العلم

لماذا يكون المفهوم المادي الدارويني الحديث للطبيعة خاطئًا تقريبا؟

  • أسامة محمد
  • تحرير: لطيفة الخريف

تعتبر نظرية التطور لعالم الأحياء داروين من أكثر النظريات التي خلقت الجدل بين كافة طوائف البشر عبر التاريخ، ومع أن كثيرًا من علماء الأحياء والكيمياء في العصر الحالي يؤيدون هذه النظرية ويعتبرونها أفضل تفسير لعملية تنوع الكائنات الحية على سطح الأرض، إلا أنها تقابل كثيرًا من المشكلات التي تجعلها -في أحسن الأحوال- نظرية ناقصة لا يمكنها تفسير كل شيء عن هؤلاء الأحياء وبخاصة البشر.

الفيلسوف التحليلي الأمريكي توماس ناجل Thomas Nagel  في كتابه (العقل والكون: لماذا يكون المفهوم المادي الدارويني الحديث للطبيعة خاطئًا تقريبًا) وضع ثلاثة أشياء في الوجود لا يمكن للفلسفة المادية الاختزالية الحالية (اختزال كل شيء في المادة فقط كما هو الحال في نظرية التطور) تفسيرها، هذه الأشياء هي: الوعي، الإدراك، القيم الأخلاقية.

 

1- الوعي:

يعتبر الوعي من أكبر المعضلات التي تقابل الفلسفة المادية، الافتراض السائد بين علماء الأعصاب والنفس هو أن المخ هو ما يخلق الوعي، كذلك منطق نظرية التطور  التي ترى الوعي لا محالة نتاج المخ أيضًا، لكن في الواقع لا يوجد أي دليل مباشر على أن المخ هو ما ”يخلق“ الوعي، كل التجارب من بداية علم الأعصاب وحتى العصر الحالي لا يرى فيها أحد كهرباء المخ تتحول لفكرة مثلًا أو تتحول لذاكرة، كل ما يُرى هو ”ترابطات عصبية للوعي Neural Correlates of Consciousness'” بمعنى أن عمليات التفكير مثلًا لها نشاطات عصبية في مناطق متفرقة من القشرة المخية، لكن لا يعني ذلك أن النشاط الكهربي الذي رأيته هو ما خلق الفكرة، بل هو مترابط فقط مع عملية التفكير، مثل أن يكون هناك ترابط بين مساحة حريق معين وعدد رجال الإطفاء، كلما ازدادت مساحة الحريق يزداد عدد رجال الإطفاء، وهذا يعني أن زيادة مساحة الحريق مترابطة مع زيادة عدد رجال الإطفاء، لكن هل يعني هذا أن رجال الإطفاء هم من “سببوا” زيادة مساحة الحريق؟ لا. حجة Thomas Nagel أن العقل أو الوعي لا يمكن اختزاله لمادة المخ فقط موجودة في مقاله الأكثر شهرة في تاريخ فلسفة العلوم: ما هو شعورك إذا كنت خفاشًا؟ جوهر المقال هو أن الوعي تجربة شخصية Subjective كل واعٍ له تجربة ذاتية تخصه “التجربة الذاتية للأنا”، لتقريب الصورة يضرب المثال بالخفاش، تستطيع أن تعرف كل شيء عن الخفافيش، مثلًا: يعيشون في الظلام، يسمعون ويرون بصدى الأصوات، وتستطيع أن تدرس أدمغتهم وتعرف كل جزء فيها، لكن مهما عرفت عنهم وعن أدمغتهم فلن تتمكن أبدًا من معرفة ما هو شعور أن تكون خفاشًا، مثال آخر الشعور بالألم الذي يشعره المتألم، شخص يذهب للطبيب فيقول له أسناني تؤلمني مثلًا، سيعالجك الطبيب لكن لن يعرف أبدًا ما هو شعورك الذاتي بألم الأسنان مهما عرف عن الأعصاب المتصلة بأسنانك من المخ، وعليه فلا يمكن اختزال شيء ذاتي Subjective مثل الألم في شيء موضوعي Objective مثل المخ.

 

2- الإدراك:

إن الهدف الأساسي من عملية التطور -بحسب نظرية التطور- هو التكيف مع البيئة لضمان استمرار انتقال المادة الوراثية للأنواع عبر الأجيال، التطور لا يهتم ولا يهدف إلى خلق عقل يدرك الواقع فيسأل لماذا أنا موجود؟ كيف جاء الكون؟ ما مصيري عندما أموت؟ وعليه فإن لم يكن العقل هو هدف عملية التطور، فهو مجرد أثر عرضي لآليات التطور (الطفرات العشوائية ثم الانتخاب الطبيعي) ولا يوجد أي سبب يجعلك تثق في هذا العقل عندما يدرك الواقع، داروين بنفسه كتب هذا الكلام في رسالة لصديقة William Graham ”ينتابني دومًا شك فظيع حول ما إذا كانت قناعات عقل الإنسان الذي تطور من عقول كائنات أدنى منه تستحق أدنى ثقة”، لكن هذا ينتج عنه وجوب التشكيك في كل العلوم التي وضعناها؛ لأن كل العلوم -ومن ضمنها نظرية التطور- ناتجة من قدرات البشر الإدراكية التي تمكنهم من استقراء الطبيعة حولهم، فهذا يوقع في عملية تفنيد ذاتية Self-Refutation لمَ أثق في نظرية التطور التي تقول أن عقلي لا يمكن الوثوق فيه؟

 

 

3- القيم الأخلاقية:

هناك نظرتان مختلفتان للقيم الأخلاقية،

– الأولى يطلق عليها Moral Subjectivism وهي تعني أن القيم والأحكام الأخلاقية على الأفعال شيء شخصي ونسبي ويتطور عبر العصور، أنت ترى أن السرقة خطأ وفعل غير أخلاقي، غيرك يرى أن السرقة فعل أخلاقي.

– الثانية يطلق عليها Moral Objectivism وهي تعني أن القيم والأحكام الأخلاقية على الأفعال مطلقة وثابتة، فالسرقة تظل دومًا فعلًا غير أخلاقي.

وفقًا لنظرية التطور، الأخلاق لا يمكن أن تكون مطلقة وثابتة؛ لأن هذا يخالف فروض النظرية، حسب النظرية لا وجود موضوعي للأخلاق، لأن هدف عملية التطور هو أن تتكيف مع الحياة فقط، فمثلًا مراعاة أطفالك الصغار، نظرية التطور لا تقول إن هذا الفعل أخلاقي أو غير أخلاقي، كل ما في الأمر أن هذا الفعل ضروري لاستمرار نسلك لذلك فعلناه عبر الأجيال، فليس لأن هذا الفعل أخلاقي فعلته، بل لأنه ضمان استمرار نسلك، فلو كان ضمان استمرار حياتك يلزم منه مثلًا أن تسرق الآخرين فاسرقهم، لا يمكن القول إن السرقة غير أخلاقية هنا، فالأخلاق إذا هي مفهوم شخصي متغير، وتحت هذه النظرة للأخلاق يمكن تسويغ أي فعل غير أخلاقي، يمكن تسويغ ما فعله هتلر، مثلًا أنت ترى أن قتل كل هؤلاء البشر غير أخلاقي، لكن هو يرى أنه بقتل هؤلاء البشر حافظ على مصالح دولته ألمانيا فهو فعل أخلاقي، توماس ناجل يرفض هذه النظرية للوجود، وعلى عكس فلاسفة العلم التطوريين الآخرين مثل Sharon Street التي تقول إن نظرية التطور صحيحة وموضوعية الأخلاق خاطئة، توماس ناجل يجادل بأن موضوعية الأخلاق هي الصحيحة ونظرية التطور خاطئة هنا ولا يمكنها تفسير الأخلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق