف أعاد العلاج المعرفي السلوكي تدريب دماغك؟” و “إذن أنت تعتقد أن العلاج السلوكي المعرفي يمكن أن يكون له تأثير أفضل على الدماغ من الدواء؟” بالطبع، ما كان يتحدث عنه الشخص الذي يجري المقابلة هو العقل.

هذا البحث مهم للغاية لأنه يُظهِر أن العقل ليس مجرد نتاج لنشاط الدماغ. إذا كان الأمر كذلك، فسيكون من المستحيل أن تحدث تغييرات في الأداء النفسي تغييرات في الدماغ، بنفس الطريقة التي يستحيل بها إجراء تغييرات في الدوائر الكهربائية لجهاز الكمبيوتر عند إجراء تغييرات في الصور التي تظهر علي شاشة الكمبيوتر. وهذا يسلط الضوء على حقيقة أن النفس هي ظاهرة في حد ذاتها، مع مميزاتها وبنيتها وأنماطها الخاصة، ولا يمكن اختزالها بالكامل في علم الأعصاب، بل يجب دراستها بشروطها الخاصة.

التكافل (العلاقة التبادلية) بين العقل والدماغ

  بالطبع، أنا لا أقول أن التغييرات العصبية ليس لها تأثير على النشاط العقلي. سيكون ذلك سخيفًا، يمكن أن تؤثر التغييرات الكبيرة التي تطرأ على الدماغ مثل السكتات الدماغية أو الإصابات أو حالات مثل الخَرَف بشكل واضح على وظائفنا النفسية وتضعفها. ومن الواضح أن التغييرات الطفيفة – مثل تلك الناجمة عن تناول الأدوية – لها آثار نفسية ملحوظة أيضًا. لكن علينا أن نتذكر أن هذه العلاقة العرضية تعمل في الاتجاه المعاكس أيضاً، وأن التغييرات في الأداء النفسي تسبب تغييرات عصبية. لم يتضح هذا فقط من خلال البحث أعلاه في العلاج السلوكي المعرفي، ولكن أيضًا من خلال قدر هائل من البحث في مجال التأمل والوعي. تظهر ظاهرة المرونة العصبية هذا أيضًا – أن الدماغ في حالة تغير مستمر ويتغير وفقًا لكيفية استخدامنا له.

يشير هذا إلى الاحتمال المثير للاهتمام أنه عندما يبدو أن بعض الحالات النفسية مرتبطة بحالات دماغية معينة، فقد يكون ذلك في بعض الحالات لأن الحالة العقلية تولّد الحالة العصبية، وليس العكس. بمعنى آخر، إذا كان الاكتئاب مرتبطًا بمستوى منخفض من السيروتونين (على الرغم من أن هذا الترابط لم يثبت بأي حال من الأحوال)، فقد يكون هذا بسبب حالة الاكتئاب التي تولدّ مستوى منخفض من السيروتونين، بدلاً من انخفاض مستوى السيروتونين الذي يسبب الاكتئاب. عندما يكون الاكتئاب ناتجًا عن عوامل وجودية أو معرفية – مثل الافتقار إلى الإحساس بالهدف والمعنى، أو أنماط التفكير السلبية – فمن السهل أن نرى كيف تنشأ حالة الاكتئاب أولاً كحالة نفسية، والتي يكون لها بعد ذلك تأثيرات عصبية. هذا أمر منطقي في ضوء النجاح المحدود للغاية للأدوية المضادة للاكتئاب مثل مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية في تخفيف الاكتئاب. علاج المشاكل النفسية بطريقة مماثلة لعلاج المشاكل الطبية هو أمر مُضلل مثل استخدام العلاج النفسي لعلاج إصابات الجسم. لا ينبغي أن نتفاجأ عندما نجد أن العلاج النفسي أكثر فاعلية ضد الاكتئاب والذهان من الأدوية(2)، بنفس الطريقة التي لا ينبغي أن نتفاجأ بها عندما نجد أن العلاج الطبي أكثر فعالية ضد كسر العظام من العلاج النفسي.

يكون الدماغ مع العقل في علاقة تكافلية، حيث يؤثر كل منهما على الآخر، ولكن لا يمكن إختزال أحدهما في الآخر تمامًا. نتيجة لذلك وإلى حد ما يجب أن نتعامل معهما كظواهر متميزة.


المصادر:

  • Mason, L. at al. (2017). ​Brain connectivity changes occurring following cognitive behavioural therapy for psychosis predict long-term recovery. Translational Psychiatry (2017) 7, e1001; doi:10.1038/tp.2016.263
  • Kirsch I (2019) Placebo Effect in the Treatment of Depression and Anxiety. Front. Psychiatry 10:407. Doi: 10.3389/fpsyt.2019.00407

الرابط (2) إضافة للمقال المترجم وهو عبارة عن مراجعة منهجية لنتائج عدد كبير جدًا من الدراسات الإكلينيكية ويوضح كيف أن فعالية العلاج النفسي في علاج الأمراض النفسية مثل القلق والإكتئاب مماثلة لفعالية الأدوية المضادة للإكتئاب والقلق بل وأحياناً يتفوق العلاج النفسي علي الأدوية في الفعالية، وينصح المقال كل المرضى النفسيين باتباع خطوات العلاج النفسي كبديل فعال عن الأدوية نظرًا للآثار الجانبية الضارة لهذه الأدوية (خطر الانتحار، والنزيف المعدي المعوي والنزيف الدماغي، وتجلط الأوردة، والانسداد الرئوي، والسكري، والسكتات الدماغية، والصرع، وفي النهاية الوفاة من جميع الأسباب المذكورة).

  • ستيف تايلور أستاذ في علم النفس في جامعة ليدز بيكيت البريطانية، كتابه الأخير “النور الواضح” وهو عبارة عن مجموعة من الأفكار الروحية والتأملات. وهو أيضًا مؤلف كتاب “العلوم الروحية” و”الوثبة” و”الخروج من الظلام” والعديد من الكتب الأخرى. ترجمت بعض كتبه إلى عشرين لغة. وهو رئيس قسم العلاقات الشخصية في جمعية علم النفس البريطانية.

أعجبني المقال

المصدر
psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى