عام

أسباب ارتفاع معدلات الانتحار في اليابان

  • روبرت وينغفيلد هايز
  • ترجمة: أسماء صابر

في العام الماضي في اليابان: انتحر أكثر من 000 25 شخص! أي ما يناهز 70 حالة انتحار في اليوم الواحد، أغلبهم من الرجال.

لكن هذه الأرقام لا تمنح اليابان المرتبة الأولى لمعدل الانتحار في العالم بين الدول الغنية؛ بل إن هذا اللقب المريب من نصيب كوريا الجنوبية، ولكن اليابان لا تزال أعلى بكثير من جميع البلدان الغنية الأخرى تقريبا، ومعدلها ثلاثة أضعاف معدل الانتحار في المملكة المتحدة.

 

مأساة القطار

بعد حادث مؤسف لحرق أشعل فيه رجل يبلغ 71 عاما النار في نفسه على متن قطار سريع ياباني يوم الثلاثاء، عادت هذه الظاهرة مرة أخرى لتتصدر العناوين الإخبارية؛

ما الذي دفع رجلاً هادئاً مسناً إلى غمر نفسه بالوقود وإضرام النار في جسمه في عربة مكتظة في قطار مسرع؟

حين كان يُفرغ السائل على نفسه، قيل أنه كان يحث الركاب الآخرين على الابتعاد قائلا أن الأمر خطير.

قال البعض أن الدموع كانت تملأ عينيه وهو يفعل ذلك.

مع شروعهم في التنقيب في ماضيه، بدأت وسائل الإعلام اليابانية تتناقل حكاية رجل كان على وشك الانهيار. كان يعيش وحيداً ولم يكن لديه عمل، وأمضى حياته في جمع علب الألمنيوم وبيعها لإعادة تدويرها.

قال الجيران للصحفيين أنهم سمعوه يحطم نافذة بعد أن أقفل على نفسه من الخارج شقته المتهدمة.

وقال آخرون أنهم نادراً ما يرونه خارج شقته، ولكنهم كثيراً ما يسمعون صوت التلفزيون. كان فقيرا وعجوزا ووحيدا… إنها السردية المعتادة.

 

الممارسات التاريخية

يقول واتارو نيشيدا، وهو طبيب نفسي في جامعة تمبل في طوكيو: “العزلة هي أول نذير للاكتئاب والانتحار؛ لقد أصبحت قصص كبار السن الذين يموتون بمفردهم في شققهم شائعة جدا”. ويتابع: “إنهم مُهمَلون؛ فقد كان الأبناء في اليابان هم من يعتنون بآبائهم إذا تقدموا في السن، لكن هذا أضحى نادرا الآن”.

وكثيراً ما يذكر الناس “انتحار الشرف”، التقليد الياباني العريق، كسبب من أسباب ارتفاع معدل الانتحار في اليابان.

ويشيرون إلى ممارسة الساموراي المسماة “سيبوكو” أو إلى طياري “الكاميكاز” الشباب في عام 1945، ليبينوا أن هناك أسبابا ثقافية متفرقة تجعل اليابانيين أكثر عرضة للانتحار.

ويقر السيد نيشيدا بهذا إلى حد ما؛”فليس لليابان تاريخ مع المسيحية لذلك فالانتحار هنا ليس ذنبا؛ بل على العكس، يراه البعض وسيلة تعكس الاضطلاع بالمسؤولية”.

يعزز كين جوزيف – الذي يعمل خط النجدة الهاتفي الياباني – ما سبق بقوله أن تجربتهم على مدى السنوات الأربعين الماضية تظهر أن كبار السن ممن يواجهون مشاكل مالية قد يرون في الانتحار خلاصا من مشاكلهم.

ويقول: “يتساهل نظام التأمين الياباني فيما يتعلق بتعويضات الانتحار، فعندما ينهار كل شيء حولك، يشعر بعض الناس أنه يكفي أن تقتل نفسك والتأمين سيتكفل بالدفع”.

“أحيانا يكون هناك ضغط لا يطاق على كبار السن يسول لهم أن أحَب شيء قد يفعلونه هو إنهاء حياتهم لتوفير معونة لأسرهم”.

 

الضغط المالي

بسبب ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن معدل الانتحار في اليابان في الحقيقة أعلى بكثير مما يتم الإبلاغ عنه؛ لا يتم التحقيق بشكل معمق في الكثير من الوفيات المنعزلة لكبار السن من قبل الشرطة. وحسب كين جوزيف، فإن الممارسة الشائعة لحرق الجثث هنا تعني أن أي دليل يدمر بسرعة.

ولكن ليس الرجال المسنون ممن يواجهون مشاكل مالية هم فقط الذين ينهون حياتهم؛ فإن أعلى شريحة سكانية في معدلات الانتحار هي الشباب؛ والانتحار حاليا هو أكبر قاتل للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20-44 عاما في اليابان.

وتشير الأدلة أن من يقتلون أنفسهم من الشباب يفعلون ذلك بسبب فقدهم للأمل وعدم قدرتهم على طلب المساعدة.

وبدأت هذه الأرقام في الارتفاع لأول مرة بعد الأزمة المالية الآسيوية في عام 1998، وارتفعت مرة أخرى بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

ويعتقد الخبراء أن هذه الارتفاعات ترتبط ارتباطا مباشرا بالزيادة في “العمل غير المستقر”، وتوظيف الشباب بعقود قصيرة الأجل.

كانت اليابان تعرف في زمن مضى بأرض الوظيفة مدى الحياة؛ لكن في حين أن العديد من كبار السن لا يزالون متمتعين بالأمن الوظيفي والمزايا السخية، فإن ما يقرب من 40% من الشباب في اليابان غير قادرين على العثور على وظائف مستقرة.

 

عزل التقنية

يتفاقم القلق المالي وانعدام الأمن بسبب ثقافة عدم الشكوى اليابانية.

يقول السيد نيشيدا: “لا توجد هناك طرق كثيرة للتعبير عن الغضب أو الإحباط في اليابان، هذا مجتمع محكوم بالقوانين، تتم قولبة الشباب للاندماج في مربع صغير جدا. ولا مجال لهم للتعبير عن مشاعرهم الحقيقية؛ إذا شعروا بالضغط من قبل رئيسهم في العمل وأدى ذلك لاكتئابهم، قد يشعر البعض أن المخرج الوحيد هو الموت”.

وتزيد التقنية الأمور سوءا، مما يزيد من عزلة الشباب؛ حيث تشتهر اليابان بحالة تسمى هيكيكوموري hikikomori، وهي نوع من الانسحاب الاجتماعي الحاد.

 

ما هو الهيكيكوموري؟

تعرف وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية اليابانية الهيكيكوموري بأنه شخص يرفض مغادرة منزله ويعزل نفسه عن المجتمع في منزله لمدة تزيد على ستة أشهر.

  • حسب الأرقام الحكومية الصادرة في عام 2010، هناك 700.000 شخص يعيشون في حالة الهيكيكوموري، يقدر متوسط أعمارهم 31.
  • تتقاطع شريحة مجتمعية مع الهيكيكوموري وهي الأوتاكو “المهووسون” أو “الانطوائيون”.
  • رغم أن الهيكيكوموري ظاهرة يابانية في أغلبها، فقد عُثر على حالات في الولايات المتحدة وعمان وإسبانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وفرنسا.

قد يعزل الشاب المصاب – وهو في معظم الأحيان ذكر – نفسه تمامًا عن العالم الخارجي، فينسحب إلى غرفة ولا يخرج منها لأشهر أو حتى لسنوات.

ولكن هذا ليس سوى أقصى تمثل لفقدان واسع النطاق للتنشئة الاجتماعية المباشرة وجهاً لوجه.

كشفت دراسة استقصائية حديثة حول موقف الشباب الياباني من العلاقات والجنس عن نتائج غير عادية، نشرتها الجمعية اليابانية لتنظيم الأسرة في كانون الثاني/يناير، وتفيد أن 20 في المائة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و29 سنة لديهم اهتمام ضئيل أو معدوم بإقامة علاقات جنسية؛ ويشير واتارو نيشيدا إلى الإنترنت والتأثير الواسع للمواد الإباحية على الإنترنت كأسباب محتملة، قائلا: “لدى الشباب في اليابان الكثير من المعرفة، لكن ليس لديهم خبرة في الحياة وليست لديهم أدنى فكرة عن كيفية التعبير عن مشاعرهم؛ لقد نسوا الشعور المصاحب للمس شخص ما، وعندما يفكرون في الجنس يتولد لديهم قلق كبير ولا يدرون بتاتا كيف يتعاملون معه”؛ وعندما يجد الشباب أنفسهم معزولين ومكتئبين، تكون لديهم أماكن قليلة يلجؤون إليها.

كما أن الحديث عن المرض العقلي لا يزال من المحظورات هنا، وليس هناك سوى القليل من التقبل الشعبي للاكتئاب، وغالبا ما يكون لدى يعاني أعراضه خوف شديد من الحديث عن ذلك.

هذا بالإضافة إلى أن هناك نقص حاد في عدد الأطباء النفسيين، كما أن عادة عمل الأطباء النفسيين مع علماء النفس الإكلينيكيين غير موجودة.

يمكن وصف أدوية نفسية قوية لمن يعاني من مرض عقلي ولكن على عكس الغرب، لن يكون ذلك مصحوبًا في كثير من الأحيان بتوصية للمريض بطلب استشارات.

قطاع الاستشارات نفسه مجاني للجميع؛ لكن على عكس ما هو عليه الأمر في أمريكا أو أوروبا، فلا يوجد نظام لتدريب وتأهيل علماء النفس الإكلينيكيين بتكليف من الحكومة.

يستطيع أي شخص أن يختار لنفسه “مستشارا” نفسيا لكن يصعب جدا على من يسعى للمساعدة أن يتحقق ما إذا كان طبيبه فعلا يعرف ما يفعل.

إنه لمنظر بائس، ورغم تراجع معدل الانتحار الفعلي في السنوات الثلاث الماضية، إلا أنه لا يزال مرتفعاً بشكل مؤسف.

يقول واتارو نيشيدا أن اليابان بحاجة إلى فتح الحديث أكثر عن الأمراض العقلية، والتوقف عن النظر إليها كشيء مخيف وغريب يصيب أقلية من الناس.

ويقول: “عندما ترى مناقشة تلفزيونية حول الأمراض العقلية في اليابان سترى أنهم يتحدثون عنها كما لو أن “الاكتئاب يساوي الانتحار، وهذا أمر يجب تغييره”.

اقرأ ايضًا: الانتحار في اليابان

أعجبني المقال

المصدر
bbc

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى