عام

لماذا تفشل القِيَم الإنسانية العالمية في تنظيم علاقات البشر؟

مشاري الإبراهيم

في رواية ”الإخوة كارامازوف”، يصرخ راكيتين على أليوشا قائلًا: ‹‹ستجد الإنسانية في نفسها القدرة على أن تحيا للفضيلة، سواء آمنت بالروح [والدين] وخلودها أم لم تؤمن! سوف تجدها في استلهام لمعاني الحرية والمساواة والأخوّة››.

هذه فكرة عميقة جدًّا وإن بدتْ رومانسية في ظاهرها. هل تستطيع الإنسانية فعلًا إيجاد الفضيلة ومن ثم إقامة مجتمع على أساساتها من دون الحاجة إلى المكوّن الدّيني؟

القِيَم الإنسانية

‹‹القيَم الإنسانية›› فاتنة جدًّا. عناوين ‹‹الحريّة››، و‹‹العدل››، و‹‹المساواة›› قويّة يصعب الوقوف أمامها، وتُجَمِّع الشّباب من أقطار العالم، يكتبونها على لوحات يحملونها احتجاجًا أمام أسوار السياسيين والأرستقراطيين. يهتف بها الأسود والأبيض، والعربي والهندي، الأوروبّي واللاتيني، معاني توثّق أواصر الأخوّة والمحبّة بين أمم الأرض.

تجمع هذه الشعارات البشر على مستوى العلاقات الإنسانية الفردية، فيتعاطف رجلٌ شرقيّ إذا ما هُضِم حق آخر غربي، ويتفهّم الأسود أوجاع الأبيض، ويجتمع الرجل والمرأة على مفاهيم كالحب والألفة، ويتقاسم المسلم والمسيحي حسن الجيرة.

لكن، حالما ننتقل من علاقات فردية إلى علاقات أوسع نطاقًا، وتحديدًا تنظيم العلاقات المجتمعية، حيث تحدث النزاعات والخلافات، ونحتاج إلى ترجمة هذه القيم تنظيمًا.. حالما يحدث ذلك، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فلماذا فشل الجنس بشري في بناء ‹‹مدينة فاضلة›› يعيشون فيها بتناغم وسلام في ظل شجرة القيَم الإنسانية المشتركة؟

مشكلة ترجمة

لو قرأتم عبارة ‹‹الكلبُ يقفُ بجانب السيّارة››، فإنَّ تصوّر كل قارئ لحقيقة هذه العبارة سيختلف عن الآخر، فبينما سيتخيّل الأوّل كلبَ صيدٍ ‹‹سلوقي›› بنيّ وسيّارة جيب ‹‹شاص›› شهباء، سيتصوّر آخر كلب ‹‹هاسكي›› ذو فروة بيضاء بجانب سيّارة ‹‹مرسيدس›› بيضاء، وسنسجّل عددًا لا نهائيًا من التصوّرات إذا لم نصف ماهيّة الكلب والسيّارة.

إن كانت التصوّرات مختلفة حيال أشياء ملموسة كالحيوان والجماد، فما حسبنا بمفاهيم تجريدية كالحب، والصدق، والعدالة والمساواة؟

على المستوى الفردي، يعايش أحدنا هذه القِيَم بشكل مختلف مع مرور العمر، فالحب الذي نعيشه في الطفولة يختلف عن الذي نعيشه في فترات الشباب والكهولة. ولذلك تعريفنا له لا يمكنه البقاء ثابتًا.

أمّا على المستوى الجمعي، فالعقول في اختلاف دائم، وإن اتّفقوا لا ينتج عن ذلك ضرورةً نظام جيّد، فهناك نماذج لمجتمعات تتواطأ على الخطأ أو حتّى تنشأ عليها، كما حدث مع النّازيين في أوروبا أو المستوطنين في الأراضي الفلسطينية، أو قبول الإجهاض غير المبرر طبّيًّا في أمريكا.

حتّى وإن نجحنا في ترويض تلك المفاهيم المُبهمة وحوّلناها إلى صور واضحة المعالم، فعلينا الانتقال بعدها إلى تطبيق هذه المفاهيم المثالية الناصعة البياض في واقعٍ غير مثالي ملغّم بمناطق رمادية شاسعة، فنجد أنفسنا في مواقف تتعارض فيها هذه القيم، وعلينا التضحية بواحدة من أجل الأخرى، فكيف يمكننا تنظيم العلاقة بين هذه القيم الإنسانية التي تتعارض دائمًا؟ في مثل هذه الحالات يجتهد الإنسان في تحديد ‹‹مصلحة كُبرى›› لأجل حل التعارض، فمثلاً:

  • قد يضحّي المرء ‹‹بالصدق›› ويقول لزوجته إنها جميلة وإن لم تكن كذلك، لمصلحة ‹‹استبقاء العلاقة الأسرية››.
  • وقد يخل المرء بقيمة ‹‹المساواة›› ويعطي ميزات لتوظيف أبناء بلده، من أجل مصلحة ‹‹أولوية الوطن والمواطنة››.
  • كما قد يحد المجتمع من ‹‹حرية›› رجل يريد المشي عاريًا في الطريق لمصلحة ‹‹الذوق العام››.

إن كان تنظيم العلاقة بين القيَم الإنسانية سيعتمد على معرفة ‹‹مصلحةٍ كبرى››، فيبقى السؤال: كيف نعرفها؟

حاولت ثلاثة نماذج تقديم الإجابة:

1) النموذج اللبرتاري: يجعل المصلحة الكبرى في ‹‹تحقيق أكبر قدر من الحرية الفردية››، وهو ما قد يبدو لطيفًا، حتّى تعرض عليه بعض الأسئلة، مثل:

  • ماذا لو اتّفق طرفان بكل حرية على مبارزة تنتهي بقتل أحدهما الآخر؟
  • انطلاقًا من مبدأ الحرّيّة الدينية، فإن تعاطي المخدرات جزءًا أصيلاً من عقيدة بعض قبائل الهنود الحمر، فما العمل حينها؟
  • ماذا لو رضي شقيقان بالزواج بينهما، فما العمل؟

يبدو أن إجابة ‹‹الحرية الشخصية›› قد لا تستطيع ملء فراغ ‹‹المصلحة الكبرى››.

2) النموذج النفعي: يجعل المصلحة الكبرى في ‹‹تحقيق أكبر قدر من النفع أو الرفاهية لأكبر قدر ممكن من البشر››. وهو ما قد يبدو لطيفًا أيضًا، حتّى تواجهه ببعض التحديات، مثل:

  • كيف تقيس المنفعة؟ ‹‹النفع›› أو ‹‹الرفاهية›› مفاهيم غير محدّدة، فإذا أراد الإنسان المقارنة بين خيارين أخلاقيين، لن يستطيع إيجاد أداة لقياس هذا ‹‹النفع››، ومن ثَمَّ فلن يستطيع تطبيق هذا النموذج.
  • من يقيسها؟ الشعور بالمنفعة ومداها -كمًّا وكيفًا- متفاوت بين أفراد الناس تفاوتًا كبيرًا حسب تفاوت عاداتهم وخبراتهم وثقافاتهم، بل وأمزجتهم وأغراضهم.
  • غياب العدل: وبالإمكان التمثيل لهذا التحدّي من خلال حديث آيفان في رواية الإخوة كارامازوف: ‹‹تخيل أن تبني صرح المصير البشري بهدف إسعاد الناس، ومنحهم السلام والراحة، ولكن من أجل ذلك يجب عليك قتل طفل واحد فقط، هل توافق على أن تكون المهندس المعماري في مثل هذه الظروف؟››.
  • جهل النتائج: حتى إن استطعنا إيجاد أداة لقياس ‹‹النفع››، فإن قدرة الإنسان على التنبّؤ بمستقبل النفع المرجو للخيارات الأخلاقية المتاحة محدودة جدًّا.

3) النموذج الغائي: هذا النموذج يقول: على البشر معرفة غاية القضية التي هم بصدد اتخاذ قرار حيالها، (كالزواج، والفن، والاقتصاد)، ومن ثم، أي قرار أو فعل من شأنه تحقيق هذه الغاية هو الفعل الأنسب الذي ينبغي تطويع القِيَم لها، بل إن هذا النموذج يفترض مستويات من الغايات، فالغايات الكُبرى (كالغاية من الحياة) تؤثر على الغايات التفصيلية (كالزواج والفن والاقتصاد).

يقول ستيوارت مِل ‹‹إن الخير الأقصى -وهو أساس الأخلاق- كان مثارًا للجدل منذ أيام سقراط الشاب وبروتاغورس، وتشعب الباحثون إزاء هذه المشكلة فرقًا ومدارس دون أن تلتقي عندهم وجهات النظر. إن اتفاق الباحثين ممكن في العلوم النظرية، مستحيل في العلوم العملية كالأخلاق والتشريع، لأن الإنسان يأتي أفعاله لغاية يهدف إليها، والقاعدة التي يسير الفعل بمقتضاها يجب أن تستمد كل طابعها وصورتها من هذه الغاية التي تخضع لها. ومن هنا وجب البدء بوضع غاية لتدبير أفعال الإنسان››[1].

  • التحدّي الرّئيس لهذا النّموذج بالطبع هو أن هذا السؤال سؤال فلسفي بالدرجة الأولى، من الذي يحدد الغاية من الحياة؟ وفي ظل غياب جواب السؤال الأكبر، كيف ننتقل لتحديد الغاية من الزواج والاقتصاد والفن؟ هل يجيب عن هذا السؤال الفرد؟ هل نصوّت على المسألة؟ مَن الأقدر على إجابة سؤال بحجم ما الغاية من الحياة؟

يقول الفيلسوف بنتام ‹‹ولقد قلّ الطعن على أصل المصلحة، فضلاً عن أنه صار معتبرًا والرابط الجامع بين الأخلاق والسياسة إلا أن الاجماع هذا ظاهري فقط، فإن الناس اختلفوا اختلافًا كثيرًا في فهم المصلحة وتقديرها حق قدرها ولذلك تشعبت مقدماتهم وتباعدت نتائجهم››[2].

في النماذج الثلاثة الماضية تصطدم المحاولات البشرية عاجلاً أم آجلاً بجدارٍ شديد الارتفاع من الأسئلة الفلسفية التي يصعب الإجابة عنها أو الوصول إلى توافق حول إجاباتها. ومن هنا يأتي النموذج الرّابع.

النموذج الرّابع

4) النموذج الإسلامي: هذا النموذج في حقيقته نوعٌ خاص من النموذج الغائي. قبل الدخول في شرحه، من المهم التنبّه لقصّة الإنسان التي يحكيها هذا النموذج.

القصّة: الحياة مؤقّتة في ‹‹محطّة ترانزيت›› تسبق حياةً دائمة في ‹‹محطّةٍ نّهائية››. وبالإمكان الإنسان الوصول إلى محطة نهائية مرغوبة ‹‹الجنّة›› وثانية مرفوضة ‹‹النّار››. لأجل الوصول بنجاح إلى المحطّة المرغوبة، على الإنسان الالتزام ‹‹بإجراءات الرحلة›› والمتمثّلة بالدين، بالسّعي المستمر للحصول على رضا الله.

ومن هذه القصّة الكُبرى يبيّن النموذج الإسلامي أن ‹‹المصلحة الكبرى›› تتطلّب المحافظة على هذه الإجراءات؛ فمصلحة الدين أساس المصالح الأخرى ومقدّمة عليها.

وبما أن قانون البشرية جمعاء يقتضي بتسخير الأدنى لما هو أعلى، فتصبح مصالح الدنيا محكومة بسلامة مصالح الآخرة، ومن ثم فلا مجال لاضطرابها بين اختلاف الميول والأحاسيس.

ولذلك رتّب علماء الشريعة مصالحها الكبرى ابتداءً من المحافظة على الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال. وباستقراء الآيات والسنة النبوية، نجد تنظيمًا دقيقًا ثابتًا في حالات ومرنة في أخرى. مثل التعامل مع قيمة الصّدق، وتوضيح حالات الترخيص بالتخلّي عنها: «لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها».

أمّا بالنّسبة للتعامل المرن، فيترك النموذج الإسلامي مساحة للعمل والاجتهاد والتفكير، من خلال بابٍ عرّفه المختصون بـ(المصالح المرسلة) وهي تلك الحالات التي لا يمكن معالجتها بدليلٍ صريح، وتكون في طبعها بحاجة إلى مساحة من التفكر والاجتهاد والترجيح.

ولعل أهم ما يميّز قياس المصلحة في الشريعة أمران؛ أولُهما، أن الزمن الذي يقيس من خلاله المنفعة ليس محصورًا في الزمن الدنيوي فقط، وثانيهما، أن المصلحة التي يعرّفها مرتبطة بحاجة الجسد والروح، وليس الجسد فقط.

الإنسان أمام الأسئلة الكبرى

إنّ مهمّة الانتقال من قِيَم عالمية فضفاضة إلى نظام معياري يدير الحياة الإنسانية يحتاج في صميمه إلى الإجابة عن أسئلة ميتافيزيقيّة متعلّقة بأصل الحياة والغاية منها، هذه الأسئلة يقفُ أمامها الإنسان عاجزًا عن الإجابة عنها وحده، فهو يفتقد المعرفة المطلقة لسياق وجوده في هذا الكون الكبير، كما لا يملك القدرة على التجرّد تمامًا من مصالحه الفردية، وأخيرًا يعاني بمجمله من اختلاف عريض في تعريف الطريقة المثلى لإدارة حياته.

 عاجلًا أو آجلًا ستنحاز الحضارات الإنسانية إلى منظومتها الإيمانية (سواءً الدينية المستمدّة من الإله أم الدوغمائية المستمدّة من الإنسان) لفك تلك العقدة، وفي ظل تسارع وتيرة التغيير الذي يشهده البشر، والتدافع الحضاري الذي نعيشه، تبقى مهمّة تحديد (أو تأكيد) المصلحة الكبرى وبناء نظام مجتمعي يخدمها، مهمّة ملحّة للمجتمعات البشرية.


[1] مذهب المنفعة العامة لستوارت مِل الدكتور توفيق الطويل ص 142

[2] أصول الشرائع لبنتام ترجمة أحمد فتحي زغلول ص 17 ج1.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى