فكر وثقافة

لماذا لا تغير الحقائق عقولنا

  • اليزابيت كولبيرت
  • ترجمة: رغد القحطاني
  • تحرير: بلال الخصاونة

قام عدد من الباحثين عام ١٩٧٥م بدعوة مجموعة من طلاب الجامعة للمشاركة في دراسة عن الانتحار. أُعطِي الطلاب زوجًا من مذكرات انتحار، وفي كل زوج هناك مذكرة كتبها أحد الأشخاص بينما الأخرى كتبها شخص أنهى حياته بعدها. تم سؤال الطلاب للتمييز بين المذكرات الحقيقية والمزيفة.

اكتشف بعض الطلاب أنهم كانوا أذكياء مقارنة بهذه المهمة، فقد استطاعوا تمييز أربع وعشرين مذكرة حقيقية من أصل خمس وعشرين مذكرة. بينما البعض فقدوا الأمل حيث استطاعوا فقط تمييز عشر مذكرات فقط.

كما هو الحال غالبًا في الدراسات النفسية فقد كان النظام بأكمله عملية تظاهرية بالرغم من أن نصف المذكرات كانت في الواقع حقيقية – تم أخذها من مكتب الطب الشرعي في مقاطعة لوس أنجلوس – فقد كانت النتائج زائفة. لم يكن الطلبة الذين تم إخبارهم بأنهم أقرب للحقيقة دائما أكثر فطنة من الذين تم إعلامهم بأنهم كانوا مخطئين في الغالب.

كُشف التضليل في المرحلة الثانية من الدراسة حين عرف الطلبة أن الهدف الحقيقي من التجربة كان لقياس ردود فعلهم للتفكير في ما إذا كانوا على صواب أم خطأ. (وهذا أيضًا تم الكشف عنه بأنه تضليل أيضًا). وأخيرًا، تم سؤال الطلبة تخمين عدد المذكرات التي صنفوها صحيحة وكم عدد المذكرات التي في اعتقادهم أن بإمكان الطلبة العاديين معرفتها. في هذه النقطه، حدث شيء غير مألوف، أفاد الطلبة من مجموعة الدرجات المرتفعة بأنهم اعتقدوا أنهم قاموا بعمل جيد – افضل من الطلبة المتوسطين- وبالرغم من أنه ليس لديهم أسباب لتصديق ذلك. بعكس ذلك، أفاد الطلبة الذين تم تعيينهم في مجموعة الدرجات المنخفضه أنهم اعتقدوا بأنهم قاموا بعمل اسوأ من الطلبة ذوي المعدل المتوسط، وهو استنتاج لا أساس له من الصحة.

“بمجرد تشكّلها” لاحظ الباحثون بشكل واضح أن “الانطباعات الأولية جامدة بشكل ملحوظ”.

منذ عدة سنوات، تطوع طلبة من جامعة ستانفورد للمشاركة في دراسة ذات صلة بتلك. أُعطِي الطلبة حزمة من المعلومات عن رَجُلي إطفاء فرانك.ك و جورج هـ. ذكر في السيرة الذاتية لفرانك ان لديه ابنة رضيعه وكذلك حُبّه للغوص، بالمقابل ذُكِر عن جورج أن لديه ابنًا صغيرًا ويُحب ممارسة لعبة الجولف. تضمنت الحزمة أيضًا ردود الرجلين لما يسميه العلماء اختبار الاختيار المحافظ المحفوف بالمخاطر. ووفقا لما ذكر في نسخة واحدة من الحزم أن فرانك كان رجل اطفاء ناجحًا حيث انه أوشك دائما على اختيار الخيار الأكثر أمانًا في الاختبار. وفي النسخة الاخرى، اختار فرانك الاختيار الاكثر أمانًا أيضا، ولكنه كان شخصًا سيئًا لأن ذلك هو ما كُتب “في تقرير” مشرفيه عدة مرات. مرة أخرى أثناء الدراسة تم إعلام الطلبة أنه تم تضليلهم وأن المعلومات المعطاه لهم كانت مزيفة بالكامل. وبعد ذلك سُئِل الطلبة لتوضيح ووصف معتقداتهم الخاصة؛ وما نوع الموقف تجاه المخاطر الذي فكروا به قد يتخذه رجل إطفاء ناجح؟ اعتقد الطلبة ذوي الحزمة الأولى أنه قد يتجنبها في حين الطلبة في المجموعة الثانية اعتقدوا أنه سيتبعها.

حتى وبعد الإثبات فقد لاحظ الباحثون أن “الناس يفشلون في القيام ببعض التغييرات المناسبة لمعتقداتهم حتى بعد أن تبين زيفها بالكامل”. وفي هذه الحالة، كان الفشل “مثيرًا للإعجاب بشكل خاص” نظرا لأن نقطتي البيانات لم تكن أبداً معلومات كافية للتعميم من خلالها.

أصبحت دراسات جامعة ستانفورد ذات شهرة، و روّج مجموعة من الأكاديميين في السبعينيات لحقيقة أن الناس لا يستطيعون التفكير بشكل صحيح، وكان ذلك صادماً. لم يعد الأمر كذلك، فالآلاف من التجارب اللاحقة قد أثبتت (وبالتفصيل) هذه النتائج. أي كل شخص شارك في البحث، – أو حتى أخذ نسخة من Psychology Today- يعرف أن طلبة الدراسات العليا الذين يحملون الأوراق معهم أينما ذهبوا بإمكانهم إثبات أن الأشخاص الذين يبدون منطقيين غالباً ما يكونون غير عقلانيين تماماً. و نادرًا ما بدت هذه البصيرة أكثر صحة مما هي عليه الآن. وتبقى الأحجية الأساسية هي : كيف أصبحنا هكذا؟

حاول كل من علماء الإدراك هوجو مرسييه و دان سبيربر في كتاب جديد بعنوان ” لغز العقل ” (جامعة هارفرد) الإجابة عن هذا السؤال. يشير كل من مرسييه الذي يعمل في معهد البحوث الفرنسي في ليون و سبيربر في جامعة أوروبا الوسطى في بودابست أن “العقل” سمةٌ متطورة، كالمشي على قدمين والرؤية ثلاثية الألوان وقد ظهرت في غابات السافانا الأفريقية ويجب أن تفهم ضمن ذلك السياق.[1]

مجردة مما يمكن تسميته بالعلوم المعرفية، تعمل حجة كل من مرسييه و سبيربر كما يلي: أكثر ما يُميّز البشر عن غيرهم من المخلوقات الأخرى هي قدرتنا على التعاون. يعد التعاون صعبَ التوطيد بقدر ماهو صعبٌ الحفاظ عليه. و بالنسبة لأي فرد، يعد الاستغلال دائمًا أفضل طريقة للحل. لم يتطور العقل ليمكننا من حل المبهم والمشاكل المنطقية أو حتى مساعدتنا لاستنتاج الخلاصة من بيانات غير مألوفة ؛ بقدر ما قد تطور لحل مشكلات شكّلها العيش في مجموعات التعاون.[2]

كتب كل من مرسييه وسبيربر ان “العقل هو تكيّف مع المكانة الاجتماعية التي طورها البشر لأنفسهم”. عادات العقل التي تبدو غريبة أو سخيفة أو حتى غبية من وجهة النظر “العقلانية”، تُثبت دهاءها عندما ينظر إليها من منظور “تفاعلي” اجتماعي.

وبالأخذ في عين الاعتبار ما أصبح معروفا بـ “تأكيد التحيز” فإن الناس يميلون للأخذ بالمعلومات التي تدعم معتقداتهم ورفض الأخرى التي تتناقض معها. بالنسبة للعديد من أشكال التفكير الخاطئ التي تم تحديدها من قبل، يعد تأكيد التحيز أفضل ما تم رصده؛ فهو موضوع تجارب الكتب المدرسية بأكملها. أحد أهم تلك التجارب أُجريت مرة أخرى في ستانفورد، فقد جمع الباحثون في هذه التجربة مجموعة من الطلاب الذين يختلفون في ما بينهم حول موضوع عقوبة الإعدام. كان نصف الطلاب مؤيدين ويعتقدون أنها وسيلة لردع الجريمة، فيما كان النصف الآخر ضد الفكرة ويعتقدون أنها لا تؤثر على الجريمة.

طُلِب من الطلاب الإجابة على دراستين، قدمت الأولى بيانات تدعم حُجّة الردع والأخرى قدمت البيانات التي تجعلها موضع تساؤل. كِلا الدراستين – كما توقعت – كانت مختلقة كما تم تصميمها لعرض ماكان بشكل موضوعي، إحصائيات مقنعة بنفس القدر. قيّم الطلاب الذين أيّدوا عقوبة الإعدام في الأصل البيانات المؤيدة للردع بأنها ذات مصداقية عالية و بيانات مكافحة الردع غير مقنعة؛ فيما قام الطلاب الغير مؤيدين من الأصل بعكس ذلك. وفي نهاية التجربة، سُئِل الطلاب مرة أخرى عن آراءهم، فكان الطلاب المؤيدين لعقوبة الإعدام منذ البداية الآن أكثر تأييدا بعكس أولئك المعارضين فقد أصبحوا معادين أكثر من قبل.[3]

لو كان العقل معدّا لتوليد أحكام سليمة، فمن الصعب التعرف على خطأ تصميميّ أكثر خطورة من تأكيد التحيز.[4] يصور اقتراح مرسييه وسبيربر أن فأرًا يفكر بالطريقة التي نفكر بها نحن البشر. مثل هذا الفأر “باعتماده على تأكيد معتقداته بعدم وجود القطط حوله” سيصبح عشاءً بين ليلة وضحاها، لا محالة. إلى الحد الذي يؤدي فيه تأكيد التحيز إلى رفض الأشخاص للأدلة المتعلقة بالتهديدات الجديدة او التي لا تشكل تهديدًا البتة – كنظير البشر للقطط – فإن تلك السمة قد اختيرت وفُضِّلت على سمات أخرى. يُجادل كل من مرسييه وسبيربر حول حقيقة بقاء كل من البشر والفأر على قيد الحياة بإثبات أن ذلك يتعلق ببعض الوظائف التّكيُّفيّة التي تتعلق ب”فرط التواصل” لدينا.

يفضل كل من مرسييه وسبيربر مصطلح “الانحياز إلى جانبي”. أشارا إلى أن البشر ليسوا سريعي التصديق بشكل عشوائي؛ كما قدما حجة على أننا بارعون جدا في اكتشاف نقاط الضعف وبشكل شبه دائم فإن المواقف التي نتجاهلها ما هي إلا مواقفنا الخاصة.

برهنت تجربة حديثة أجراها مرسييه برفقة بعض الأساتذة الأوروبيين على عدم التناسق هذا. فقد تم سؤال المشاركين للإجابة على سلسلة من مشاكل التفكير البسيطة، ومن ثم تم سؤالهم لشرح إجاباتهم وقد مُنحوا الفرصة للتعديل عليها إن اكتشفوا أخطاء. كان معظم المشاركين راضين عن اختياراتهم الأصلية؛ وأقل من خمسة عشر بالمئة غيروا آراءهم في المرحلة الثانية.

في المرحلة الثالثة، عُرضت واحدة من المشاكل ذاتها على المشاركين بالإضافة إلى إجاباتهم وإجابات مشاركين آخرين، الذين توصلوا لنهاية مختلفة. مرة أُخرى، فقد أعطوا الفرصة لتغيير إجاباتهم ولكن، بعد القيام بخدعة: فالإجابات المقدمة لهم على أنها إجابات شخص آخر كانت في الواقع إجاباتهم الخاصة والعكس صحيح. تمكن نصف المشاركين من معرفة مايجري، ومن بين النصف الآخر، أصبح المشاركين انتقاديين فجأة، مايقارب الستين بالمئة رفضوا إجابتهم التي كانوا مقتنعين بها قبلا.

بالنسبة إلى كل من مرسييه وسبيربر فإن عدم التوازن هذا يعكس المهمة التي تطور العقل لأدائها، وبالتالي فهو منعنا من أن يتم التلاعب بنا من قبل الأفراد الآخرين في مجموعتنا. بالنسبة للعيش في مجموعات صغيرة من الصيادين فقد كان مصدر قلق أسلافنا في المقام الأول هو مكانتهم الاجتماعية والتأكد من أنهم ليسوا من يخاطر بحياتهم أثناء الصيد بينما يتسكع الآخرون.كان هناك فوائد قليلة في التفكير بوضوح، بينما كان يمكن كسب الكثير من الفوز بالنقاشات والمحاججة.

من بين الكثير، لم يقلق أسلافنا من بعض المسائل المتعلقة بالآثار الرادعة لعقوبة الإعدام والسمات المثالية لرجل الإطفاء كما لم يتعاملوا مع الدراسات الملفّقة والأخبار الكاذبه وتويتر. لاعجب الآن أن العقل قد يخذلنا نظرًا لما كتبه كل من مرسييه وسبيربر: “هذه إحدى الحالات الكثيرة التي تتغير فيها البيئة بسرعة كبيرة حتى لا يتمكن الانتخاب الطبيعي من اللحاق بالركب”.[5]

يؤمن كل من عالِمَي الإدراك البروفيسور ستيف سلومان من جامعة براون و فيليب فرينباتش من جامعة كولورادو أن الاختلاط بالآخرين هو مفتاح عمل العقل البشري، أو ربما أيضا هو سبب أعطاله. يبدأ كتابهم “وهم المعرفة: لم لا نفكر وحدنا” (ريفيرهيد) بإلقاء نظرة على المراحيض.

عمليًا كل من يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية و”العالم المتقدم” أجمع على دراية بالمراحيض. في كل مرحاض دافق نموذجي، ووعاء خزفي مملوء بالماء، عندما يتم الضغط على المقبض أو الضغط على الزر، يتم امتصاص الماء – وكل ما بداخله – في أنبوب ومن هناك إلى نظام الصرف الصحي. لكن كيف يحدث هذا بالفعل؟

في دراسة أجريت في جامعة ييل، طُلب من طلاب الدراسات العليا تقييم فهمهم للأجهزة اليومية، بما في ذلك المراحيض والسحابات وأقفال الأسطوانات، ثم طُلب منهم كتابة شرح تفصيلي خطوة بخطوة لكيفية عمل تلك الأجهزة وتقييم فهمهم مرة أخرى. و على ما يبدو، كشفت الجهود للطلاب عن جهلهم لأن تقييماتهم الذاتية انخفضت. (اتضح أن المراحيض أكثر تعقيدًا مما تبدو).

يرى سلومان وفرنباخ هذا التأثير، الذي يسميانه “وهم العمق”، في كل مكان تقريبًا. يعتقد الناس أنهم يعرفون أكثر مما يعرفونه بالفعل. وما يسمح لنا بالاستمرار في هذا الاعتقاد هو الآخرين. في حالة مرحاضي، قام شخص آخر بتصميمه حتى أتمكن من تشغيله بسهولة وهذا شيء يجيده البشر. لقد كنا نعتمد على خبرة بعضنا البعض منذ أن اكتشفنا كيفية الصيد معًا، والذي ربما كان نقلة رئيسية في تاريخنا التطوري.[6] يُجادل كل من سلومان وفرنباخ في ما إذا كنا نتعاون جيدًا، بحيث يصعب علينا تحديد أين ينتهي فهمنا ويبدأ فهم الآخرين.


[1] يتبع الكاتب هنا النظرة الداروينية للعقل، ومع أنه لم يقدم تعريفًا لما يعنيه بالعقل -وكذلك داروين- فالأبحاث الجديدة تظهر المأزق في هذه النظرة. انظر: https://atharah.com/the-mind-evolution-problem/ -الإشراف.

[2] السؤال الأهم في هذه النقطة -وهو ما لم يتعرض له الكاتب- : كيف وبأي شكل تفسر هذه النظرة العقول الفذة لدى البشر؟ كيف أنتج العقل الذي لم يتطور إلا لحل مشكلات العيش كلًا من أينشتاين وبيتهوفن ودستويفسكي وغيرهم من الأفذاذ في شتى المجالات؟ – الإشراف.

[3] لذا يلزم الإنسان التمييز بين معدن الحجة ومعدن الشبهة، وهذا من ابتلاء الله للإنسان في التصورات كما يبتليه في الطلبيّات، وقصور العقل عن إدراك مُفصّل الخير يدفعه للإيمان بكلّيٍّ يُفصّل ذلك: وحي، قانون…الخ. (المحرر)

[4] ألا يطعن هذا في كل الاستنتاجات السابقة؟ لو لم يكن للعقل قدرة لمعرفة السليم فما قيمة الدراسات والأبحاث؟ لكنها حقيقة تعقيد عمل الدماغ وتأثره بالمعطيات. (المحرر)

[5] لو لم يستطع لما استطاع اكتشاف نفسه وكيفية تفكيره! فكيف كان؟ ثُم  كثرة الأسباب تؤدي لنتائج غير متوقعة وإن كان لها سلوك عام مثل نظرية تعدد الأسباب في الفيزياء (الفوضى=chaos) وهنا تجاهلنا تأثير العواطف ورغبتنا أن نظهر مصيبين في الدراسة وأهم من هذا خوض المشاركين فيما لا يعلمون غالبًا، إذ لو سُئل رجال الإطفاء -مثلا- عن مواصفات الناجح منهم لعسُر تضليله. (المحرر)

[6] لا شك أن الوهم عدو التفكير وإدراك ذلك تهذيب للعقل، ومن نعم الله على البشر الإدراك الكلي ومهارة استعمال الأشياء، فأبرع السائقين والطيارين لا يعلمون بالضرورة كثيرا عن عمل المحركات أو الديناميكا الهوائية، ولا دليل البتة في ذلك على عجز العقل عن الإدراك فهو يشهد بذلك على نفسه! ولا زلنا ننتظر أدلة هذه النقلة التطورية! وإلا كان رجمًا بالغيب، فالنتائج لا تدل على ذلك وإنما يستعمل ذلك في تفسيرها! وهذا من أوسع أبواب الوهم. (المحرر)

أعجبني المقال

المصدر
newyorker

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى