الفلسفة

جي إي مور: فيلسوف نسيه التاريخ

لماذا نسيَ التَّاريخ جي إي مور وقد كان أشهر فلاسفة عصره؟

  • راي مونك
  • ترجمة: عبير الوليعي
  • تحرير: إيثار الجاسر

“كنت أقدِّسه كإله؛ لم أُعجب بأحدٍ قط كما أُعجبت به” 

هذا ما كتبه برتراند راسل حين كان في الثَّانية والعشرين من عمره لخطيبته التي يصغرها بثمانية عشر شهرًا “أليس بيراسل سميث” في نوفمبر من عام 1894م، متحدِّثًا عن جورج إدوارد مور -المعروف بـ “جي إي مور” لبغضه لاسميه الأولين- وقد كان برتراند طالبًا جامعيًّا آنذاك، وكتب ناقلًا لها أهمَّ مجريات اجتماع  “رهبان كامبريدج” (بدأ عام 1820م، وما يزال يعقد حتَّى الآن)، حيث يختار أعضاؤه فيما بينهم من يمكنه الحضور من نُخب الطُّلاب والزُّملاء وصفوتهم. في الاجتماع يعرض أحد الأعضاء قضيَّةً ما في ورقة مختصرة قد كتبها بذكاءٍ وحنكةٍ، وعادةً يكون موضوعها فلسفيًّا أو ثقافيًّا أو سياسيًّا، ثمَّ يُطرح للتَّصويت، أُدرج راسل في قائمة الأعضاء في سنته الثَّانية في كامبردج، وأُضيف مور بعد سنتين.

أن يُقدِّرك أعضاء الاجتماع يعني أنَّ تكون بطلًا بين النّخب الفكريَّة البريطانيَّة، تخيَّل أنَّ مجتمع عام 1890م كان مجتمعًا انتقائيًّا جدًّا في اختياره من يستطيع الوصول إلى عالم الثَّقافة والسِّياسة وحتَّى الأفكار، وفي الوقت الذي كتب فيه راسل رسالته إلى أليس كان من بين أعضاء المجتمع النَّشطين الفيلسوف جيمس وارد، وجون مكتاغرت، والعالم السِّياسي جولدزورذي لوز دكنز، وصاحب الثَّقافات المتعدِّدة إدوارد مارش، والنَّاقد الفنِّي روجر فري.

لم يقتصر الأمر على حرم كامبردج، فقد عُرف تقليد اجتماعات رهبان كامبردج أيضًا في ساحات لندن حيث بزغ نجم مور هناك، وكثيرًا ما تقاطعت طرقهم مع غيرهم، وقد انتخب العديد من أعلام بلومزبري للانضمام إلى رهبان كامبريدج من بينهم: جون مينارد كينز، وليتون ستراتشي، وساكسون سيدني تيرنر، وديسموند ماكارثي، وليونارد وولف، وإي.إم. فورستر. كانت منطقة بلومزبري تُقدِّر مور كما يقدِّره راسل أو أكثر، وقد صرَّحت بيترس ويب لوينارد وولف أنَّها لم تلتقِ قط برجل عظيم بالرَّغم من معرفتها للكثير من مثقَّفي عصرها من الرِّجال، فرد عليها وولف بقوله “يبدو أنك لم تعرفي جي إي مور بعد”، ووصفه في سيرته الذَّاتيَّة قائلًا: ” أعظم رجل عرفته أو التقيته في حياتي”.

يصعُب فهم هذا التَّقدير لمور، فمن المألوف نوعًا ما أن نضع مور مع راسل و فيتغنشتاين كثلاثي يمثِّل الاتَّجاه التَّقليدي للفلسفة التَّحليليَّة التي انتشرت في إنجلترا في القرن العشرين، لكن شهرة راسل وفينغشتاين في وقتنا الحاضر تفوق شهرة مور بكثير، فلم يطلب مني أحدهم يومًا أن أكتب سيرته الذَّاتيَّة بعد أن كتبت عن راسل وفينغشتاين، فمن جي إي مور؟ وما سبب الفجوة بين شهرته في العقدين الأوَّلين من القرن العشرين وشهرته الآن؟ وما الذي نستنبطه من سقوطه من القمَّة العالية التي كان فيها عن المفكِّرين الذين يتذكَّرهم التَّاريخ أو يمحوهم؟

ولد جورج إدوارد مور في نوروود العليا إحدى ضواحي جنوب لندن، ونشأ فيها بالقرب من جامعة دولويتش التي درس فيها هو وإخوته الثَّلاثة، وكان أحد إخوته أخاه توماس سترغ الشَّاعر والنّحَّات والكاتب المسرحي المشهور، كانت أسرة مور متديِّنة تحضر المواعظ الدِّينيَّة في الكنيسة المعمدانيَّة المحليَّة أسبوعيًا. في سنته الحادية عشرة أو الثَّانية عشرة، اعتنق مور الإنجيليَّة المتطرِّفة على يد “منظَّمة خدمة الأطفال الخاصَّة”[1] وعبَّر مور في أحد المقالات التي كتبها عن نفسه “حاولتُ أن أطيل التَّفكير بالمسيح، وأن أُكن له حبًّا عظيمًا”، وعندما يقف في مفترق طرق كان يسأل نفسه  “ما الذي سيفعله المسيح لو كان مكاني؟”

تخلَّص مور من معتقداته الدِّينيَّة بعد انضمامه إلى كامبردج، لكن ما يزال هناك -في نظري- آثار لافتتان معاصريه بها، وبإمكانك أيضًا تمييز جوانب القوة والضَّعف في التَّعليم الذي تلقاه مور في دولويتش في كتاباته الفلسفيَّة، فقد تلقَّى تعليمًا عاليًا جدًّا في اللَّاتينيَّة واليونانيَّة، حتى لا تكاد دروسها في السَّنة الأولى في كامبريدج أن تضيف إليه شيئًا، وقد كان متّقد الذّهن عندما تتطلب الحجج الفلسفيَّة نوعًا من النَّباهة والدِّقَّة اللُّغويَّة، إلا أنَّه تلقَّى القليل من التَّعليم في الرياضيات وبالكاد يعرف العلوم، مما جعله غير مؤهل للنَّظر في المنطق البحت الذي يدمجه كلّ من راسل وفريجه في الفلسفة، وهذا ما حال بينه وبين التعاطي الكامل لمستجداتها.

وبالتأكيد لم يكن قصور تعليمه واضحًا في ذلك الوقت، بعد سنتين، شجع راسل مور أن ينتقل من العلوم الكلاسيكية إلى الفلسفة (والتي كانت تسمى “العلوم الأخلاقية” في كامبريدج).

ينجذب النَّاس نحو الفلسفة لأسباب عديدة، فراسل كان يبحث عن أساس ثابت لمعتقداته كما فعل ديكارت في تأملاته حين كتب أنا أفكر إذن أنا موجود، أمَّا فيتغنشتاين فقد كانت تُحيِّره التَّناقضات المنطقيَّة والألغاز، وأراد أن يبدِّد الرُّؤية الضَّبابيَّة التي تخيم على  الأفكار. أمَّا مور فلم يكن يبحث عن الوضوح أو اليقين، لكن الحيرة التي أوقدها الفلاسفة بكلامهم هي التي جذبته إلى الفلسفة، فقد قال في سيرته الذاتية: “لا أعتقد أنَّ العالم أو العلوم هما اللذان يضعان القضايا الفلسفيَّة في طريقي، بل أقوال الفلاسفة حولهما هي التي فعلت ذلك”.

جذبت أقوال الفلسفة مور لأول مرة حين عرَّفه راسل على جون مكتاغرت وفلسفته التي يزعم فيها بلا واقعيَّة الزَّمان التي صرَّح بها في ذلك الوقت وعُرف بها، كما ذكر مور:” بدت لي تلك الفكرة بأنَّها شديدة السُّخْف، وبذلت جهدي في معارضتها.” وبعدها بدأ مور عمله كفيلسوف واقعي.

بعد فترة بدأ راسل بالاستخفاف بالإدراك الفطري والحس المشترك نفسه -ووصفه بالهراء الميتافيزيقي- كما انتقد دفاع مور عنه، ومن ذلك قوله: “إنَّ مشكلة مور هي تصديقه لأيِّ شيءٍ تخبره به مربيته”، إلا أنَّ ادِّعاءات مور ضد مذهب المثاليَّة التي تبناها جون مكتاغرت شكَّلت دورًا هامًّا في تشكيل معتقدات راسل في تسعينيات القرن الثَّامن عشر؛ فلم تكن وجهات نظر مور الفلسفيَّة التي أثارت إعجاب راسل، بل دفاعه المستميت عنها. عند أول حضور لمور في اجتماع الرهبان كتب راسل لأليس متحدِّثًا عنه: ” كان يبدو وكأنه الشيطان متلبِّسًا بنيوتن، وكأنَّنا كنَّا في غيبوبة استفقنا منها بصاعقة كهربائيَّة، لم نستوعب قبلها كيف يمكن لشجاعة التَّفكير المحض ونقائه أن تكون”.

لم يكن إعجاب راسل بمور متبادلًا، فقد كان مور يشعر بالضِّيق حياله. وفقًا لمحادثة سمع عنها آلن وود -أول من كتب سيرة راسل- سأل راسل مور: “أنا لا أروق لك، أليس كذلك؟” فأجاب مور بعد أن فكر مليًّا “بلى”، ثم انتقلا للحديث عن أشياء أخرى.

وقد بلغ الأمر مبلغه في عيد الفصح عام 1903م؛ حينما حاول راسل الحضور إلى حفلة للقراءة نظَّمها مور في كورنيل، وكتب مور لراسل :” فيما يتعلق بسؤالك إن كان حضورك إلى الحفلة سيسبب لي أي متاعب: نعم سيتسبب”، وصارح مور صديقه ماكارثي: “لا أشعر بالرَّاحة بوجوده”.

قبل انفصالهما استحدث مور تأثيرًا على فلسفته، فقد ساعده على الانتقال من المثاليَّة إلى الواقعيَّة بأهمِّ أعماله، وفي كتابه “فلسفتي كيف تطوَّرت” قال راسل :” تمردنا أنا ومور على كانط وهيجل في أواخر 1898م، تولى مور القيادة وكنت أسير على خطاه”.

 طبيعة الأحكام: هو التَّقرير الذي أشار إليه راسل بأنَّه أوَّل تقرير نُشر حول الفلسفة الجديدة، مشدِّدًا على أهميَّة ما أكّده التَّقرير بأنَّ “الحقيقة بشكل عام مُستقلة عن التَّجرِبة”، ما نؤمن به مختلف عن إيماننا به، فلو اعتقدتُ أنَّ هذا الافتراض “اسكوتلندا تقع شمالي إنجلترا” صحيحًا؛ فأنا أعتقد بأنه حقيقة، ولكن ما يجعله صحيحًا أو خاطئًا لا يمت لما يدور في عقلي بأيِّ صلة.

إن بدا الأمر وكأنَّه بدهيًّا، فهو كذلك بالفعل، وإن ظهر كأمر سخيف لا يستحق الذِّكر، فتذكَّر بأنَّ الفلسفة المهيمنة في أواخر القرن التاسع عشر في إنجلترا كانت فلسفة هيغليَّة، وهي نوع من الفلسفة المثاليَّة التي اعتنقها راسل في بداية سنواته كفيلسوف محترف ثمَّ تحرَّر منها بفضل مور، لم يكن دور مور استحداث أفكار جديدة عبقريَّة، بل فك لقيودٍ فرضتها أفكار قديمة، وقد قال راسل لاحقًا: ” من المشوِّق أن نؤمن بوجود الطَّاولات والكراسي مرة أخرى بعد أن افترضنا العالم المحسوس غير حقيقي”.

وإن اعتقد راسل بأن أهمَّ أعمال مور هو “طبيعة الأحكام”؛ فإنَّ مجموعة بلومزبري[2] ليس لديهم أدنى شك بأنَّ أهمَّها كان تحفته المسماه بـ “مبادئ الأخلاق Principia Ethica” التي نُشرت عام 1903م. لا يفصل بين جيل راسل ومور وجيل كينز وستراتشي وولف إلا عقد واحد من الزَّمان أو قريب من ذلك؛ ولكن كما قال راسل في سيرته: ” إنَّ التَّغيير الذي أحدثته عشر سنوات في المحيط الفكري مثير للدَّهشة، فقد عشنا في عهد الملكة فكتوريا، أما هم فقد عاشوا في عهد الملك إدوارد، نحن نؤمن بالتَّقدُّم التَّدريجي في السِّياسة والمناقشات الحرَّة، والواثقون من أنفسهم من بيننا كانوا يطمحون لقيادة العامة ولم يخطر على بالهم أن يتنازلوا عن ذلك، لم يسع جيل كينز و ليتون لإقامة علاقة ودِّية مع غير المثقفين، كان جلُّ اهتمامهم هو رغد العيش ورفاهيَّة الشُّعور، ويتصوَّرون الخير بأنَّه الإعجاب المتبادل بين النّخب، وتبنَّوا فكرة جائرة عن مور وزعموا أنَّهم من أتباعه، وقد جعل هؤلاء الأتباع من مبادئ مور الأخلاقيَّة مشاجرة فتيات عاطفيَّة مملَّة”.

هل كان راسل جائرًا في حكمه؟ سواءً حرَّفت مجموعة بلومزبري أفكار مور أو قللت من شأنها، فإنَّ هذه الأجزاء من الكتاب التي يُجادل بشأنها فلاسفة جيل الملك إدوارد لم يُعطها بقيَّة الفلاسفة أهميَّة. بالنِّسبة لمجموعة بلومزبري فإن كتاب “مبادئ الأخلاق” كان عن الأشياء الأهمِّ في الحياة، وكيف ينبغي أن تعيش على أكمل وجه، وأظن أنَّ فيرجينيا وولف كانت تمزح نوعًا ما عندما وصفت الكتاب بأنه “الكتاب الذي جعلنا أفضل وأكثر حكمة”، وقد ذكر كينز تأثير الكتاب الهائل في مقال عرضه في نادي ميموار في بلومبزبري (نادي الذكريات)[3] عام 1938 وكان عنوانه “معتقداتي المبكِّرة” وقال فيه “لقد طغى تأثيره على كلِّ شيء عندما قرأناه، وقد ما يزال طاغيًا على نقاشنا حوله قبل وبعد قرائتنا له”. عندما نُشر الكتاب صرح كينز قائلاً “إنه كتاب مذهل ورائع، الأفضل في موضوعه”، بعد عدَّة أيام كتب ستراتشي لمور “لقد قرأت كتابك وأردت إخبارك كم أنا متحمس ومتأثِّر، لقد ألجم كتابك كلَّ كُتَّاب الأخلاق من أرسطو والمسيح حتى هربرت سبنسر والسيد برادلي”.

كان الفصل الأخير من الكتاب “المثل العليا” هو ما أثار إعجاب مجموعة بلومزبري، حيث يتساءل مور فيه عن الأشياء الخيِّرة بطبيعتها؛ بحدِّ ذاتها لا باعتبارها وسائل لغايات خيِّرة، ويجيب: “الأشياء الأكثر قيمة التي نستطيع التَّوصل إليها أو تخيُّلها هي حالات يقينيَّة من الوعي، مثل متعة التَّواصل البشري، أو الاستمتاع بجمال الأشياء المادِّيَّة”، فكرة أنَّ أفضل الأشياء في الحياة هي المادِّيَّات الجميلة أو الصَّداقة تتوافق مع القيم التي يتبناها أعضاء مجموعة بلومزبري، مما يجعل المرء يتساءل هل اكتسبوها من مور، أم أنهم استبشروا برؤية أفكارهم مكتوبة منطقيًّا على يد فيلسوف شهير.

لكن الكتاب لم يتناول هذه الفكرة فحسب، بل الخمسة فصول التي تسبق “المثل العليا” تختلف تمامًا عنه في المحتوى والأسلوب، وقد خصَّصها مور للبحث الدَّقيق في الأخلاق؛ يُفرِّق مور بين الأخلاق وما سمَّاه “الأخلاق العمليَّة” والتي تُعنى بما يجب علينا أن نفعل، وما هي واجباتنا ومسؤولياتنا، أمَّا “الأخلاق” فهي إدراكنا لمفهوم الخيريَّة، وهي خصائص لا يمكن تحديدها استنادًا إلى قاعدة بعينها، بل تُعرف بديهيًّا حسب قوله، فالرَّجل الذي برع في الجدال وجهًا لوجه (مور) يجادل حول  حدود ما يمكن الوصول إليه على أساس التَّفكير المجرَّد والتَّفكير النَّاقد؛ فمور يعتبر تعريف “خيرية” شيء ما بدلالة سماته الطَّبيعيَّة مثل “المتعة/اللَّذة” هو ارتكاب لـ “مغالطة الطبيعانيَّة”.

تلقَّت هذه الأفكار اهتمامًا بالغًا من الفلاسفة الأكاديميين ولمدَّة طويلة، لكن سرعان ما تقلَّص هذا الاهتمام  في النِّصف الثَّاني من القرن العشرين، حيث بدا الجدل حول إن كان ممكنًا تعريف الخيريَّة أم لا كما لو كان طريقا مسدودًا، وقد بدأ فلاسفة الأخلاق بالبحث في مجالات أخرى مثمرة حسب ظنِّهم، كالأسئلة الأخلاقيَّة الجوهريَّة (مثل هل يمكن تبرير شن الحروب؟) ومحاولة إدراك مفاهيم أخلاقيَّة عميقة (مثل  الشَّجاعة، والفطنة، والوحشيَّة) بدلًا من مناقشة موضوعات عامة وسطحيَّة مثالها “الخيريَّة”. ثم أعادت الأنماط الفكريَّة نفسها؛ فقد بدأ بعض الفلاسفة التَّحليليِّين مناقشة أفكار مور من جديد، لكن عند النَّظر إلى المعاصرين من الأدباء والفنَّانين والشُّعراء ومن هم خارج الأوساط الأكاديميَّة لا نجد اهتمامًا بكتاب “مبادئ الأخلاق”، مهما كانت المكانة التي بلغها مور في عالم الأفكار في حياته؛ فكأنَّه لم يؤلف كتابًا خالدًا.

فيتغنشتاين كان الشَّخص الوحيد الذي لم يعجبه كتاب مور، في رسالته الأولى لراسل في صيف عام 1912م بعد دراستهما في فصلين دراسيين معًا كتب له حين قرأ الكتاب “أرجوك لا تتفاجأ، لم يعجبني الكتاب أبدًا، بالرغم من أنَّني لا أختلف مع كلِّ شيء فيه، ولكنَّني لا أصدق أنهم قارنوه بأعمال فريجه أو أعمالك، لا ينبغي أن يحدث هذا في أحلامه حتَّى، يعيد مور الأفكار ذاتها مرارًا، ما عبَّر عنه في ثلاث صفحات كان من الممكن أن يختصره في نصف صفحة، فالأفكار المبهمة لا تتَّضح بالتِّكرار!”

وكتب فيتغنشتاين  بعد سنوات عديدة ” إنَّ مور هو مثال تباهٍ لرجل لا يتمتع بالذَّكاء”، قد يبدو ذلك تعليقًا قاسيًا في البداية، لكن عندما نضع في الاعتبار صداقة مور وفيتغنشتاين العميقة فإنَّ الأمر يأخذ منحنى آخر، وعندما نحلِّل نظرة فيتغنشتاين -والتي تتلخَّص بأنَّ النَّزاهة والقوة والإرادة أهم من الذَّكاء في الفلسفة- يتَّضح لنا تأثير مور على تشكيل اتجاهاته، وما ميَّز مور بالنسبة لفيتغنشتاين  كان شيئًا آخرًا أهمَّ من الذَّكاء الأخلاقي والفلسفي أيضًا.

كان راسل ذكيًّا شديد النَّباهة وذا تعبير بليغ، فقد وصف ليونارد وولف الاستماع إلى حوار بين مور وراسل بأنَّه شبيه بمشاهدة سباق بين سلحفاة وأرنب، لكن السُّلحفاة تفوز غالبًا، لهذا تأثَّرت أفكار راسل بمور تأثُّرًا عميقًا، وكان كثيرًا ما يزور مور في غرفته ليناقش معه المسائل التي تُشكل عليه.

ولذات السبب اعتقد فيتغنشتاين أنَّه قلَّل من شأن مور كفيلسوف حقيقي؛ ولكنَّه يحترمه بشدَّة كمحاور، وهو أيضًا مثل راسل ومجموعة بلومزبري يحترم ما وصفه بـ “حب مور العظيم للحقيقة” قال ذلك لتلميذه نورمان مالكوم، وفي عام 1940م عندما كان مور يتعافى من سكتة دماغيَّة وقد أصبح رجلًا عجوزًا؛ حدَّدت زوجته ساعة ونصف فقط لزيارة فيتغنشتاين  مما ضايقه، لكنَّه لم يكن يعرف بأنَّ مور كان يطلب منها ألَّا تتركه ليمكث طويلاً معه!

ومما يدعو للاستغراب أنَّ أعمال فيتغنشتاين الأخيرة كانت تتعلَّق ببعض أعمال مور، وبالتَّحديد مقالتين نشرهما مور في عشرينات وثلاثينات القرن التَّاسع عشر، وقد لفت انتباهه إليهما مالكوم، أولهما ” الدفاع عن الحس المشترك/الإدراك الفطري” والآخر ” دليل وجود العالم الخارجي”، في هذين المقالين يحاول مور الدِّفاع عن الإدراك الفطري ضد الشُّكوكيَّة، وأما دليله المشهور فقد كان يرفع كلتا يديه ثم يقول: “عندما ألوِّح بيدي اليمنى أقول “هذه إحدى يداي”، وهنا يدي الأخرى أشير بها  وأقول “هذه يدي الأخرى”، هكذا زعم بأنه قدَّم دليلًا قاطعًا على وجود الأشياء في الخارج.

لم يكن هدف فيتغنشتاين نقاش الدَّليل الذي قدمه مور، فالشُّكوكية من وجهة نظره ليست خاطئة، بل لا معنى لها أصلًا، وبذلك لا يمكن إثباتها أو نفيها، الذي لفت انتباهه في قول مور “هذه إحدى يداي” أنَّه بهذا قدَّم لنا قضيَّة من المستحيل الشَّك فيها، أو على الأقل يصعب استيعابها، إذا شك أحدهم بأنَّ تلك يد؛ فعلينا أن نتساءل ما الذي يعنيه هؤلاء بقولهم “يد”، أو نتساءل إن كانت حواسُّهم تخدعهم، أو أنَّهم معتلون نفسيًّا.

بصرف النَّظر عن الاتجاهات التي يؤيدونها فقد لاحظ الجميع بساطة قضيَّة مور الطُّفوليَّة، وقد علَّق كلُّ من عرفه على ذلك، لم ينكر فيتغنشتاين  ذلك، ولكنَّه زعم بأنَّ هذه إحدى مميزات مور التي تستحق الثَّناء، إذ لم تكن القضيَّة قضيَّة “البراءة التي ناضل من أجلها الرجل، بل البراءة الطَّبيعيَّة النَّاشئة من غياب المغريات”.

عندما تلتقي بمور شخصيًّا قد يكون دليله الطُّفولي مثيرًا؛ لكنَّه يبدو سخيفًا على الورق، كما هو الحال مع تصميمه الشَّديد للوصول إلى الحقيقة ودحض الادِّعاءات الفلسفيَّة الغريبة، فقد ظهر افتتان راسل ومجموعة بلومزبري به جليًّا في منشوراتهم. يشبه مور سقراط، إذ يؤثِّر على الآخرين عند لقائهم وجهًا لوجه،  إلا أنَّ مور لم يكن لديه تلميذ كأفلاطون ليقدمه للأجيال من بعده كإله، كان يثير أسئلة استكشافيَّة ولا يتوانى عن الإجابة عليها بصدق، كانت هذه حياته الفكريَّة، لكنَّها على ما يبدو لم تكن كافية ليخلِّده التَّاريخ، فقد كان عليك أن تلتقي به لتستوعب أطروحة اليدين الشَّهيرة التي دحض بها مذهب الشُّكوكيَّة.

 إنَّ أولئك الذين لم يقابلوا مور في العمل لن يروا أبدًا “الإعجاب الشَّديد” الذي أثاره في كامبريدج في أوائل القرن العشرين، ومن بين مثقفي اليوم الذين تتمثَّل مساهمتهم أهميَّة في أن يكونوا محاورين ومثيري أسئلة ومختبري أفكار -بدلًا من تأليف الأعمال العظيمة- قد يتعيَّن عليهم أيضًا  تقبُّل أنَّ عليهم العيش في الوقت الحالي، بدلًا من التَّطلُّع لتخليد ذكراهم في تاريخ الأفكار.

فرانسيس بارتريدج والتي عُرفت بأنها “آخر أعضاء بلومزبري الأحياء” حتى وفاتها عام 2004م،هي التي أشارت إلى الفجوة بين بروز شخصيَّة مور عند لقياه واختفائها على الورق، كنت أستمتع بزيارتها في الثَّمانينات وهي في الخامسة والثَّمانين من عمرها من أجل كتابي سيرة فيتغنشتاين، إذ كانت مقربة من ليتيس رامسي زوجة فرانك رامسي صديق فيتغنشتاين، حين التقيتها في شقَّتها الأنيقة كانت صورة ستراتشي معلَّقة على الجدار وهي إحدى لوحات دورا كارينغتون، لتعود بها الذَّاكرة إلى الوراء فتروي لي ما يُثري كتابي، إحدى المرات وصل الحديث إلى إعجاب مجموعة بلومزبري بمور، واعترفتُ لها بأنَّني لم أفهم لماذا اعتبروا مور فيلسوفًا عظيمًا في ذلك الوقت، فمدَّت يدها نحوي ووضعتها على يدي وقالت:” كان يُغنِّي بصوتٍ عذبٍ”.


[1] منظَّمة دينيَّة للأطفال تسمى الآن (scripture union)  – المترجمة.

[2]  مجموعة من الفنَّانين والكتَّاب البريطانيين الذين كانوا يقطنون بالقرب من لندن، -المترجمة.

[3]  نادي أنشأته مولي ماكارثي لكتابة ذكرياتها، ولتشجيع زوجها ديسموند ماكارثي وغيره من الكتَّاب حولهم على ذلك، – المترجمة.

أعجبني المقال

المصدر
prospectmagazine

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى