العلم

لماذا يحتاج العلم إلى الميتافيزيقا

"لا يستطيع العلم أن يثبت لنا أنّ العلمَ يفسِّر كلّ شيء"

  • روجر تريغ
  • ترجمة: زينب صلاح
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

لا تستطيع التكنولوجيا أن تواكب التوقُّعات النظرية المتعلقة بالواقع الفيزيائي ما دون الذري، وكذلك لا يمكننا أن نرصد أقاصي الكون. إنّ النظرية تتجاوز المعطيات، وبإمكانها أن تصبح أكثر تطرُّفا بالدعاوى التي تدعيها عن طبيعة الواقع. ومع أنّ النظريات أصبحت تعاني من شح في الإثبات أكثر من أيِّ وقت مضى بسبب النتائج التجريبية، إلاّ أنَّ العلماء يرفضون الاعتراف بأنّ الحجج التي طرحوها هي حجج فلسفية وميتافيزيقية. إنّ نظرياتهم تقدّم إطارًا يمكن أن يتعاملوا على أساسه، ولكن إذا أزيلت تلك النظريات – ليس من الملاحظة الفعلية فحسب، وإنّما من أيّ [مصدر] يمكن أن يكون متاحا لنا أو لأحفادنا أو لأيّ راصد ممكن في كوننا من حيث المبدأ- فسيكون من الصعب أن ننظر إلى تلك النظريات على أنّها شيء غير نتاج العقل الخالص. ومجرد استخدام العلماء لتفكير كهذا لا يجعله علمًا.

ما صفة العلم الحقيقي إذَن ليكون مُمكنا على هذا النحو؟ يعتبر هذا السؤال خارج حدود العلم، وهو سؤال فلسفي – أو حتى ميتافيزيقي- بحسب الاصطلاح. فهؤلاء الذين يقولون أنّ العلم بإمكانه أن يجيب عن كلِّ الأسئلة، هم أنفسهم يقفون خارج العلم ليدَّعوا هذا الادّعاء، وهذا هو ما جعل الطبيعانيَّة (naturalism) -النسخة الحديثة من الاتجاه المادي التي ترى أن الحقيقة تُعرَّف بأنها: ما تستطيع العلوم الوصول إليه- تصبح نظرية ميتافيزيقية حين تحيد بعيدا عن المنهجية [و وصف ما هو موجود] لتتحدث عن ما يمكن أن يوجد أو ما يجب أن يوجد. إنّ إنكار الميتافيزيقا ودعم الماديّة نفسه يجب أن يكون خطوة داخل الميتافيزيقا، وهذا يتضمن الوقوف خارج حدود ممارسة العلم والكلام في نطاقه. فتأكيد قدرة العلم على تفسير كلِّ شيء لا يمكن أبدًا أن يأتي من داخل العلم، إنّه دائمًا قول عن العلم.

لا أحد منا يمكنه أن يقف خارج الفهم البشري والمخططات المفاهيمية كلّها ويتحدث عن ما يوجد أو يمكن أن يوجد.

وكذلك في الفلسفة، يجب أن يكون السؤال أكثر إلحاحًا حين يقف أنصار مبدأ قابلية التحقُّق -الذي يعتقد أن أيّ قضية لا تكون ذات معنى إلاّ إذا أمكن إثبات صحتها أو خطؤها تجريبيا- لينكر إمكان الميتافيزيقا. يمكن أن يُعبَّر عن المعضلة أحيانا بالتحدّي الدائم المتعلق بكيفية التحقّق من أطروحة نظرية التحقّق نفسهَا. إذا استضأنا بنورها فإنّها ستبدو ميتافيزيقية بارتياب، لأنّ التحقُّق منها بالوسائل العلمية يصبح محلاً لكل تساؤل. كانت إحدى الإجابات – والتي قدَّمها ألفريد آير (A.J.Ayer) ذات مرة هي أنّ مبدأ التحقُّق يعتبر بديهة (axiom)، لكن هذا لم يحسم سؤال لماذا ينبغي أن نختار بديهة كهذه؟ يبدو ذلك تحكّما نوعا ما، ويفسح المجال للآخرين أن يختاروا نقطة مختلفة للبدء دون أن يزعجوا أنفسهم بالانتقاد العقلاني، إذن فهذا لم يحل أيّ شيء.

لقد تكلّم بعض الفلاسفة – خصوصا من لهم قناعة براغماتية[2]– عن استحالة ما يسمى “النظر بعين الإله”[3]، فلا أحد منا يستطيع أن يقف خارج حدود الفهم البشري ومخططاته المفاهيمية ثم يتكلّم عن ما يوجد، أو ما يمكن أن يوجد. فنحن جميعا مرتبطون بمواضعنا. هذه حقيقة بديهية، لكنها يمكن أن تتسبّب سريعًا في التشكيك بإمكانية أيّ تفكير مستقل، وهذا يأخذنا سريعًا جدًا إلى النسبيَّة الفلسفية كنهاية، والتي نعتبر الزمان والمكان وفقا لها. لكن هذا لا يهدم إمكانية الفلسفة والميتافيزيقا، وإنّما يقوِّض الفهم الذاتي للعلم التجريبي برمَّته. يعتمد الأخير على فكرة العقل الموضوعي النزيه الذي يمكن أن يتشارك فيه كلّ الناس في كلِّ مكان. وهو فوق كلِّ ذلك يتعلّق بالحقيقة، بالقيمة المطلقة التي تقود ممارسة العلم في الواقع، والتي يجب أن يحترمها كلُّ العلماء. وهذا هو السبب في أنّ تزييف نتائج التجارب أو المبالغة فيها يضرب العلم في مقتل. فالحقيقة العلمية لا تحابي الأشخاص أو الثقافات، وهي بالتأكيد لا تعتمد على أيّ منهما.

إنّ العلم له بُعد كوني، والكشف العلمي عن طبيعة الكون أو صفاته ينبغي أن يكون متاحًا لكلِّ العلماء المحتملين مهما كان بينهم من اختلافات ومسافات جغرافية وفكرية. فقوانين الفيزياء – التي في كوننا على الأقل- تظل ثابتة وواضحة في أيّ مكان فيه، وهذا يقدِّم دليلاً لحقيقةٍ أساسية عن العلم يعتبرها العلماء المتخصِّصون أمرًا مفروغًا منه دائمًا: وهي أنّ العلم يبحث في واقعٍ موضوعي مكشوف للجميع ومستقل عن العقل.

ولكن قد يُدَّعَى أنّ الرياضيات ببساطة أداة اخترعها العقل البشري، فلماذا علينا إذَن أن نفترض أنّها تستطيع التعبير بصورة مكثفة عن عمل الواقع الفيزيائي؟ هؤلاء الذين يفترضون أنّ طبيعة الواقع رياضية مثل ماكس تيغمارك (Max Tegmark)، يقومون بقفزة بين الرموز التي تبدو كما لو كانت اختراعًا للعقل، وبين الواقع الذي لا يوجد مستقلا عن معارفنا عنه فحسب، وإنّما يتجاوز أيّ معارف ممكنة. يشرح تيغمارك أهمية الرياضيات في وصف العالم الفيزيائي على أنّها “نتيجة منطقية طبيعية للحقيقة التي تقول بأنّ الأخير[4] هو تركيب رياضي، ونحن ببساطة نكشف ذلك شيئًا فشيئا”[5]. ومع ذلك فهذه نفسها مقولة ميتافيزيقية عن طبيعة الواقع متقدمة منطقيًا على سلوك الفيزياء.

هناك الكثير من العمل الفلسفي ينبغي أن يتم قبل إطلاق عبارات عن طبيعة الواقع، يدّعي جيم باغوت Jim) Baggott) في كتاباته عن العلم إدعاءاتٍ تبدو مبتذلة لكثير من العلماء. يشير ابتداءً بالملاحظة التي تقول بأنّ “الواقع هو مفهوم ميتافيزيقي، وبذلك فهو بعيد عن متناول العلم” إلى أنّ “الواقعيين العلميين يفترضون أنّ الواقع (وكياناته) يوجد بشكل موضوعي ومستقل عن الإدراك الحسِّي أو القياس”[6]. والأبعد من ذلك أنّه يعتقد أنّ “الواقع عقلاني، ويمكن التنبؤ به، وأنّه متاح للعقل البشري”. يمكن الاعتراض على هذه الأوصاف -وقد حدث ذلك فعلا- بيد أنّ الافتراضات الأوليّة [السابقة على التجربة] هي مسألة حاسمة للتمكُّن من ممارسة العلم.

إنّ الواقع يعطي العلم هدفًا وغاية. فالمشاركة في ممارسة العلم دون أيّ فكرة عن حقيقة تتجاوز إدراكنا في بعض الأحيان يشبه لعب كرة القدم دون مرمى نصوّب تجاهه. ستصبح اللعبة حينها بلا قيمة، وكذلك سيصبح العلم. لابد أن يكون العلم عملاً على الاكتشاف، ببساطة لأنّ الواقع الذي يضمُّ البشر ليس متمركزا حولهم تمامًا كما أنّ الأرض ليست مركز الكون. إنّه غالبا يتجاوز معرفة الإنسان الفعلية والممكنة.

حتّى أعظم العلماء كانوا يَعُدُّون وضوح العالم لغزًا

إنّ الاستقلال المنطقي للواقع الفيزيائي عن العقل والفهم يعطي العلم هدفه. وأمّا المشكلة فهي كما أشار إليها الفلاسفة عبر القرون، أنّ هذا يفتح باب الشكِّ على مصراعيه. إذا كنا نحن مضمّنين في الواقع البعيد عن متناولنا، كيف نأمل أن نحقق أي معرفة على الإطلاق؟ ربما كان كانط (Kant) مصيبًا، ولعل [الأمور] التي نظن أنّنا نعرفها ليست سوى مجرد انعكاس لمقولات العقل البشري[7]، ربّما نستطيع التعامل مع الأشياء كما تبدو لنا، أمّا ماهية الأشياء في نفسها فقد تبقى غائبة عن إدراكنا إلى الأبد، وبدلاً من ذلك فإنّ الواقع الذي نسعى لفهمه قد لا يكون محلاً قابلاً للفهم العقلاني أصلاً، ربّما كان مضطربًا وفوضويًا بما يكفي ليكون غامضًا. ولو قيل لنا أنّ ذلك مستحيل لأنّ العلم يعمل، فسنرجع بتسويغ براغماتي بدلاً من الميتافيزيقي. قد يبدو ذلك مقنعًا، لكن ليس ثَمَّ ما يحمي من القلق الذي يمكن أن نعيشه في جدولٍ عرَضي من النظام على هامش محيط عظيم من الفوضى.[8]

كيف يُمكننا في العلم أن نعمِّم من هنا إلى هناك – حينما يكون “هناك” بعيدًا عن متناولنا- أو من الآن إلى حين آخر- حيث قد تشكِّل أصول الكون أو المستقبل البعيد تحديًا مشابهًا؟ هذه هي مشكلة الاستقراء الفلسفية العظيمة. لقد حاول ديفيد هيوم (David Hume) – كفيلسوف تجريبي في القرن الثامن عشر- أن يمحو الحاجة إلى الميتافيزيقا بقوله أنّ استنتاجنا بخصوص انتظام الطبيعة لا يقوم على أساس خصائص الواقع، فهو يقول أنّ “السّببيَّة ليست هي التي تقود مسيرة الحياة، بل العادة هي التي تفعل ذلك”[9] فنحن فقط نتوقع أن يتشابه المستقبل مع الماضي على سبيل المثال. هذا الموقف الذي يسلِّم بمحدودية ما يمكن إثباته من الخبرة الإنسانية يمكن أن يقودنا إلى الشكِّ العميق. ولا يمكن أن يعطينا أيّ أساس عقلاني للعلم على الإطلاق. يصبح العلم تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية وعن تفضيلنا للمألوف أكثر من كونه بحثًا عن المعرفة. ونحن نصِفُ ما يحدث ونقطع الأمل عن أيّ تفسير أعمق فيما يتعلق بالسَّبب في ذلك.

هناك ما يسمَّى التقدُّم العلمي، وهو يتم من خلال التجربة المنهجية والخطأ، أو الحدس والتفنيدات (conjecture and refutation) بحسب اصطلاح كارل بوبر(Karl Popper). غير أنّ “الواقعيَّ العلميَّ” ينبغي أن يكون حذرًا من الكيفية التي تُعرَّف بها تلك الواقعيّة. فالواقعيّة التي تجعل الواقع هو ما يقوله العلم المعاصر تربط الواقع منطقيًّا بعقول الناس في الحاضر، فلا يكون العلم عندئذ إلاّ مجرد نتاج بشري، مرتبط بظرفه الزماني والمكاني. قد يبدو استحضار العلم المستقبلي أو -العلم المثالي- أكثر معقولية، ولكن حتى عندئذ هناك فرق بين كون العلم يعكس طبيعة الواقع (أو يناظرها) وبين كونه ببساطة صنعة بشرية. وبمجرد قبول الاستقلال المنطقي للواقع عن العلم، يصبح السؤال هو لماذا توجد خصائص للواقع تجعله مفهومًا بالنسبة للعلم؟. إنّ الوضوح والعقلانية الجوهرية للواقع لا يمكن أن يعتبرا من البدهيَّات، فحتّى أعظم العلماء مثل آينشتاين (Einstein) رأوا أنّ وضوح العالم لغزٌ، وله ملاحظة شهيرة تقول: “إنّ أشد الأشياء غموضًا في العالم هو قابليته للفهم”[10]. بنفس الطريقة التي تبدو بها الرياضيات وكأنّها ترسم خريطة البناء العقلاني الجوهري للعالم الفيزيائي، يُفترَض ذلك مُسبقًا داخل العلم ولا يمكن تقديم تفسير علمي له. يبدو أنّه حقيقة ميتافيزيقية، وتفسيرها – إن كان يمكن أن يكون لها تفسير- لابد أن يأتي من خارج العلم.


المراجع

  1. Tegmark, M. Our Mathematical Universe Knopf, New York, NY (2014).
  2. Baggott, J. Farewell to Reality Pegasus Books, New York, NY (2013).
  3. Abstract of Hume, D. “Treatise Concerning Human Nature” in McNabb, D.G.C. (ed.) David Hume Fontana Press, London (1962).
  4. French, A.P. Einstein: A Centenary Volume Harvard University Press, Cambridge, MA (1979).

[1]   المقصود بالعلم هنا هو العلم التجريبي، والميتافيزيقا تعني علم ما بعد الطبيعة، وقد تعدّدت مدلولات هذا العلم عبر العصور، ومن أقرب المدلولات إلى مراد الكاتب من الميتافيزيقا هنا هو المعرفة التي تتجاوز حدود التجربة. (المترجمة).

[2]  البراغماتية: اسم مشتق من اللفظ اليوناني (pragma) ومعناه العمل، وهي مذهب فلسفي يقرِّر أنّ العقل لا يبلغ غايته إلاّ إذا قاد صاحبه إلى العمل الناجع، وأنّ الفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة، أي الفكرة التي تحدِّدها التجربة. انظر المعجم الفلسفي- جميل صليبا- ط دار الكتاب اللبناني 1/ 203. (المترجمة).

[3]  هذا التعبير يطلق على وجهة النظر التي يفترض صاحبها معرفته بأشياء غائبة عن السياق الذي يتعامل فيه. (المترجمة).

[4]  أي الواقع الفيزيائي. (المترجمة).

[5] Tegmark, M. Our Mathematical Universe Knopf, New York, NY (2014).

[6]  Baggott, J. Farewell to Reality Pegasus Books, New York, NY (2013).

[7]  المقولات هي الأجناس العالية التي تحيط بجميع الموجودات، وقد اختلف الفلاسفة في تحديدها، وعند كانط هي التّصورات الأساسية الكلّية أو المبادئ الضرورية السابقة على التجربة التي يتضمنها العقل المحض، وتمثل الجوانب الأساسية للتفكير النظري أو الاستدلالي. (المترجمة).

[8]  الذرائعية، أو التعامل البراغماتي مع النظريات العلمية بدلاً من كونها تعبيرًا صادقًا عن الواقع= هو ما استقرت عليه فلسفة العلم مؤخرًا بعد فشل المحاولات السابقة في مقاربة الحقيقة، وبعيدًا عن ذلك كلِّه، فإنّ القاعدة فيما يتعلق بالمدركات الحسِّية: هي أنّ اليقين النفسي لا يزول بالاحتمالات العقلية، فكون أنّ النظرية العلمية أو المشاهدات الحسِّية لا تُعبِّر عن الواقع، أو أنّ مدركاتنا الحسِّية ليست إلا أوهام= هذا تجويز عقلي مقابل اليقين النفسي لدى جميع بني آدم أنهم يثقون في حواسهم، والمعيار في ذلك هو الإنسان العادي والحسُّ المشترك بين بني آدم وليس عقل الفيلسوف أو العالم – راجع كتاب الإجماع الإنساني، رضا زيدان.(المراجع)

[9] Abstract of Hume, D. “Treatise Concerning Human Nature” in McNabb, D.G.C. (ed.) David HumeFontana Press, London (1962).

[10] French, A.P. Einstein: A Centenary Volume Harvard University Press, Cambridge, MA (1979).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق