عام

لماذا لا يستطيع “المُثقف” إصلاح مُجتمعه؟!

  • محمد علي فرح
  • تحرير: محمد عبيدة

لماذا لا يستطيع المثقفون إصلاح مُجتمعاتهم؟ هذا سؤال يُلح بشدة على أوساط المُثقفين، خاصة من المتابعين لهذا الوسط. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا السؤال من الأسئلة الخاطئة، وقد اعتنت الثقافة والفلسفة بادئ الأمر بالسؤال قبل الاعتناء بالإجابة؛ حيث كان المثقفون -ومن قبلهم الفلاسفة- يتحركون من “السؤال” أولًا، ويتأكدون من صحته، لأنه لا يوجد سؤال صحيح ليست له إجابة عندهم.

إنّ كل كلمة في السؤال تحتاج إلى أسئلة أخرى لتضبطه، فعن أي “مُجتمع” نتحدث؟ ثم من هو “المُثقف” أو ما تعريف المُثقف المشار إليه في السؤال؟ وما “الزمن” الخاص بالسؤال؟

لو كان المقصود “المُجتمع” الأوروبي والمُثقف “الأوروبي” في عصر النهضة – “الرينسانس”- أي من الفترة الزمنية من القرن الرابع عشر إلى السابع عشر فإن الإجابة ستكون بلا شك هي:  “لقد استطاعوا!”.

ولم يعد لهذا المقال من نفع أو سبب، حيث ستداهمك صورٌ أسطورية لدانتي ورافايل ومارتن لوثر ودافنشي… وهذه الصور كافية أن تُغلق السؤال سريعًا قبل أن يصيبك التيه والضياع بين ما قدمه هؤلاء لمُجتمعهم، ولكن إن كان المقصود “المُثقف” العربي في “المُجتمع” العربي في القرن الحادي والعشرين، فيُمكننا الحديث حينئذ معًا، ويُمكن أن نكون أصدقاء منذ البداية.

ومن هنا نبدأ، المُجتمعات الشرقية والغربية في العصور القديمة وجدت قيمة عظيمة لكلمة المعرفة -أو ما يُطلق عليه اختزالًا اليوم كلمة “الثقافة”-، ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى الذي يحمل المعرفة أو “المُثقف” نفسه، إذ كان هو المسؤول عن توجيه الرأي العام داخل هذه المُجتمعات، وعليه يعتمد الجميع في الوصول للطريقة المُثلى للحياة السليمة التي تبدأ من تربية أبناءهم، وتنتهي عند مراسم موت أفراد المُجتمع.

وعند النظر نظرة سريعة للمجتمعات الشرقية، نستطيع رؤية مكانة الأديان والحكماء في تلك الثقافات، انظر مثلا لابن القيم وابن سينا مع الاختلاف الشديد بينهما؛ فنجد أن كلًا منهما اعتنى بالحديث عن الإنسان منذ الطفولة مرورًا بكل مراحل عمره مرحلة مرحلة، من سياسة الوالد لولده كما عند ابن سينا إلى مدارج الرجال وهممهم في مدارج السالكين مثلها عند ابن القيم، وكذلك في الشرق هناك بوذا وحديثه عن رعاية الإنسان لعقله وروحه وكيف يعيش ويموت، بينما عند المسلمين نرى بوضوح شديد مدى الاهتمام والحديث عن مكانة الأنبياء وخاصة الرسول مُحمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قومه وأصحابه لنشر رسالته، ومن تبعهم بعد ذلك من القرون.

أما بالنظر إلى المُجتمعات الغربية في مبتدئها الأدبي والثقافي قبل الميلاد، وبعد العودة إلى هذا المُبتدأ مرة أخرى على مشارف عصر النهضة في القرن الثالث عشر، -“الرينسانس”- على يد “دانتي”، وقبله الإمبراطور فردريك المُقدس على مشارف سقوط الإمبراطورية الرومانية -التي أسقطت كل فكر لا يتعلق بالتوسع العسكري-، فإنك تجد بكل وضوح التأثر بالفلسفة الإغريقية التي رفعت قيمة العقل فوق كل شيء، وراحت تبحث في أصول الإنسان، وعلاقتها بالنفس البشرية، والعقل البشري، والتداخلات بين هذه الأصول وبين الأصول التي وُجد عليها الآلهة.

بلا شك يوجد في النظرة السابقة اختزال شديد، ولكن هذا ليس موضعًا لعرض تاريخ الأفكار في كل من المُجتمعات الشرقية والغربية، ولكنه كاف لعرض قيمة الثقافة داخل هذه المُجتمعات القديمة، وأهمية العارفين أو “المثقفين” فيها.

ففي جميع العصور السابقة، كان حاملو المعرفة و”الثقافة” هم القائمين على توجيه الرأي العام وصلاح المُجتمع واستقامة افراده. وفي كل الأحوال، لم تنفصل الثقافة أو المعرفة في هذه العصور عن شؤون الحياة الأخرى، فقد كان الذين يحملون المعرفة أو المُثقفون هم أحرص الناس على أن يكون الفرد في المُجتمع فردا قد اكتمل نفعه لمُجتمعه. وعلى هذا، فقد تصدرت أقوال كل من الحكماء والأنبياء ثم الرسل، النصوصَ الدالة على أن الفرد عليه الاهتمام بجسده كما يهتم بعقله، وأن الفرد وجوده داخل دور العبادة أو “المعرفة” لا يقل شأنا ولا أهمية عن وجوده داخل ساحة المعارك التي يُدافع فيها عن مُعتقده أو عن وطنه، وأن على الفرد الجمع بين الفضائل من الأخلاق كما عليه الجمع بين أدوات وسبل كسب الأرزاق.

اختلفت المعارف على اختلاف الأزمنة – قديمًا – كما اختلفت الدوافع والأسباب والنتائج باختلاف الديانات نفسها، وباختلاف الأعراق والأجناس، ولكنها جميعها قد أجمعت على أهمية الجمع بين ما يجعل الفرد في مُجتمعه قادرًا على جلب النفع ودفع الضُر؛ فلم يكن في هذه المُجتمعات فرق كبير بين المُحارب والمُفكر، إذ تجد أكثرهم قد جمع بين الصفتين، ولكن بطبيعة الحال قد يولي أحدهم جانبًا بالاهتمام أكثر من الجانب الآخر، ولكن يبقى في النهاية أن جميع أفراد المُجتمع قد وُجدت بين أيديهم كل الأدوات التي تُمكنهم من الجمع بين المعرفة، وبين جميع جوانب الحياة.

انظر في ذلك إلى هذا النموذج الغربي للإمبراطور فردريك “المُقدس”، فقد كان الرجل أشد رجال عصره بأسًا حتى جاب أوروبا بنصره المصاحب له أينما حل، وبذراعه وسيفه شديد البأس بين الجميع؛ وعلى رأس ما سبق، فقد أتقن ستّ لغات من بينها العربية، والدرس الأوروبي يعرف جيدًا مكانة العربية بين اللغات خاصة في ذلك الزمن.

على الجهة المُقابلة – تمامًا – انظر – يا هذا – لابن الجوزي…! هذا رجل علوم فذ، ومع ذلك هو يعرف مداخل المُجتمع كما يعرف مخارجه فيما يتعلق بالمرأة بكامل أوصافها، وما يتعلق بتربية الصغار وتعويدهم على الجلد والقوة الجسدية والفكرية، وكان بتعبير العصر “شاب أدرجي”، وبتعبير العصر في أروقة الثقافة الأوروبية “فيلسوفًا”، وبتعبير رجال الدين واعظًا لم يُرَ مثله في زمانه.

لعل استخدامي لابن الجوزي أولًا عائد لمحبتي وتحيزي لدرسه، ولفضله على رأسي وعلى أبنائي والمسلمين، وثانيًا لأن درس ابن الجوزي يؤكد على مفهوم شديد الأهمية، هو أنه لا يشغل باله ب”أساطير” الرجال داخل المُجتمعات؛ فلم يشغله ما ذُكر عن زهد وتواضع البصري، ولم يشغل باله كرامات مالك ابن الدينار الأخلاقية والتعبدية، ولم يشغله تقطع كبد هذا من خشية الله، ولم يلتفت في درسه لحفظ تلك الكتب العلمية، والتهام المعرفة في ليلة ونصف، ومن درس ابن الجوزي أقول لك:

لم يكن ابن الجوزي ولا الإمبراطور الروماني “المُقدس” ضربًا من الخيال، بل كان هذا هو الحاكم لرجال المُجتمعات القديمة، ففيلسوف اليوم الذي ينظر له الناس أنه من خوارق البشر كان لا يعدو كونه رجلًا عاديًا أمام حكماء القُرى والمُدن القديمة، وهم يتحدثون بين رجال حيهم أو عائلتهم.

كل هذه الرؤى “كانت” من الرواسخ داخل الديانات والتابعين لها على مر العصور، ولكن هذه الرؤية بدأ يصيبها الانحراف -الذي لا يعد سيئًا في كل الأحوال- فأبعدها عن الأصل والمصدر الذي خرجت منه أصولهم الأولى لديانتهم أو معتقدهم، فخرج على إثر ذلك الحُكماء والمثقفون والمُفكرون الذين يدعون – ولا يشترط صحة أو كذب ادعائهم – أنهم يحملون “المُعتقد” الصحيح و”الفكر” السليم الذي بُنيت عليه ديانة وأخلاق هذا المُجتمع أو ذاك.

من هو المثقف إذن؟

بعد هذا العرض السريع لا بد من أن نعرف من هو المُثقف؟

المثقف أو المُفكر سيدي العزيز شاع استخدام لفظه في القرن التاسع عشر، ووُصف به الذي يشغله ما لا يخصه من قضايا غيره. وعلى هذا، إن انشغل المرء بقضايا (دينية – فكرية عقلية – فنية – اجتماعية) لا فرق بين ما يشغله إن توفر فيه شرطان: أولهما أنها لا تخصه وتخص غيره، وثانيهما أنها تشغله. وهذا الانشغال يدفعه إلى البحث في أسبابها ودوافعها ونتائجها وآثارها، وعلاقة ما سبق بغيره الذي قد يكون “المجتمع” في أكثر الأحوال، وقد يكون مجموعة خاصة داخل المُجتمع، أو قد تكون في حالات شديدة النُدرة قضية تخص الفرد والفردين اللذين هما بحكم القسمة العقلية واللغوية وقبلهما الشرعية دون الجمع الذي يكون من ثلاثة فما يزيد؛ ومثال هذه الحالة النادرة كالتي تُحرك المثقف تجاه قضية “س” من المقهورين أو المظلومين أو من يُساء فهم أقوالهم من الفئات الباقية.

وبناء على هذا التعريف، يتضح لك بكل يُسر موقع “ماركس” على سبيل المثال، في مواجهة فتجنشتين؛ كما يتضح لك موقع مالك بن نبي في مواجهة محمود شاكر؛ ولكن هذا لا يوضح بأي حال الفرق بين الآتي: الرسول – النبي – الحكيم – الفيلسوف – العالم – الشيخ.

بين هذه الألفاظ قدر مهيب من الاشتراك والتداخل المعرفي واللغوي، ولكن في كل الأحوال، فإن بعضها -دون حاجة للبيان- يندرج ضمن مفهوم المُثقف، في حين يمتنع إدراج أحدها أو بعضها ضمنه؛ ولتبسيط الصورة لمن يحتاج تبسيطها دعني أقول الآتي:

الرُسل هم أعلى الناس شأنًا، والرسول مُحمد صلى الله عليه وسلم هو أعلى البشر شأنًا، ولعل ذلك ما دفع هيغل في فلسفة التاريخ للجزم بأن “مُحَمِتْ” بشري، وإن نظر إليه كل فلاسفة الغرب باعتباره في منزلة بين البشر والآلهة -كما رآه ميكافيلي ومن تابعه واعتمد عليه في وضع أسس فلسفة السلطة-.

ولكن ما شغل بال هيغل في فلسفة التاريخ أن “مُحَمِت” بلا شك كان يتميز في “مُجتمع” بصفات الكمال الرُجولية، فلقد كان جسدًا عظيمًا، وذكرًا بين الرجال، يتمتع بأقصى درجات فنون التعامل مع النساء، وهذا أو ذاك لم يُنقص من همته في التسلح بالأخلاق الواقية من الدنس والسفالة الفكرية التي تُصيب أمثاله في “المُجتمع”. وهذا ما دفعه إلى تحصيل المعرفة مع ما ينقصه من “أدوات” تحصيل المعرفة، فلم يكن قارئًا ولا كاتبًا، ولم يكن “شاعرًا” – يا هذا- ولم يعرف عنه أحدٌ من رجال مُجتمعه الكذب في الحديث.

ولا يخفى عليك صفات الرسول مُحمد صلى الله عليه وسلم لو كنت مسلمًا، كما لا تنقصك المعرفة عنه شيئًا لو كنت حاملًا للمعرفة، ولو كنت هندوسيًا؛ فلقد اقتطعت أوروبا في القرن ال12 إلى16 درسًا خاصًا يعتني فقط بالجانب الجسدي الذي كانت عليه صورة الرسول مُحمد صلى الله عليه وسلم، وجمع ذلك مع قدرته على حمل السيف وقيادة الرجال والانشغال بقضية كقضية نشر رسالته التي عجز عن مماثلة فعله أبطال عدة في أوروبا في محاولة نشر رسالتهم.

فعلى أي حال، فالرسل هم أفضل البشر في كل من الدروس الدينية والدروس الفلسفية على مر التاريخ، ويدنو منهم الأنبياء مباشرة، ويتسع الأمر بعد ذلك ليشمل الحكماء مع العلماء والشيوخ والوعاظ والفلاسفة. وفي النهاية، تجد المُثقف “المُجرد” في لساننا اليوم يقف وحيدًا.

لا يتسع المقال لأن أدلك على صفات وعناصر كل من(الحكيم -العالم- الفيلسوف- المثقف)، فدع صورهم الذهنية تدور برأسك كما هي، فلا بأس في هذا بعد أن رفعنا الرسل والأنبياء إلى مقامهم العقدي الشريف، ولكن يعنيني هُنا أن أقول:

في الفكر العربي وأصوله، لا قيمة للثقافة فيه، حيث إن الأنبياء والرسل هم الذين بينوا للناس كيف يفكرون فيما يخص قضايا غيرهم، وبينوا لهم الأصول التي يهتدون إليها، وذلك لا يمنع من وجود “المُثقف” بتعريفه السائد، أي باعتباره المنشغل بقضية لا تخصه وتخص غيره، ولكن الفرق هنا في التراث الشرقي عامة والعربي خاصة، واليهودي والإسلامي على حد سواء، يعود إلى المصادر التي يعتمد عليها هذا “المثقف”.

 وعلى كل الأحوال، يبقى المُثقف في المُجتمع الغربي أو العربي على حد سواء، متميزا عن غيره بهذه الخصلة وصار لهم الريادة في مُجتمعاتهم. وتأسيسا على ما سبق، يتضح الذي لأجله كانت المجتمعات فيما مضى – ومن قريب – تنظر بإجلال كبير لمعايير “المعرفة”، أي ما يُطلق عليه اليوم “الثقافة”، فقد كان الأمراء والملوك يعتمدون في المقام الأول على أقوال أصحاب الفكر والثقافة.

أما في المُجتمعات الغربية، فليس هناك أدل من عمل ميكيافيلي مع “الأمير”، ولا يُمكنك مثلًا أن تنظر إلى “مارتن لوثر” في حديثه مع أمراء وملوك ألمانيا على كونه رجل دين في المقام الأول، إذ قد ظهر بفكر يتقاطع مع ما هو سائد في عصره عن المسيحية، وخرج بفكر جديد؛ ولذلك عده الفلاسفة فيلسوفا في عصر النهضة، لا رجل دين، وهذا لا ينقص من شأنه رجلَ دين في الأوساط الدينية بعد ذلك.

وكان على الأبوين -ليتمتعا بقدر كبير من القيم التربوية- أن يوجها أبنائهما نحو النظر إلى المُثقفين في مُجتمعاتهم، فكان الأبوان على سبيل المثال يشيران لأبنائهم في النمسا وفرنسا خاصة وفي أوروبا عامة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، على أسماء مثل “جون لوك” و”جان جاك روسو”.

استمر الحال على ما هو عليه حتى تصدر كبار العلماء أو المثقفون لكل شأن من شؤون المُجتمع، لأجل الحفاظ عليه وعلى أفراده دون استبداد أو إجبار، بل كانت المعرفة والثقافة هي ما يتداوله العامة قبل الخاصة داخل هذه المُجتمعات؛ ولكن بطبيعة الحال، كان المُجتمع نفسه يعلي من شأن أكثرهم معرفة واتساقًا مع نفسه لتكون كلمته مسموعة.

 بل كان في مصر على سبيل المثال  لزامًا أيضًا على الوصيفات – مع تقدم العصور – في القصور الملكية أن تكون الواحدة منهن على دراية بمثقفي العصر الذي يعيشون فيه وفي العصور السابقة، فيمكنك أن تسمع من وصيفة ذكرًا لكانط أو ديكارت في حديثها مع سيدتها عن حال المُجتمع.

ولكل ما سبق ذكره كان من غير المستغرب أن يكون حامل المعرفة أو المُثقف هو الذي يُقدَّم للرأي العام باعتباره من نجوم المُجتمع. ولكن ذلك كله بدأ يخفت بشدة على مشارف الألوان التي لُونت بها شاشة التلفاز، ففي هذه الحقبة -أي أواخر الثمانينيات- كان المثقف الذي يحمل المعرفة يجمع بين العلوم وبين تجربة أو أكثر داخل ساحة المعركة والعالم الحربي، كفيتجنشتاين في الغرب، الذي كان يكتب فكره في أوراق داخل ساحة المعركة، أو يوسف السباعي في العالم العربي.

 وإن لم يكن بالجمع بين الحرب والمعرفة، فلم يكن هنالك ما يُميز المُثقف في المُجتمع عن غيره من أفراد هذا المُجتمع، إلا تصديره من البقية داخل مُجتمعه “الخاص” لقيادة رأيهم “الخاص”. وربما صدّره وأعلى شأنه بقية المُجتمعات ومثقفوها، وحاملو المعرفة فيها، ليكون مُوجهًا لرأي المُجتمع العام، ومُؤتمنًا على أفكار المُجتمع، إما بذات المُثقف في حياته أو بفكره حال موته. ويُعد في الغرب آخرَ من شهدوا هذه المكانة لحاملي المعرفة والمثقفين على سبيل المثال، “جون بول سارتر”، حيث كان الرجل أيقونة كُبرى في الصيحات الرجولية، والمطالب الأنثوية في الذكور؛ فأن يكونوا في ثقافة وأناقة “سارتر” لهو أمر مثير للإعجاب والزهو، إذ كانت كبرى العلامات التجارية للأزياء والموضة تتخير من ملابس سارتر وأمثاله من المثقفين، الأوشحةَ والأرديةَ التي تُميز الرجال في المُجتمع.

في هذه المُجتمعات، كنتَ تستطيع رؤية الرجال والشباب يشبهون المثقفين في كل شيء، لا في الملبس وحده مُجردًا، ولكن ما يتناوله شباب الجامعة من الطبقات الوسطى يحمل رؤى لماركس وانغلز وتروتسكي، بينما يحمل الماديون أفكارًا لواطسون وسكينر وويلز، في الوقت الذي كانت تلوح في أفق الفلاسفة الشباب من بين هؤلاء – حيث كانت الفلسفة تتقاطع مع الفكر العادي – كلمات شديدة العُمق المعرفي لسارتر وويليام جيمس وهاكسلي.

قد تعترض  وتقول إن ويلز أو ماركس لا يُمكن أن يُنظر إلى فكرهما من حيث هو فكر عادي، ولذلك أقول : هذا ما أحاول توضيحه، أي إن المُجتمعات القديمة كانت تتعامل مع الأفكار العادية من منطلقات أمثال هؤلاء.

لم يختلف في حقيقة الأمر المُجتمع العربي حينذاك عن المُجتمع الغربي، وذلك يعود لطبيعة الحركات الاستعمارية وهيمنة الفكر الأوروبي على مسار الثقافة في العصر الحديث، ولكن على أي حال، كان المُجتمع العربي شأنه شأن المُجتمعات الغربية لا يفصل “المعرفة” أو “الثقافة” عن أي ميدان من ميادين الحياة في المُجتمع. ولم يكن مُستغربًا آنذاك أن ينعكس ذلك على جميع فنون الشباب، كالأدب والدراما والرسم والموسيقى، كما لم يكن مُستغربًا أن يكون المُتدين لا ينقصه ما يحمله المُتفلسف من فكر والعكس صحيح، إلا أن كل منهما قد تميز بضد الآخر وانحاز لما يحمله. أقصد لضبط هذا السطر الأخير: انظر لمالك بن نبي………. حبنكة الميداني كصورة لشخصيهما، ثم انظر لما يحملانه من أفكار، أو حتى يُمكنك أن تعود بالذاكرة وتضع صورة الأستاذ مُصطفى محمود وصوته وترى كيف كان يتناول أقواله “العامة” قبل أن يتم الفصل بينه وبين “الخاصة”.

رشدي أباظة والديالكتيكية الهيغيلية

أقصد، انظر كيف كنّا نستطيع عام 1970 الجمع بين هذه الكلمات في حوار واحد من على لسان شخص واحد:

نظرية ماركس -جسد المرأة – قاعدة الأضداد – كأس الويسكي – هيجل – الديالكتيكية الجدلية.

وفي نفس الحوار كان يمكننا مناقشة أسئلة “غائية” ومفاهيم عدمية ووجودية “ذاتية” مثل التي تجدها في حوار كهذا:

أنت تتحدث كثيرًا عن الحقيقة، فما هي الحقيقة التي تبحث عنها أنت؟

 الحقيقة التي أبحث عنها دائماً هي: لماذا خلقت؟ والحقيقة التي وصلت إليها هي : أنني موجود وأنني أسوأ ما صنع الخالق.. *

تبدو هذه الكلمات جميعها قد خرجت من فم فيلسوف مُستغرق في العبثية والعدمية يتبنى رؤى فكرية متباينة، ويُحكم كلٌ منها في عقلها إحكامًا شديدًا؛ ولكن في حقيقة الأمر، فهذه الكلمات قد خرجت من عقل وفم “رمز” للرجولة لعصر كامل لمجتمع مُتحضر، ولم يزل حتى اليوم كما هو لم يُمس، وهو الراحل (رشدي أباظة).

ولكن في حقيقة الأمر، فكل ذلك قد ولى اليوم، ولم يعد له قيمة، إذ إن رجال الرأي العام الأشد بأسًا في الغرب، في الفترة من 1940 إلى 1980  في العصر الصناعي، قد قاموا بوضع معايير جديدة للمُجتمعات الحديثة، وهذه المعايير لا تلتفت بأي حال للثقافة أو للفلسفة.

ولعل من أبرز هؤلاء (إدوارد بيرنيز) و(ايفي ليي)، والسبب كان واضحًا بالأمس وضوحًا لا يتميز به اليوم، حين كانت الشركات الصناعية هي التي بدأت فرض سيطرتها على قيم المُجتمع، وبدأت في نسج شبكاتها السياسية والاقتصادية في الدولة، فكان لزامًا على كل أحد أن يتدخل حتى تتحسن مُبيعاتها وينمو اقتصادها الداخلي، ولأجل هذا المطلب  وقف رجال الرأي العام أو ما يُعرف باسم (العلاقات العامة).

أول ما واجه هؤلاء، هو أن قيمة العلم والمعرفة في المُجتمعات تعلو أي قيمة أُخرى، فمن على لسان المثقفين والمفكرين يعرف الفرد في المُجتمع كيف يعيش حياته، وكيف يفكر، ويعرف كذلك أهم القيم التي ترتبط بمُجتمعه وبشريكه في الحياة، وأهم الرؤى التربوية التي تساعد الفرد على تربية أبناءه الخ، ومن هذه الرؤى التي أظهرها المثقفون: ألا يهتم الفرد بمظهره أو بالمادة للدرجة التي تُنسيه آدميته وإنسانيته، هل تتصور كيف كانت الثقافة عائقًا عظيمًا في أن تنتشر الماركات الخاصة بالملابس والمفروشات والتدخين وكل ما يتعلق بالفرد “المُستهلك”؟ صارت الثقافة خطرًا على من يملك المال ويستطيع إدارة المُجتمع، فكان لابد من أن تُزاح الثقافة من على الساحة المُجتمعية تمامًا….وهذا ما حدث.

وهنا بدأ المجتمع يرى شكلًا جديدًا للقيمة الإنسانية وهي قيمة “الشبابية” المُطلقة، وهنا أيضًا ظهر أمثال دين مارتن مرورًا بالنموذج الأمثل لهذه الرؤية، وهو “جون ترافولتا” بمشطه المصاحب له على الدوام، وشعره المُصفف كالخارج لتوه من المُزين، وسيارته المكشوفة، والفتيات الواقعات في غرامه في المرحلة الجامعية… وكان العصر الذي ظهرت فيه هذه الصورة مجتمعا رجاله يعدون مُحافظين، ولا يسمحون بهذه الصورة، ولكن ماذا تفعل آراء “الفرد” في المُجتمع أمام صناعة الرأي العام؟! لا شيء، الإجابة: لا شيء! استمر الأمر كما هو على نفس الحال، حتى انتهينا إلى عصر جاستن بيبر أوشك أن يكون إيمنيم الأمس ويُمسي مرجعًا فنيًا للأجيال الناشئة، حيث لا قيمة لشيء تكون أعلى من قيمة الأسنان البيضاء، والشعر الذهبي الناعم، والجسد المتناسق، والملبس الشبابي والعصري للدرجة الأقصى، حتى لو كان كل ما سبق مُصنعًا.

وعلى أي حال، فقد أحدثت هذه التغييرات على قيمة الإنسانية والإنسان في المُجتمعات الحديثة صدمة عظيمة تعرض لها كل من المُجتمع الديني بالمقام الأول، والمُجتمع الفكري أو الثقافي “الفلسفي” إن صح التعبير، ولم نزل إلى اليوم نشعر بأثر هذه الصدمة، حيث لم يعد داخل هذه المُجتمعات موقع مُحدد للمُثقف أو المُفكر.

لم يعد كما كان الشأن قبل ذلك أن يكون الفرد في المُجتمع شابًا يتمتع بشبابه لحده الأقصى، وكذلك يهتم في مرحلة ما بالمعارف والعلوم لحدها الأدنى على أسوأ التقديرات، يُمكنك النظر ببساطة إلى اليساري حبيب الفتاة الساذجة في بنت اسمها ذات، ولكن هنا حدث الفصل بين القيمتين: الثقافة – والشبابية؛ وأصبح الشباب في المُجتمع ينظرون بازدراء للذي يلبس نظارة ويفتح الكتب يقرأ فيها بنهم، وينظرون بسخرية للذي يحرص على إجابة المدرسين في الفصول الدراسية، وصار الشباب يستعرضون ثيابهم الأنيقة وتصفيفات شعرهم العصرية أمام الفتيات، فيمشي وسطَهم الفتى المُثقف مخذولًا من مُجتمعه، مرفوضًا منه، هل تذكر مدرسة المشاغبين؟

ولا تستطيع حصر الأعمال الدرامية والأدبية التي تناولت هذا الموضوع، إذ ركزت على هذه الصورة بكل ما يملك الكاتب “المُثقف” من قوة… ولكن هذا لم يُغير في الأمر شيئًا، وظلت هذه الأعمال تخص فئة المثقفين المُهمشين في مُجتمعاتهم. وإذن، فأنت اليوم أمام قيمتين، وعليك أن تختار بينهما: إما أن تكون مُثقفًا، وإما أن تكون شابًا يعيش حياته لحدها الأقصى، ولكن لماذا لا يُمكنني الجمع بين القيمتين؟!

الأكاديمية والتخصص أعداء الحياة

دعني أُخبرك لماذا لا يُمكنك الجمع بين القيمتين: الإجابة ستجدها في التخصص يا صديقي! التخصص يا عزيزي هو الحد الفاصل بين القيمتين، وهو الذي يضمن ألا تختلط إحداهما بالأخرى؛ أقصد: هل تصورت أن ينسى من وضعوا هذا النظام أمرًا كهذا؟

وهنا نستطيع أن نرى أن هذه الرؤية الجديدة قد خلقت مجتمعين يتقاطعان مع بعضهما البعض، ولا يلتقيان ولو كانا أخَوَين تحت سقف بيت واحد: مُجتمع الفكر والثقافة والكتاب والمعلومة، ومُجتمع الثياب العصرية والتصفيفة الجديدة والفتيات المائلات والسيارات الحديثة، المجتمع الأكاديمي في مواجهة الوظيفي، الأكاديمي في مواجهة العاطل، الحرفي، الصنايعي، الأمّي.. إلخ.

مُجتمع يعتمد اعتمادا كاملا على ذاتية الأشياء، ومجتمع يعتمد اعتمادًا كاملًا على موضوعية الأشياء؛ صار كل مُجتمع يُعادي الآخر معاداة ظاهرة للعيان، تجدها في أعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء: مُجتمع المُثقفين يرمي المهتم بشبابيته بالسطحية والحمق والغباء والبلادة وانعدام الوعي؛ ومُجتمع الشبابية يرمي المثقفين بالبدانة الجسدية الفكرية، والتعطل الاجتماعي الذي يُشبه المُختلين عقليًا، حين يتحدثون في ما يخص العصر الذي يعيشون فيه.

عداء كل مُجتمع للآخر لا يحتاج إلى دليل أو هداية، ولا يتلقيان إلا وقت الحاجة – الطبيعية- للمعرفة، حيث يتجه الشباب للمثقفين لسؤالهم عما يشغلهم في قضية تتعلق بحياتهم المهنية أو ما يتعلق بمكسب ما في تجارتهم، -ولو كانت في المخدرات-، بينما يستنجد أحد المُثقفين إلى الشباب على سبيل المثال ليسأل عن تلك الفتاة التي أثارته في العمل، ويريد أن يتنازل قليلًا عن مبدأه والتقرب منها، ولكنه لا يعرف كيف السبيل لذلك.

لذلك لا يستطيع “المُثقف” القادر على إحداث تغيير في المُجتمع أن يكون جُزئًا من مُجتمع تُقضى على قيمته داخله، فلن يكون في الطبقات الشعبية من شباب المهرجان ولن يكون من مُجتمعات الإتجار بالمخدرات، كما لن يكون في الطبقة الوسطى من شباب الترانسات أو الروك والميتال.

أقصد أين يجد له موقعًا بين شباب الساحل الشمالي في مجازرهم النفسية، أقصد سهراتهم الليلية العنيفة في حفلات الخبوط لموسيقى الترانس، وتعاطي كل أنواع المخدرات، لا مكان للمُثقف هنالك، لا يسعه إلا الشاطئ الهادئ الخاوي الذي يجمع من تفوق في دراسته ثم انتهى منها وعكف على الكُتب ليعرف ويتثقف.

ولذلك، فقدَ المُثقف قدرته على تغيير المُجتمع، لأن حياته نفسها دخلت في قطيعة مع المُجتمع نفسه، وهذا ما تراه واضحًا في “الأتباع”؛ فمن ترك مُجتمعه وأراد أن يكون مُثقفًا، فإنه يطرح عنه معارف مُجتمعه ويتجه للثقافة، ليكون تابعًا للمُثقفين وتابعًا لآرائهم، يعتنقها دون تفكير أو تحليل. وما دفعه لطرح معارف مُجتمعه هو أن المُثقف لا يعرف عنها شيئًا.

وعلى أي حال، فقد أصاب اليأس بلا شك المُثقفين، حيث سيطر على المُجتمع كله قيمة الشبابية في كل ما يولي المُثقف إليه أنظاره؛ ولذلك، قرر بعض هؤلاء أن يحفظ ما يحمل من معرفة، وألا يعرضها للتحيز أو الاختزال، وأكثر هؤلاء تجدهم قد أغلقوا على معارفهم وذواتهم أبواب بيوتهم، وهذا خير عظيم. إذ تأكد هؤلاء أن مجاراة مثل هذا المُجتمع هي عملية لا طائل من وراءها ولعل أهم هذه الأسباب التي رآها هؤلاء:

1- لم تعد الثقافة موجهة أو مشاركة في صناعة الرأي العام.

2- صار المُجتمع رافضًا لقيمة الثقافة، بل ساخرًا من حامليها، والمستعملين لكلماتها أو مفاهيمها.

3- أنشأ المثقفون مُجتمعات خاصة، والتي صارت مُغلقة عليهم.

4- ونتيجة لما سبق، ستكون مُخرجات العملية المعرفية عملية خاصة لا تتعدى مُجتمع المُثقفين أنفسهم للمُجتمع العام.

وفي غالب الأحوال يكون هذا النوع من المثقفين أتقن لعلمه ومعرفته من غيره من المثقفين، وأما المُثقفون الآخرون، فـــ…! لا أعرف ماذا أقول ولكنك ستجد المثقف المُنتقم الذي سعى بكل ما يملك أن يُثبت أنّ من رفضوه أغبياء، ومن هذه الفئة من يقف وراء صناعة الإعلانات إذ عزموا بما جمعوا من ثقافة على أن يجعلوا من المواطن العادي رجلًا أبلهًا وأسرته بلهاء.

من هم الآخرون؟

أقصد، لما كانت سمة المُثقف أن يشغله قضية غيره، كان الذين يُطلق عليهم لقب المُثقف اليوم ينشغلون بقضاياهم “هم” الأكثر خصوصية، ويفرضونها على غيرهم..!

أين هم؟ لم يعد المرء اليوم يستطيع التفرقة بين (الشيخ الإسلامي) وبين (نصف الفيلسوف) العربي، فهذا يقال عنه “مُثقف” وذلك يقال عنه “مُثقف”؛ ولذلك، لا أتعجب حين أرى ممن يُحسبون على شيوخ الإسلام، أو أنصاف الفلاسفة، تتخالط أقوالهم بين “الشأن” الفلسفي العدمي أو العقلي الصافي الذي لا يعتمد على مركز إلهي، وبين المرأة، والتربية والسياسة حين لا يكون كلامه ضارًا للدولة، والعلوم الاجتماعية الخ.

صار من يُطلق عليه “مُثقف” اليوم ينشغل ب”عقله” للحد الأقصى والمنفر، حتى إنه لا يسمح للمُخالف أن يستأثر بمعرفته، فتجد هذا ينفتح على ذاك، والعكس صحيح..!

لذلك صارت قضايا المُجتمع التي كانت لا تخص “الفرد” وينشغل بها ليكون “مُثقفًا”  بالأمس هي قضايا مُتخالطة اليوم، فعلى سبيل المثال: الشيخ الإسلامي ينفتح على المادي العقلي ويُناقش علومه، فهذا الذي درس علوم الشريعة يتحدث “بالنقل” و”الاتباع” و”التقليد” لغيره في مسألة العقل ونظريات المعرفة التي حيرت الغربي، لأنه لا يحمل داخله مركزًا للمعرفة…! وهذه القضية في الحقيقة تخص مُثقفًا يقف في الجهة المُقابلة تمامًا داخل العالم العربي، فيرفض مركزية الوحي والإلهيات، ويعتني بجانب العقل المُجرد ونظريات المعرفة!

وكلاهما “دون جوان” يعرف كيف يُلاعب الأنثى، ويهتم بعقلها، ولا يرى أي منهما أن الأنثى تستطيع التفكير بنفسها كذلك؛ وكلاهما يحبان الظهور بين الأتباع بُحجة أن هذا حسن، وهو من سِير الحُكماء والرُسل وداروين نفسه كان مشهورًا فلما لا.

فلم تعد قادرًا -إن كُنت مثلي- أن تُفرق بين مُحركهم ودافعهم، الراجع للشهوة أو الغريزة، وهذا سيئ للحد الأقصى، حيث إن الحُكماء والأنبياء فيما مضى اهتموا بشأن الناقل للمعرفة نفسه اهتمامهم بالمعرفة نفسها؛ ولكن اليوم، أقصى أكثر المُثقفين هذا الموضوع إلا فيما يتعلق بحكمهم هم على المُخالف، فإنهم حينها يمزقونه تمزيقًا بأخص ما يعرفه الفرد عن غيره وعن أهل بيته، وهذه ليست من الحكمة في شيء، بل هذه من السفالة التي يتحلى بها الخبيثون من البشر.

ولكن ما أقصده أنا، التفرقة بين الدوافع التي تدفع الفرد ابتداءً لنقل المعرفة، أو التي تعترض المرء؛ وأذكر من ذلك أن ابن سينا -وكذلك ابن خلدون، وقبل الاثنين سقراط وأفلاطون- شددوا أيما تشديد على أن الناقل للمعرفة -خاصة للصغار- عليه أن يكون مُكللًا بالفضيلة، ولا يعوزه في نقل المعرفة لغيره شيء من الشواغل السُفلى كالشهوة والغرائز المُختلفة في الإنسان؛ بل إن ابن الجوزي شدد على أن الرجل لا يهتم بمسألته التي تخصه دون أن يقضي من شهوته ما يدفعه للتفكير المشوش في مسألته، فبين أشد بيان في المرأة التي تقضي شهوة الرجل بشكل كامل ولا يلتفت لغيرها، وبين أحسن بيان كيف كانت رابعة العدوية وغيرها من حاملي المعرفة يقضون شهوة طعامهم – لا أقصد الشبع المذموم- لحدها الأقصى، حتى لا يدفعهم للعلم أو يثبطهم عنه اشتياقهم لما يكون في يد غيرهم، أقصد يا سيدي ألا يكون المثقف جائعًا لشيء كجوع بعضهم اليوم للنساء والراحة والمال، وإن أخفوا ذلك فلا شك أن يكون من بين مجهولي المروءة اليوم من المثقفين من هو جائع جوع المستذئبين على لحوم البشر!

أما نحن اليوم، فنعيش في مُجتمع غريب، فأكثر الذين تصدروا للثقافة هم من المُهمشين تمامًا من مُجتمعهم، ويعرف ذلك ويشهد عليه القريب منهم قبل البعيد! حتى إن مُجتمعاتهم تتعجب من النقلة الغريبة التي أصابت هؤلاء الذين كانوا بالأمس ممن يغلقون على أنفسهم باب غرفتهم مع حاسوبه وما الله أعلم بما فيه، أو من الذين كانوا في مُجتمع وظيفة أو مهنة ضيق. ولو أن أحدهم كان من أهل الشارع، فهو لم يتجاوز منطقته، ولو كان من المدمنين للمخدرات على سبيل المثال، وإلا فكيف يجدون الوقت الذي يُحصلون فيه المعرفة التي حصلّوها؟ ولا يخفى أنهم هم ينقلون عن أنفسهم أنهم لا يتركون العلم ولا يلتفتون لغيره، وأن أحدهم أغلق على نفسه سنوات كاملة لتحصيل المعارف، بل ويفخر أكثرهم أنه كان من المتفوقين في دراسته، وهذا يتطلب كما يعرف الجميع أن تنفصل حياته عن حياة الشارع والمُجتمع الخارجي. وهذا ما يدفعني -كما يدفع غيري- للشك في دوافع أمثال هؤلاء: حيث تبقى أسئلة “ثقافية” بلا إجابة، ومن أهمها:

ماذا يضر الفرد أن يكون مشهورًا بسبب القراءة والعكوف على تحصيل المعرفة، بعد أن كان مُهمشًا ومحتقرًا بسببها سنين طويلة من عمره؟ ما الذي يمنع من لم يكن له ذكر بين الناس أن يصير مشتهرًا بينهم حتى يكون اسمه الشيخ “اللي بيألش” بين من يقول عنهن سافرات ومومسات..؟!

ما الذي يمنع أن يكون أكثر مُثقفي اليوم هم الذي “أدرك” قدر ما أصابه من المُجتمع من تشويه، فقرر أن ينتقم؟

ما الذي يمنع أن يكون أكثر “مُثقفي” اليوم انعكاسا لشخصية الجوكر؟ ألم تر كم التفاعل الذي شاع بين المُثقفين – حتى طال يوسف زيدان – دون غيرهم في مُناقشة مدى انتمائهم لشخصية الجوكر، من عدم التصديق والصدمة التي أصابت الآخرين أن تكون هذه صورتهم فأنكروا ذلك؟ ألم تكن صورة الجوكر هي صورة الشخص الذي همشه المُجتمع وتعدى على مفاهيم الفضيلة عنده والدنس، كما تعدى على مفاهيم الخير والشر فرفض التلاعب وراح ينتقم من المُجتمع؟ أليس الجوكر هو قلم أحد كبار مثقفي وأدباء الغرب؟ أليس الجوكر قد صُنع بجوهر ثقافة عصرنا الحالي؟ أليس الجوكر هو المثقف في الحقيقة؟ المثقف الذي أعجز منطقه الرجل الوطواط، رجل العدالة القوية والقدرة البشرية الخارقة؟

في نظري الخاص الإجابة هي : “لا شيء”. ولكن، إن تمرد الجوكر واستطاع تدمير الرموز المركزية داخل مدينته الفانتازية، فماذا فعل أكثر المُثقفين في المدينة الواقعية؟! لا شيء، لم يفعلوا شيئًا، ولكنهم قرروا الانتقام فحسب، وقد عبثت بهم رؤوسهم فأهلكتهم، لأنهم مثقفون مزيفون، فالمثقف الأصيل لا تعبث رأسه به ولا نفسه، بل هو يتلاعب بهما ويقهرهما، إن كنت لا تعلم تلك الجدلية فاذهب واقرأ صيد الخاطر، وإن كنت قرأته فاقرأه مرة أخرى.

دعني أُحدثك من أين أتيت وماذا رأيت

على أي حال يا صديقي، أنا لا أُحدثك من داخل مُجتمع المثقفين، فأنا بعيد كل البُعد عن هذا المُجتمع، فأنا قد أنهيت دراستي الثانوية بمجموع 50% دون زيادة أو نقصان، ولم أستمر في التعليم الجامعي؛ ولكني أُحدثك من الوسط تمامًا في حياة الشاب المتهور للدرجة القصوى، ولو كنت أنت من هؤلاء – الشباب-  فأنا كنت في عنفوانك أقصى خيالاتك جموحًا، ولكن قُدر لي -وأنا شاب عاش حياته للحد الأقصى- الدخول بين المُثقفين من جميع الأطياف، ورأيت جميع الطبقات الثقافية في المُجتمع كما فعل غيري، وسمعت الجميع بطبيعة الحال، إذ كُنت مُجرد تابع بين هؤلاء من جميع أطيافهم. ودعني أخبرك أمرًا؛ فلم أر منهم أحدًا يحمل الصفات التي يحملها المُثقف، ولا تتقاطع حياته مع حياة غيره إلا وقد مات، وهم كثير؛ ولا أريد ذكر أحدهم، فهم معروفون للجميع، ولا أريد إغفال أحدهم من القديم أو الحديث، أو من لم أره بأم عيني وأسمعه بأذني، ولم يبقى لنا إلا الذين يهتمون بقضيتهم هم فحسب، إذ رأيت – وهم كثيــــر – من يهتم ببزته الضيقة، أو عطره الفاخر، أو فكره المُثمر، أو قضيته اللغوية الفذة، وعلى رأس ما سبق ظهوره، وكثرة أتباعه، والمال الذي يتحصل عليه مقابل كل ما سبق.

أنا لا أتحدث عن “الجميع” ولكني أتحدث عمن رأيت، وأنا قد رأيت الكثير.! سمعت من وعن الذي يقول : أنا لا أهتم بمن يتبعني على صفحتي الخاصة. ومن سبقهم قال: أنا لا أهتم بمن يقرأ لي.

ولكن انظر بالله عليك يا رجل، كم يملك أكثر المثقفين من أتباع؟ وهم لا يهتمون! وكم يكتبون للذي لا يهتمون بهم..؟!  انظر كم صورة لهم يعرضونها على الذين لا يكترثون بوجوده، نصف أتباعهم في حقيقة الأمر أكثرهم من أصحاب الفضول، ونصفهم من ذات المُجتمع الذي ينتمي له المُثقف نفسه، وذلك ليُثبت المُتابع لنفسه صحة أو خطأ مُعتقد ما، كما كنت أنا يومًا ما.

أيها الشباب الناشئ

أيها الشباب الناشئ، إسمع مني، لا تهتم بنا، لا تكترث بوجودنا، ابحث عن الحق بنفسك، سل الله الهداية، المثقفون اليوم يموتون، وندرة يصعب عليك الوصول لهم أو فهم ما يريدون، ينبغي للشباب الناشئ أن يعي جيدًا أنه يستطيع تحصيل المعرفة دون اتباّع، لأن الحق صار خفيًا بشدة، ولا يستطيع أحد ان يدل غيره أن الحق مع هؤلاء دون غيرهم؛ يستطيع الجميع التفكير بأنفسهم ولأنفسهم دون التشتت بين أقوال هؤلاء ورؤى هؤلاء.

وعلى أي حال، فالتسارع الزمني الذي يتلقى فيه الفرد المعلومات في هذا العصر لا يترك مُتسعًا أن ينقضه المُثقف، ويتمهل ويتلكًأ في شرحها والتنظير لها، لأنّ ما تقرأه الآن سيصبح مثل الغبار في حركته ومشهده الآن، وأنت تقرأه وليس بعد قليل، فالمُثقفون ينقلون إليك المعلومة التي تنتهي قبل أن تستقر في ذهنك كما سيحدث لهذا المقال.

فلربما تساوى المثقف والعادي، مغني المهرجان وصاحب رسالة الدكتوراه، انظر لصاحبك المنسي إن جمع المال اليوم، هل سيهتم أحد بالسؤال من أين جمعه؟ هل جمعه من اليوتيوب أم المهرجانات أم إدارة الأعمال والشركات؟ لا قيمة لأحد يا صديقي الشاب المتحمس.

ولكن تمهل، عليك بمن علمك علوم الكتاب كما هي، اللغة العربية، أصولك التي لا غبار عليها، أخرج هؤلاء من المعادلة السابقة.

ولأن هذا ليس مقالًا علميًا، وإنما مقال رأي، يقول فيه الكاتب رأيًا يخصه أو يخص غيره، ولا يلزم منه تعليق معين أو مساحة مُحددة يتحدث فيها الكاتب، أو نقطة مُعينة يقف عندها، فهنا أستطيع أن أطلب إليك – في النهاية – السماع لأحد آباء العلوم النفسية في العصر الحديث، وأحد أهم رواد علم النفس التحليلي، والفيلسوف الغربي الذي لم يترك ديانة أو فكرًا إلا وفتح مصادرها حتى اكتفى وهو يقول:

“الويل لأولئك الذين يعيشون عبر الأمثلة… أنت تبحث عن الطريق عبر المظاهر فقط، تدرس في الكتب، وتعطي أذنك لكل أنواع الآراء… ما الهدف من كل ذلك؟ هناك طريق واحد، هو طريقك…!”

ليس على المرء أن يحول الناس إلى خراف، بل الخراف إلى بشر. تحدث واكتب إلى أولئك الذين يريدون القراءة والاصغاء. لكن لا تركض خلف الناس، كي لا تلوث كرامتها، هذا نادرًا ما يُجدي. من الوقاحة القول إن الإنسان مريض، ومن يريد أن يكون راعي الأرواح، ويعامل الناس كخراف، فهو ينتهك كرامة الإنسان. ومن الوقاحة القول إن الناس خراف، من أعطاك الحق بالقول إن الإنسان مريض وخروف ؟ أعط الإنسان كرامته حتى يجد سموه أو انحداره بطريقته. يا أصدقائي الأعزاء، هذا كل ما يُمكنني قوله حول أسس رسالتي وأهدافها. أشعر بأني مُثقل بها كحمار صبور، يُسعده الآن أن يرفع هذا الحمل عنه”.

كارل يونغ – الكتاب الأحمر

في الخاتمة أشكرك شكرًا كثيرًا إن كنت وصلت إلى هذه الكلمات أيها القارئ الكريم.


* لقاء صحفي أجرته معه مجلة “الشبكة” اللبنانية في بيروت مطلع السبعينات

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى