الفلسفة

لماذا نتفلسف؟

السؤال المعنون به يَحفَل بسمعةٍ سيئةٍ في أوساط المجتمعات العربية، ويُستعمل كقذيفة رادعة لكل مستأثر بالحديث بين الناس، ولا شك أنه نتيجة السمعة غير الجيدة للفلسفة بأكملها، والتي هي نتيجة الأحكام الفقهية المحذرة منها، والإبعاد التعليمي لها طوال قرون مضت.

تتوالى الترجمات لكتب الفلسفة إلى العربية منذ بيت الحكمة، وتسعى جاهدة لسد الفراغ الهائل لهذا الحقل في المكتبة العربية، والذي ما زال بحاجة للكثير من الجهود والمشاريع الفردية والجماعية، في الكتابة والتدريس والتفعيل. ومما تُرجم حديثًا في هذا المجال وصدر عن دار ابن النديم والروافد الثقافية، كتاب للفيلسوفة الفرنسية لورانس فانين، الحاصلة على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة نيس والأستاذة فيها حاليًّا، والذي صدر بعنوان “لماذا نتفلسف؟ سُبُل الحرية”، بترجمة وتعليق وتقديم أستاذ الفلسفة الجزائري محمد شوقي الزين، الذي اختار هذا الكتاب ليكون مدخلًا مناسبًا لعموم القراء والطلاب، بعدما ترجم كتابًا هو أنسب للمتخصصين “العيش بالتفلسف” لجون غرايش.

دائمًا ما يُطرح سؤال الفائدة من الفلسفة، ويبحث السائل عن الغاية المترتبة على قراءة الفلسفة أو دراستها، ظنًّا منه بأنه سيخرج من ذلك بحزمة من المعارف النظرية والمحفوظات الذهنية، التي يستحضرها في حديثه بقدر ما تسعفه الذاكرة. ويعزز من هذا البحث عن هذه الغاية، تلك الكتب الوفيرة التي تتناول الفلسفة من منظور تاريخها وأعلامها، فتُثقل ذهن القارئ بكمٍّ هائل من المعلومات التي يعتقد قارئها ضرورة حفظها. والحقّ أن الفائدة المرجوّة من الفلسفة هي الفلسفة ذاتها، هي الوسيلة التي تتناول على عجل سعيًا إلى غاية في آخر الطريق. غاية الفلسفة في تكوين الإنسان، في تثقيفه، في حثّه على الانتباه إلى العالم وإلى الآخرين، وفي تعليم الضبط المفاهيمي والانضباط الأخلاقي للذات، وتعلّم المرء كيف يكمّل نقصَه، ويصبح فلّاح ذاته.

ثلاثة أقسام توزّعت فيها مباحث الكتاب، ولأن التفلسف يأتي مع فعل التساؤل، والتساؤل نتيجة الدهشة، جاء القسم الأول تحت عنوان: التفلسف من أجل الفكر، تتحدث فيه الكاتبة عن أهمية الفضول المعرفي وضرورة الدهشة في البحث عن الحقائق، وعن قيمة الشك المؤدي إلى الفكر، ودور محبة الحكمة في الضبط الاستدلالي والاستقلالية الثقافية.

التفلسف من أجل الفعل، هو عنوان القسم الثاني الذي يؤكد على أن الفلسفة ليست علمًا فقط، بل هي سلوك فكري يمهّد للفعل. ينقسم الفعل الإرادي إلى أربع مراحل: السبق والمشورة والقرار والفعل، وتُفرِد المشورة بالحديث لأن الحث على الفعل لا يعني الاندفاع له دون اختبار للإمكانيات التي بحوزتنا. يفترض البحث عن الحقيقة قطيعة مع النظام الانفعالي والحسّي للقلب لتحبيذ التسامي نحو الحكمة، فهو يقتضي نوع من التطهير والزهد، بمعنى الجهد للتحرر من الانفعالات والحاجات والخيال.

من الجمل العالقة في ذهني من السيرة الثانية للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، قوله في “هواجس المتنزه المنفرد بنفسه”: “الشباب زمن دراسة الحكمة، والشيخوخة زمن ممارستها”، لكن الكاتبة في فصلها الرابع الذي تجيب فيه على سؤالي: متى ولماذا نتفلسف؟ تجعل من الشباب والشيخوخة محلًّا لممارسة التفلسف، وإن اختلفت الأساليب والآثار لكل مرحلة. فالفلسفة تتيح للشاب سبق المستقبل برويّة وتبصّر، والقيام بخيارات معقولة، وتساعده للاعتدال في الرغبات غير الضرورة وتمنع من تحويلها إلى ضروريات كما يحاول السوق المعاصر. ومن أهم ما تقدمه الفلسفة للشاب تعويض نقص التجربة المرتبط بمرحلة الشباب، وتحضيره لأن يكون “جريئًا أمام المستقبل أكثر من الشخص المسنّ” كما يقول أبيقور. فغالبًا ما يُلام الشاب على عدم خبرته في رفضه توظيفه، مما يؤدي إلى فتور الهمة وانهزام بعض الكفاءات. يتيح الفكر الفلسفي تقييم هذه الخيارات والمكتسبات من أجل التميّز. الشاب الجاد والمتحمس والمنظّم له كل الحظوظ في أن يجد العمل إذا كانت مبادراته منسجمة ومنظّمة بالجهد والدافع، وتُبرز قدرًا من الذكاء والمهارة. لذا عندما يكون أحدهم متحمسًا ويُبدي نضجًا في مبادراته، تُفتح أمامه الأبواب بسهولة، حيث إن التفكير المسبق في خيارات المهنة يسمح له أيضًا بالتوجه نحو المستقبل.

اقرأ ايضًا: الفلسفة الوجودية… الحرية التي دمرت الإنسان وجعلته مغتربا!

الحكمة الفلسفية تكمن في حُسن التخلي عن الشرط الجسدي والعقلي والجنسي في مرحلة الشيخوخة، فليس من العقل المطالبة باستمرارية كفاءة الجسد على وتيرة واحدة طوال سنوات العمر. ولا شك أن التفكير حول الشيخوخة قبل أوانها يساعد بشكل كبير في التأقلم مع وطأتها حال قدومها، فعزاء الأوجاع المرتبطة بالشيخوخة يكون بسبْقها والتحضير لها وبالتخفيف من هولها. ومن أجل العيش الرَّغد يجب عدم الخشية من الموت، فما الفلسفة إلا تعلّم الإماتة.

ختمت الكاتبة الكتاب بتأكيدها على أن الدفاع عن الفلسفة من شأنه أن يبين أن التفلسف لا سن له. وأن الإعلاء من قيمة الفلسفة يجب ألا يُغفل تبسيط التفلسف. الدهشة، التفكير، التثقيف، إثراء المعرفة بقراءة القدماء هي كلها أفعال تتيح فهم الفلسفة وإدراك أمثل لمعنی الوجود. هكذا، يفلت الإنسان من الظنون العامة. يفكر بذاته ويظفر بإنسانيته. الإنسان هو كائن عاقل وكائن من أجل الموت. من شأنه أن يضفي المعنى على حياته وأفعاله. لا يبقى حبيس التراجيدي من وجوده، أو مندفعًا في قرار طائش، بل يبقى منتبهًا إلى الحياة، وإلى الآخر، وإلى العالم الذي يحيط به. عندما يرتاح في زمانه ويعي مسؤوليته، يكون متاحًا للغير، ومن ثمّ يكون متسامحًا. تُشكّل ممارسة الفلسفة أداة ناجعة لعبور مختلف مراحل العمر والحياة.

وقبل ختم الكلام، أود الإشارة إلى كتاب عربي يسعى إلى ذات غاية الكتاب السابق، وهو كتاب حمّو النقاري “روح التفلسف”، والذي يؤكد فيه أن الأصل في حصول «الفلسفة» ممارسة «التفلسف»؛ ومن ثمة وجب أن يكون البدء في التعرف على الفلسفة التعرف على أحوال التفلسف وأوصافه ومقتضياته. فجاء توزيع الكتاب والتعريف بمعالم روح التفلسف على فصول خمسة: الفصل الأول: التفلسف كـ«فعل»، الفصل الثاني: التفلسف کـ«تجرؤ نظري مستشكل وفاحص»، الفصل الثالث: التفسلف كـ«بناء للمفاهيم ونَسْقٍ بينها»، الفصل الرابع: التفلسف كـ«قراءة وإنتاج»، الفصل الخامس: التفلسف كـ«احتجاح وحجاج». إن كل فصل من هذه الفصول الخمسة، بما يتضمنه من مضامين، يضع أطرًا عامة من شأنها أن تؤطر أفعالًا تفلسفية متعددة ومختلفة، بتعدد الانتماء الثقافي، والحضاري، والعقدي، واختلافه.

ولأن الذي يعرف، لا ينبغي عليه أن يقول لا أعرف… عليه أن ينقل ما يعرف، إنها الطريق نحو کونيّة المعرفة ونحو التواضع. بهذا النص بدأت صفحات الكتاب كمبرر لكتابته، وبه أختم أنا هذا المقال كغاية من كتابته.

اقرأ ايضاً: الفلسفة: تاريخ من الإخفاق

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى