الفلسفة

لماذا أساتذة الأخلاق ليسوا الأفضل أخلاقيًا؟

  • مايكل جي سيغريست
  • ترجمة: سارة رزيق
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: ماريا الخميس

أثار «إريك شفيتزجبيل» -وهو فيلسوف بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، ومدون شهير- بعض الجدل من خلال دراسة بعنوان: «هل أساتذة الأخلاق أفضل أخلاقيًا من الآخرين؟» كما قد تتخيل، هذه ليست بالمهمة السهلة؛ إذ كيف تقيس مدى أخلاقية شخص ما؟ يلجأ شفيتزجبيل إلى المؤشرات الشائعة وسهلة القياس، مثل عدد المرات التي يتصل فيها شخص ما بوالدته، وما إذا كان يعيد الكتب التي استعارها من المكتبة في الوقت المحدد، وما إلى ذلك. وحتى الآن، لم يجد أي دليل على أن أساتذة الأخلاق (الأشخاص الذين يدرسون ويعلمون ويكتبون عن أخلاقيات العيش) أفضل من الشخص العادي. وأكد باحثون آخرون هذه النتيجة.

لقد أزعجني هذا الموضوع مذ تعرفت لأول مرة على بحث «شفيتزجبل» في عام 2010. النتائج لم تفاجئني: لقد شعرت دائمًا بأننا نحن الفلاسفة -إذا اختلفنا عن الآخرين أصلًا- ربما نكون أسوأ قليلًا، مثيرين للشفقة، أكثر غطرسة، وربما أقل تسامحًا من معظم البشر. لكنني منزعج بسبب ذلك. في الواقع، الأطباء -وهم خبراء في صحة الإنسان- هم في المتوسط ​​أكثر صحة من بقيتنا، ويساعدهم تعليمهم وممارستهم على اتخاذ قرارات أفضل تتعلق بالصحة وتجنب السلوكيات الخطرة والمضرة. لماذا لا ينطبق الأمر نفسه على أساتذة الأخلاق فيما يتعلق بخبرتهم؟

لدى الفلاسفة الذين تحدثت معهم و ناقشتهم عن أبحاث شفيتزجبيل عادة ردان، يعبر كل منهما عن الشك في إمكانية قياس الأخلاق. ينكر بعضهم فكرة أن الأخلاق هي من الأشياء التي يمكن قياسها (ما هو المقابل الأخلاقي لضغط الدم أومؤشر كتلة الجسم؟)، ويتسامح بعضهم الآخر مع فكرة قياس الأخلاق، لكنهم لا يعرفون ما الذي يجب قياسه ولا يوجد إجماع على ما يجب أن يكون المعيار (العواقب؟ النوايا؟ الشخصية؟). وعلى عكس الأطباء -الذين يتفقون في الغالب على شكل الشخص السليم- فلا يوجد اتفاق بين الفلاسفة حول شكل الشخص الصالح أخلاقيًا.

مع ذلك، لا أصدق أي إجابة. لكن كما قلت، فإن نتائج «شفيتزجبل» تبدو صحيحة بالنسبة لي، إلا أن محاولة قياس الأخلاق عن طريق المكالمات التي أجريتها مع والدتي كانت مهمة صعبة -وملهمة في أفضل الأحوال- لكنني مقتنع أنها تشير إلى حقيقة منطقية: لا يبدو أن علماء الأخلاق المحترفين يصبحون أفضل بفعل أبحاثهم. لكن الحقيقة هي أن هذا الادعاء -وليس كيفية إثباته- هو الذي يزعجني، وقد استغرق الأمر مني وقتًا طويلاً للعثورعلى إجابة. في الآونة الأخيرة، أثناء التحضير لفصل آخر لتدريس الأخلاقيات، عثرت على تفسير هام! هناك نوع من التفكير ننتهجه عندما نحاول إثبات شيء ما، وهناك نوع آخر من التفكير ننتهجه عند محاولتنا القيام بشيء ما أو أن نصبح نوعًا معينًا من الأشخاص، مثل أن نحاول مسامحة شخص ما، أو نكون أكثر تفهمًا، أو أن نصبح أكثر ثقة في أنفسنا. يعتمد التحول إلى شخص أفضل على التفكير من النوع الأخير، في حين أن معظم العمل في الأخلاقيات المهنية -حتى في الأخلاقيات العملية- يقتصر على النوع الأول.

هذا يحتاج إلى بعض التفسير. إذا قمت بمراجعة فهرس كتاب مدرسي للأخلاقيات النموذجية، فستجد عناوين الأقسام حول مواضيع مثل الإجهاض والتعذيب والإحسان وتناول اللحوم[1] والدعارة وتجارة الأعضاء وتغير المناخ والفقر والسيطرة على السلاح والإنجاب والحقوق الإنجابية، وهكذا دواليك. تملأ هذه المواضيع صفحات الكتب الأخلاقية لأنها أيضًا -إلى حد كبير- من الموضوعات التي يعمل عليها علماء الأخلاق المحترفون ويكتبون عنها باستمرار. وعندما لا يكتب علماء الأخلاق المحترفون هذه الموضوعات مباشرة، فإنهم يحاولون معرفة أسس الجدل حولها في المقام الأول. (هذا حقل يسمى “الأخلاق الفوقية”، ويحاول الإجابة على أسئلة مثل: أي نوع من الأدلة يدعم الادعاء الأخلاقي؟ ما هي الادعاءات الأخلاقية على أي حال؟ هل القيم المعبر عنها بالادعاءات الأخلاقية موضوعية أم ذاتية أم شيء آخر؟).[2]

 

ومع ذلك، فإن كونك على حق بشأن مواضيع مثل الإجهاض والدعارة وتغير المناخ وما إلى ذلك؛ لا يجعلك أخلاقيًا (فقط لمجرد أن جميع آرائك صحيحة) ولا يضمن أن تتصرف وفقًا لها بشكل مثالي. قد يبدو الأمر -في الظاهر- كادعاء غريب؛ إذ بالتأكيد من الجيد أن تكون على صواب فيما يتعلق بالإجهاض، واستهلاك اللحوم، وتغير المناخ، والإنجاب. قد يكون ذلك صحيحًا، لكنه لا ينفع غالبًا عند التطبيق. لسبب بسيط؛ وهو أن القضايا الأخلاقية الصعبة والتي تُناقش في الكتب المدرسية تتعلق عادةً بحالات فردية أو نادرة أو استثنائية. قلة قليلة منا ستفكر بجدية في بيع عضو، وفي الحياة الطبيعية لن يواجه أي منا خيار إما قتل أو تعذيب شخص ما. حتى القرارات المتعلقة بالإنجاب والإجهاض تُتخذ على الأقل بضع مرات في الحياة، إن وجدت. هذا يعني أن علماء الأخلاق المحترفين والعاملين على هذه القضايا، يقضون معظم وقتهم بالتفكير في القرارات التي نادرًا ما يتعين عليهم -أو لا يتعين عليهم أبدًا- اتخاذها.

قضايا مثل تغير المناخ، والنباتية، والفقر تختلف بالطبع؛ فهناك قرارات نتخذها كل يوم ولها تأثير على هذه الظواهر. لكن لاحظ أن هذه القضايا هي في الأساس قضايا [عامة] وليست [شخصية]. وأعني هذا بطريقتين: أولاً، إنها عامة بمعنى أن القرارات الفردية بحد ذاتها ليست ذات أهمية بقدر أنماطها الجماعية، والتي تزداد أهميتها بمرور الوقت. (على الأقل هذا صحيح في قضية تغير المناخ والسيطرة على الأسلحة والفقر). أما فيما يتعلق بتناول اللحوم فالأمر يختلف -وهذا ينقلنا للمعنى الثاني- لأنه يتعلق بالأخلاق الجماعية والشخصية على حد سواء، وإن كان لا يزال قضية أخلاقية غير شخصية إلى حد كبير؛ بمعنى أن الأسباب الأخلاقية للامتناع عن تناول اللحوم لا تنشأ من الالتزامات الخاصة بحياة شخص معين، ولكن من المبادئ التي تهدف إلى أن تكون مناسبة لأي شخص.

سيرد العديد من الفلاسفة على أن هذا هو بالضبط ما تعنيه الأخلاق: المبادئ العالمية التي تنطبق على كل شخص بهذا النحو. لكن هذه هي النقطة الأساسية لما توصلت إليه: هذا الافتراض خاطئ، وعدم ارتباط الكثير من الفلسفة الأخلاقية المعاصرة بالحياة الشخصية هو نتيجة مباشرة لهذا الافتراض الخاطئ. إن التفكير الأخلاقي الذي يهدف إلى أن يكون علنيًا وغير شخصي، والتفكير الأخلاقي الذي ينشأ من جوهر وخصوصية الحياة الحقيقية للفرد؛ أمران مختلفان تمامًا.

لمعرفة الفرق، قارن بين المقاربة الشخصية وغير الشخصية لقرار الإنجاب. الإنجاب والإجهاض هما أحد أهم المواضيع الأخلاقية في الوقت الحالي -تنشر أهم المجلات شيئًا عنها في كل عدد تقريبًا- ومعظم هذا البحث يدرس أسئلة مثل ما إذا كان من المسموح أخلاقيًا أن تخلق إنسان آخر، وما إذا كان من الضرر أن يولد، وما إذا كان للطفل الحق في أن يكون محبوبًا، أو إذا كان يجوز إنجاب طفل عند ارتفاع احتمال ولادته بإعاقة. هذه أسئلة مثيرة للاهتمام وربما مهمة، لكن جميعها غير شخصية؛ فهي لا تتطلب أي معايشة حقيقية للظروف المحددة للحياة الفردية الخاصة، وبالتالي لا تتطلب من المرء أن يفكر [من موقف شخصي] في الواقع.

الآن فكر في الطريقة التي يفكر بها الشخص الذي يواجه مشكلة في تقرير إنجاب الطفل من عدمه: أنا وزوجتي أنجبنا طفلنا الأول منذ ما يقرب من خمس سنوات ولدينا الآن ثلاثة أطفال. هذا لم يحدث من فوره بلا سابق تفكير، فقد كان علينا أن نفكر -وما زلنا نفكر- حول سبب رغبتنا في تكوين أسرة؛ هل أردنا عائلة فقط لأن العديد من أصدقائنا لديهم أطفال في نفس الوقت تقريبًا؟ أم كان ذلك لأن والدينا كانا يأملان في رؤية أحفادهما؟ أم لأننا شعرنا ببساطة أنه الوقت المناسب للانتقال إلى المرحلة التالية من الحياة؟ هل كان سيهم حقا لو كان الأمر له علاقة بهذه الأسباب؟ أم أنه وجب أن يكون لأننا اعتقدنا أنه كان قرارًا جيدًا بالنسبة لنا؟ للطفل؟ أو للعالم؟ أو أمرًا جوهريًّا لتكوين «أسرة»؟

عندما تنبثق هذه الأسئلة من [الظروف الشخصية] لحياتك الخاصة الواقعية، وتتصارع معها من خلال تلك الظروف؛ لا يمكن لنتائج هذا التفكير سوى تغيير مواقفك وسلوكياتك. ذلك لأن التفكير بهذا المستوى يتطلب التفكير بمشاعرك ورغباتك ودوافعك وقيمك وما إلى ذلك. إن الإنجاب يعيد تشكيل الحياة بشكل جذري، وبالتالي فإن اختيار إنجاب طفل بشكل طبيعي يتطلب تفكيرًا شخصيًا عميقًا حول ما يهم في الحياة، وتعتمد الإجابات على هذه الأسئلة على تاريخك وظروفك وقيمك الخاصة.

عندما قررت أنا وزوجتي الإنجاب، كان علينا أن نفكر كثيرًا في كيفية تربية أطفالنا، ونوع القيم التي يجب أن نغرسها فيهم، والأولويات التي يجب أن نضعها لأنفسنا. نشأ كلانا في أسر دينية -هل يجب أن نربي أطفالنا بنفس الطريقة؟- وكان علينا أن نفكر في أسئلة مثل: كم مرة يجب أن نحاول رؤية الأجداد الذين يعيشون خارج المدينة؟ هل يجب أن ننتقل من مدينتنا لأجل المدرسة؟ هل تستحق الإجازات العائلية إنفاق الكثير من المال عليها، أم يجب علينا توفير هذا المال لتعليمهم؟

كان علينا أن نفكر كثيرًا في أنفسنا أيضًا. من أصعب الأمور التي يجب أن تتعامل معها كوالد هي التعب والإحباط -والتي عادة ما تخرج الأسوأ في نفسك- وأحد أهم الصراعات الأخلاقية لكونك أحد الوالدين هو تعلم الإبحار حتى وأنت متعب ومحبط، وعدم السماح لذلك بالتشويش على علاقاتك مع زوجك وأطفالك أو مع نفسك. كان علينا أن نتعلم رؤية طرق جديدة لتقييم وإدارة وقت فراغنا، منزلنا، أصدقائنا، وبعضنا البعض.

هذه كلها أسئلة أخلاقية عميقة. لا يتعلق الأمر فقط بتحديد ما تريده، ولكن بما هو جيد وذا معنى في الحياة. ومع ذلك، فلأن أسئلة كهذه لا يمكن أن تكون لها إجابات [عالمية]؛ يستنتج بعض الفلاسفة أنها خارج نطاق أعمال الفلسفة الأكاديمية. ولكن مرة أخرى، هذا خطأ. كثير من الفلسفات الجيدة لم تصبح كذلك بسبب ما أثبتته، إنما بسبب الكيفية التي صممت بها طرق التفكير من خلال مدارستها أعمق المشاكل في الحياة. اعتنق العالم القديم هذا النوع من الفلسفة، وشخصيًّا وجدت الكثير من الحكمة في أعمال فلاسفة مثل: مارثا نوسبو، برنارد ويليامز، إيريس مردوخ، أنتوني آبيا، ومارتن هايدجر. أولئك كتبوا بأسلوبٍ شخصيّ، لكنهم حافظوا على عقود طويلة من الثراء في مجال البحث اكاديمي.

في مقالة حديثة، يعترف «شفيتزجبل» بالفزع من الجهود الأخلاقية لزملائه. يتهمهم -وهو من ضمنهم- بالمساهمة في الإبقاء على الدناءة الأخلاقية. لكن فكرته عن التدني الأخلاقي هي ببساطة: السماح للمصالح الشخصية والملذات بتقليل امتثال الفرد للمبادئ الأخلاقية غير الشخصية. يعتقد أنه إذا كنت لا تعطي اهتمامًا كبيرًا للأعمال الخيرية وتناول الطعام النباتي، فأنت تختار أن تكون متدنيًا أخلاقياً. لكن هذا النوع من الاتهام ممكن فقط إذا اعتبرنا فكرته الهشة للغاية عن معنى أن تكون صالحًا وأخلاقيًا. في الحقيقة، من الممكن تمامًا أن تكون نباتيًا صارمًا، وأن تتبرع بحرية للأعمال الخيرية، ولديك كل الآراء السليمة أخلاقيا حول الإجهاض، والتحكم في الأسلحة، والتبرع بالأعضاء، وأن تكون مع ذلك شخصًا دنيئًا فاسدًا أخلاقيًا. أستنتج من هذا أن كونك على حق في مسائل الأخلاق غير الشخصية لا علاقة له بكونك شخصًا جيدًا.

لا أعتقد أن علماء الأخلاق اليوم متدنون أخلاقياً. وبدلاً من ذلك، قد يعكسون ثقافة أخلاقية لم تهتم في الغالب بما هو جيد وأخلاقي فعلًا. أن تكون نباتيًا أو تتبرع بكليتك فهذا يقع في فضاء بعيد عن كونك شخصًا صالحًا. كونك صالحًا أخلاقيًا يتعلق في الأساس بأشياء مثل إظهار التعاطف مع زميل صعب المراس، والقدرة على محبة الزوج حتى عندما يخذلك، ومعرفة كيفية الاهتمام بشكل أقل بما هو أقل أهمية، والقدرة على التحكم في الغضب المدمر، وتعلم الغفران، وما إلى ذلك. يتعلق الأمر بالحكمة الشخصية، وهو أمر يقول «شفيتزجبيل» أننا تجاوزناه، ولكن أعتقد أنه من المرجح أن يكون مما قد نسيناه تمامًا.


  • مايكل ج. سيغريست درس الفلسفة في جامعة جورج واشنطن لأكثر من عقد من الزمان. وهو متخصص في الظواهر ونظرية القيمة والهوية الشخصية. ويُدرّس الآن في كلية Bard High School Early في واشنطن العاصمة.

[1] – في كثير من المجتمعات، نشأ جدل ونقاش حول أخلاقيات أكل الحيوانات. الاعتراض الأخلاقي الأساسي على أكل اللحوم هو أن أكل اللحوم -بالنسبة لمعظم الناس الذين يعيشون في العالم المتقدم- ليس ضروريا للبقاء على قيد الحياة أو الصحة؛ وبالتالي، فقتل الحيوانات فقط لأن الناس يحبون طعم اللحم هو شيء خاطئ و لا يمكن تبريره أخلاقيًا.

[2] – الأخلاقيات الفوقية هي فرع من الأخلاقيات والتي تسعى لفهم طبيعة الخواص والعبارات والسلوكيات والاعتبارات الأخلاقية. الأخلاق الفوقية هي أحد الفروع الثلاثة للأخلاقيات التي يدرسها الفلاسفة عمومًا، حيث أن الآخرين هما الأخلاق المعيارية والأخلاق التطبيقية. في حين تطرح الأخلاق المعيارية أسئلة مثل: “ماذا يجب أن أفعل؟” وبالتالي تدعو إلى بعض التقييمات الأخلاقية وترفض تقييمات أخرى، تطرح الأخلاق الفوقية أسئلة مثل: “ما هو الخير؟” و”كيف يمكنني التمييز بين ما هو جيد وما هو سيء؟” حيث تسعى إلى فهم طبيعة الخواص والتقييمات الأخلاقية.

أعجبني المقال

المصدر
apaonline blog

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى