عام

لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟

  • أبوطالب محمد الشقيفي

ما أكثر الأسئلة المتكررة التي لم نجب عليها بعد، لأنها تحتاج إلى إمعان في النظر وشدة في التفكير ودقة في التعبير.

أما لماذا نقرأ؟ ففي نظري أن هناك كثيرا ممن عاصرونا أو ممن عاشوا قبلنا قد جربوا الحياة وكتبوا عنها، ورأوا مساحات منها لم يتمكن لغيرهم رؤيتها، ونظروا في أراء غيرهم وفكروا فيها ثم جسّدوا تلك التجارب والخبرات والمعارف في حروفٍ حية، ثم أودعوها في كتبهم.

وحياة المرء، مهما طالت، تظل قاصرة عن إمداده بكل ما يحتاجه لسد نهمه المعرفيّ وإشباع رغباته في معرفة تفاصيل ما حوله. وما لم تكن الكتابة والقراءة وسيلةً لتراكم المعارف وتناقلها لن يرى الإنسان إلا من إطارٍ واحدٍ هو إطار حياته الضيق.

ولكن الحياة أكبر من أن يلم بها إنسان، والمعارف أوسع من أن يحويها عقل مهما جد واجتهد. فللكون مظاهر متنوعة وزوايا كثيرة متباينة. لذلك كان على كل جماعة أن يتخصصوا في علم من العلوم قادهم إليه ميولهم واستعدادهم. فيبحث أحدهم ويكتب ما توصل إليه فيأتي من بعده يصحّح له، ويبني المتأخر ما أسس المتقدم. وهذه القراءة هي قراءة التخصص والدرس والتحصيل.

وهناك نوع آخر من القراءة، وهي القراءة من أجل المتعة وإشباع العاطفة. فإذا كان النوع الأول لتغذية العقل، فإن النوع الثاني لتغذية الروح عبر قصيدة جميلة، يجد فيها القارئ ذاته، فيستمتع بها لأنه يرى كيف وقعت المشاعر على المشاعر، وكيف استطاع الشاعر أن يعبر عن أحاسيس القارئ التي لم يستطع ترجمتها في كلمات. فتكون هذه القراءة جنة للذين تصحّرت كلماتهم وأجدبت مشاعرهم، أو الذين هم بحاجة إلى من يفك العِيّ العاطفي لديهم. وكذلك الشأن في قراءة الرواية الجيدة والقصة الجميلة وباقي أنواع الفنون الأدبية، فكلها لذة ومتعة وعيش داخل الفن.

وهذا النوع من القراءة يزيد الثراء اللغوي عند القارئ، ويملؤه بالأساليب اللغوية والتراكيب البيانية؛ فيكون بذلك أقدر على التعبير، وأبلغ في الخطاب، وأمكن على الفهم، وأذكى في استخدام الألفاظ واللعب عليها.

ومهمة قارئ الأدب أن يتذوق النص ويشعر بحلاوة تراكيبه وسلاسة لغته وجودة نسجه، لا أن ينصّب نفسه قاضيا على أفكاره ومعانيه ويدع الجمال الذي فيه.

وبقدر سموّ الكاتب يكون سموّ القارئ، وبقدر جودة المعلم يكون التلميذ. وهذا ما يرينا جليا أن النص الراقي يرقى بقارئه، والنص الهابط يهبط بقارئه. وهنا تكمن أهمية انتقاء القارئ لكاتبه أو شاعره، وتكمن أيضا أهمية النقد الأدبي للنصوص ومحاولة إصلاح عيوبها والارتقاء بها؛ لأنها تؤثر على القراء وعلى فن الكتابة بشكل عام.

وأما ماذا نقرأ، فليقرأ كل واحد ما يتفق ودراسته، ويتفق وعواطفه، من الكتب التي تزيد العقل وتنفع صاحبه. ويبتعد عن كل ما يضر عقله ويسمم تفكيره. فإذا كان القارئ بمنأى عن كتب الخرافات والأوهام والسحر والسخافات، فإن له في باقي الكتب علمًا يتخصص فيه وفنّا يغرف منه ما شاء.

وإذا أحس الإنسان من نفسه قدرة على علم من العلوم، وميلا إليه، وفراغا لتحصيله، فليحرص على القراءة فيه بكل الوسائل المتاحة حتى يصير حجة فيه، ولا ينبغي له أن يرضى بأقل من ذلك. وكما أن على القارئ أن يتجه إلى ما يحسن، فعليه أيضا أن ينصرف عما ليس أهلا له.

وأما كيف نقرأ، فالحق أن القراءة عمل لا يحسنه كل أحد. فالقراءة ليست بكثرتها، ولكن بفائدتها، وليست بطول وقتها، ولكن بقيمتها. فهناك من يقرأ خمس صفحات بتأمل وتحليل وتفكير فيخرج منها بآراء جديدة تصلح أن تكون ملخص محاضرة أو موضوع كتاب. وهناك من يقرأ الصفحات مارّا عليها مرور الذي يريد أن ينهي الكتاب ليبدأ في غيره حتى يختم أكبر قدر ممكن من الكتب في العام، ثم لا تجد لديه من آراء الكتاب شيئا استقر في أعماق تفكيره فضلا عن أن تجد لديه آراء خاصة به كوّنها خلال القراءة.

قال بعض الأدباء: إن الكثير من الذين يزعمون أنهم يقرأون لقتل الوقت، مثلهم مثل من يتعاطى المخدر ليغيب عن الدنيا أو يسبح في الخيالات والأوهام. ولم تخلق القراءة لهذا، إنما خلقت للدرس، أو الاستمتاع الصحيح.

أهم ما يفيد القارئ في قراءته أن يكون لديه غاية محددة ووجهة معينة، فهو لا يقرأ كل ما وصلت إليه يده دون تنظيم وكيفما اتفق. فهذه القراءة تحتاج وقتا طويلا جدا، أطول من عمر الإنسان، حتى تصطف كل فكرة إلى أختها، وكل موضوع إلى مثيله، وكل فن إلى مثله، حتى يكون ذلك الشخص ملما بشتى أنواع العلوم والمعارف! بينما لو ركز الإنسان جهده في موضوع واحد وأتى عليه أو على معظمه ثم انتقل إلى غيره وهكذا، لحصّل علما كثيرا وعميقا.

القراءة الصحيحة هي قراءة عرف صاحبها ماذا يقرأ ولماذا يقرأ، وعرف أين سيضعه هذا الكتاب في خريطة المعرفة، وكيف سينتقل من تلك النقطة إلى نقطة أخرى حتى يصل إلى وجهة محددة. وأهم شرط للقراءة الصحيحة أن تكون قراءة دقة ونظر وتحليل، يتذوق القارئ الكلمات ويمضغها جيدا. ويحاول نقد الأفكار وتصويبها وربطها بالأفكار الأخرى. بهذا يتكون الفكر ويتحقق المراد من القراءة.

وعلينا أن نتذكر جيدا أن القراءة، في أساسها، ليست لجمع المعلومات وتخزينها، فهذا غرض ثانويّ. إنما الغرض الأساسيّ من القراءة أن تعطي الإنسان قدرة على التحليل والاستنباط والاستقراء والتفكير فيما يحيط به، وتجعله منتجا للأفكار لا مستهلكا لها فحسب، إلى جانب قوة بيانية في الحديث والكتابة تظهر عليه بعد حين.

والقراءة الجادة تتطلب الجهد والصبر، والتخفّف من الطقوس والأمزجة، فقديما قالوا: “لا ينال العلم براحة الجسد”.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى