عام

هل نحن مَن يصمّم منازلنا أم هي التي تصمّمنا؟

  • حسين نور
  • تحرير: محمود سيّد

إننا نسكن وسط طرق متقاطعة شكّلت مربعًا تمّ تقسيمه لعدة مربعات إسمنتية مقسّمة بدورها إلى مربعات أصغر تسمى غرفًا، فلا نُبصِر إلا هذا العالم دون اتصال مع العالم الخارجي!

فالمدن صُمّمت للاقتصاد وسلاسة ومرونة الإنتاج والاستيراد والتصدير، فغالبا كانت كل حضارة تحتفظ بوسط المدينة بأكثر ما يعبر عنها وأكثر ما تقدّسه، ففي الحضارة الإسلامية تنتصب المساجد، وفي الحضارة الفرعونية المعابد والنُّصُب التذكارية، وفي روما مجلس الشيوخ والكولوسيوم، وفي حضارتنا المحال التجارية والأبراج ؛ وذلك أمر طبيعي في عالَم محوره الاقتصاد..

فمدننا لم تُصَمَّم لتلبية رغبات الإنسان ولها تأثيرات نفسية متعددة، فالابتعاد عن الطبيعة وجمالها والعيش في مدن تهتم بالمرونة والسلاسة يجعل الإنسان ضعيفًا في تذوّقه للجمال الذي يرفع من وعي الإنسان وفرصه في الحياة..

فكما أنّ للون الأخضر تأثيرات نفسية جعلت الأطباء يختارونه كلون يُضفي الراحة على المريض؛ فإنّ تذوّق الجمال السمعي والبصري يُعلي من قدرات الإنسان الفكرية، وهذا ينعكس على اختياراته في الحياة..

ولنترك التخطيط الحضري جانبًا ونفكر بأنّ التغيير يحدث من الداخل، من منازلنا نحن، هل تعكس منازلنا شخصيات أصحابها ليكون كل منزل قائم معبّرًا عن حال صاحبه قبحًا وجمالًا؟

أم أنّ منازلنا تُبنى تحت وقع التكلفة الاقتصادية الأقل؟

أم نرغب أن يقال أنّ منزلنا يُواكب العصر، وذلك بالاختيار بين نمط كلاسيكي أو مودرن أو نيو كلاسيك، وبالتالي تكون منازلنا مجرد عرض لموديلات مثل تلك التي نراها على رفّ عطور من ماركات مختلفة؟

أم أنّ البيئة والوضع الاجتماعي يُشكّلان منازلنا؟

التأثير النفسي والاجتماعي

على المستوى الفردي، فإنّ المنازل الخرسانية لها تأثير كبير على الصحة النفسية؛ فإنّ غياب التواصل مع الطبيعة يجعل الفرد يعيش أسير عقله طوال الوقت، فعقله يملأ غياب الأحداث الطبيعية بالخيالات وتحليل أقل حركة وأقل فعل من الآخرين!

وأيضا قلة المساحات المشتركة سواء داخل المنزل أو خارجه تنعكس على قلة التواصل الاجتماعي بين العائلة كأفراد أو كجيران.

ومن السهل أن نعرف الطبقة الاجتماعية من خلال مظهر وشكل هذه الخرسانات وتوزيعها على مستوى المدينة، فمنازل العمال تُقام بغرض توفير سكن لأكثر عدد ممكن من البشر وبأقل تكلفة، فنحن في عالم رأسمالي في النهاية؛ وعليه فإنّ منازل الطبقة الوسطى تُظهر درجةً معينةً من الجمال تُماشي دخل العائلة ويكون الشكل الخرساني لها عبارة عن ٤ أدوار أو أكثر وجماله مرتبط بدخل سكانها، فالطبقة الوسطى طبقة إدارية ومركزها بين أصحاب رأس المال وبين الطبقة العاملة يجعلها تستلهم اختيارات الطبقة العليا كمؤشر جمالي، وعليه يتشكّل المنزل وتنبذ كل ما يمكن أن يمُتّ بصِلة للطبقة العاملة.

فمن منزله يتعلم الفرد موقعه في المجتمع وفرصه ومقدار الصعوبات التي عليه تجاوزها!

فكما أنّ هدوء المكتبة يحثّ كل فرد على الصمت؛ فإنّ تفاصيل البناء توفّر شروطًا وبيئةً تحصر الفرد في خبرات معينة وأفكار معينة، فمثلًا توفّر المساحات المفتوحة المشتركة التي تجمع الناس بالتواصل بينهم وتبادل خبراتهم سواء على مستوى الحي بالنسبة للمجتمع أو المستوى الفردي في المنزل حيث يشيع جو من الرغبة في التواصل، عكس ما يحدث مع المربعات الخرسانية حيث يسود الحذر ويتمّ التنويه على (الخصوصية) بشكل مُبالَغ فيه سواء على المستوى الاجتماعي أو الفردي، وحتى الطفل يُحتجز في منزله ويتمّ تصوير كل ما هو خارج هذا المنزل بأنه خطر.

فيما المساحات المفتوحة تمنح الطفل فرصة مقابلة مئات الشخصيات من نفس فئته العمرية، ويبدأ بممارسة الحياة الاجتماعية مبكّرًا والتي ستؤثر إيجابًا أو سلبًا بحسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، والأهمّ أنها ستوفّر له تمرينًا اجتماعيًّا بتجربة الحياة الاجتماعية منذ سنّ صغيرة، فأكثر ما يُعاب على المدن أنّ الفرد يبدأ بالاحتكاك في المجتمع في سنّ متأخرة “20 فأعلى”، فيخسر اكتساب الكثير من مهارات التواصل، وما رواج كتب التنمية البشرية ومدرّبيها إلا أثر واضح لهذه المشكلة…

المساحات المشتركة

المساحات المشتركة الواسعة تمنح الإنسان فرصة التواصل مع عدد أكبر، والعكس في تخطيط الأحياء المربعة المُحاصرَة بالطرق، فستخلق بيئةً حذرةً وقليلة التواصل، وستقلّ تجارب أفرادها، وسيسود فيها الحذر وثقافة العيب والانغلاق على الآخر، ومثل هذه البيئة سامة لكل أفرادها وتستهلك طاقاتهم.

فالعُمران بيئتنا البشرية، وكما أنّ سكان الغابات وسكان الصحراء تؤثر البيئة في شخصياتهم وما يحبون وما يكرهون، فهذا لا يحب المطر وذاك يفرح به، فإنّ مدننا تشكِّل -وبشكل صامت- عاداتنا واختياراتنا وآراءنا وما نحب وما نكره، فسكان القرية سيرون في الغريب شرًّا يجب الحذر منه طالما أنّ بيوت القرية مُنغلقة على سكانها فقط ولا تقبل بالغريب، وبالتالي ستكون أفكار أفرادها عن الحياة مُنغلقة وأنّ الخير في صفها والشر فيما عداها.

مثل ذلك يحدث لنا فنحن نمجد الانتاجية ونشعر بنفاد الوقت، حتى أيام الفرح مُبرمجة وأمزجتنا تختلف بين أيام طوال الأسبوع ونهاية الأسبوع..

إننا نِتاج الطرق السريعة والسلسة نبحث عن الإنتاجية والاستهلاك، وهذا ما يجعلنا نختار الأنماط الجاهزة للمعمار.

المساحات المهدرة

فكما أنّ تاثير ذلك يمسّ كل أفراد المجتمع؛ فإنّ منازلنا الإسمنتية عليها أن توفّر مساحةً يلتقي فيها أفراد المنزل، أن تقلّ الجدران ويكون الأثاث للاستخدام اليومي وتخدم كل أفراد العائلة وضيوفهم بدلًا من تخصيص مجالس لا يتمّ الاستفادة منها إلا في أوقات محدودة، من واقع تجربة مع العملاء نرى أنّ العُرف السائد يكون بتخصيص 40% من مساحة المنزل للضيوف -سواء غرفة إن كانت شقةً أو الدور الأول إن كانت فيلا-، وبهذا لن يتمّ الاستفادة من هذه المساحة إلا بشكل محدود!

لِمَ لا نحتوي الضيف في بيتنا بدلًا من أن نُريه بيتنا؟

في الحالة الأولى سيكون البيت متناسقًا مع صاحبه ويُظهر شخصيته الخاصة، وفي الحالة الثانية سيكون البيت على طراز موديل عالمي وعلينا أن نشرح لكل ضيف تفاصيل هذا الموديل لينبهر!

التأثير النفسي للتصميم الداخلي

منذ القِدَم عرف الإنسان كيف يستخدم الأشكال والرموز، إما لإثارة البهجة أو الخوف أو الرهبة أو غيرها.

فالزخارف -مثلًا- كانت تُستعمل في جدران المعابد أو المباني المهمة إداريًّا لتُضفي عليها جمالًا وهيبةً يشعر بها الزائر، فالزخارف تُضفي عظمةً ووقارًا على المكان، وتجعل الفرد في حالة استجابة متوترة تمامًا تجعله يشعر بأهمية المكان كما تحصل حين نصمت في المكتبة!

والزخارف الإسلامية يتمّ توظيفها لإضفاء نوع من الهدوء والسكينة يشعر بها كل من يدخل المسجد، فالرموز الجمالية تُساهم في خلق (طرق استجابة الفرد) للواقع، كالرهبة أو الخشوع أو الهدوء.

ولكل رمزٍ مكانُه الخاص ليخلق التأثير المطلوب منه..

فتخيَّلْ معي منزلًا بزخارف متنوعة في تصميمه، كيف سينعكس ذلك على سكان البيت وتواصلهم؟

ما الروح التي ستظهر في علاقاتهم؟

الحذر والحدود والتنظيم أم الروح المرحة والتشاركية والمنفتحة؟

إنّ استخدام الرموز الجمالية بشكل مُفرِط يخلق جوًّا من الهيبة للمكان ومُطالبةً بالانتباه إلى أدقّ التفاصيل لاستشعار ذوق صاحبه، وهذه الروح ستسري على كل من يدخل هذا المكان، وهي روح فيها الكثير من التكلّف..

على العكس من ذلك، إن كانت هناك لمسة طبيعية في المكان أو جمال مبسّط تلقائي يكمُن في التناغم بين كل أجزاء المنزل، ومثل هذا الجمال يستشعره كل مَن يدخل هذا المكان..

فالمدن لا تخدم التواصل البشري بل تخدم طرق الشحن والنقل، ومن الغريب أنّ أكثر دوائرنا الاجتماعية من خارج العائلة تكون عبارةً عن علاقات دراسية أو عملية، فنُضيع فرصة التعرّف على شخصيات كثيرة تعيش حولنا، في السابق كان مُحيط الفرد يحوز 70 % من علاقاته ولم يعد الأمر كذلك أبدًا…

وبعد أن أهدرت المطاعم وقت العائلة تناقصت الفُرَص في لقاء بعضهم بعضًا، وجاءت تطبيقات التواصل الاجتماعي لتقضي على البقيّة الباقية.

ماذا لو أضيف لكل هذا المزيد من الغرف المنعزلة التي نخرج منها لأهداف محدّدة، ثم نعود ونغلق الباب على أنفسنا؟!

فكما أنّ الأب والأم قادران على ضبط علاقة أولادهما ببعضهم سلبًا وإيجابًا؛ فإنّ أهم الطرق لذلك يظهر في خلق بيئة تشجّع على التلاقي، وأن يكون المنزل مُهيَّئًا لتوفير مساحات تشجّع على تلاقي أفراد العائلة بعضهم بعضًا؛ وبذلك ستكون تفاصيل المنزل في خدمة سكانه بالكامل، وسيكون الضيف ضيفًا على عالمهم الحقيقي وأجوائهم..

هل الجمال مكلف؟

الجمال ليس مكلفًا ولكن انعدامه مكلف، مساحات داخلية وأثاث أقل وحديقة مُتواضعة يمكن أن تصنعها بنفسك

وجلسة خفيفة سواء في سطح منزلك أو في شرفته؛ تعطي مساحةً لسهرات شواء، تعطي قليلًا من الحياة وتترك أثرها الحَسَن في صحتك النفسية والعقلية، مهما كانت المساحة فالجمال يكمُن في تلك الاختيارات التي تختارها لسبب خاص بك يجعلك تستمتع بالتواجد فيه..

البيوت الحية تُعرَف وكذا البيوت الميتة، وكلها عوامل مؤثرة في فرص واختيارات سكانها وحظهم من السعادة وتقلّباتهم المزاجية، والبيت الجافّ سيُنتج أفرادًا لا يقلّون عنه جفافًا.

هل تعلم أنه كان من أسباب التنوير في أوروبا في العصور المُظلمة؛ منح غرفة النوم خصوصيةً وعقد اللقاءات في غرف أخرى؛ مما هيَّأ مناخًا للقراءة والاختلاء بالنفس، وقد كان آنذاك أمرًا غير أخلاقي!

تغيُّرٌ بسيطٌ في استخدام غرفة النوم خلق واقعًا جديدًا ساهَم في تغيير كبير على مستوى جودة الحياة.

فالجريمة -مثلًا- تُولَد في أكثر أجزاء المدينة إهمالًا، وهذا أمر طبيعي ومفهوم؛ فالمُراهق الذي يُولَد في بيئة كهذه سيتخذ الإجرام حجةً على عدم توفير ذات المناخ الذي وُفِّر لمُراهق مثله في حي أفضل فأصبحت فرصه أفضل وتقييمه أفضل.

إنّ ردة فعله تُماثل ردة فعل الطفل الشقي الذي يرى أنه لا يتلقّى الاهتمام الكافي مثل أخيه المُهذَّب، وكما أنّ هذا الطفل سيتقمّص الشخصية الشقية طوال الوقت، فالأمر ذاته ينطبق على الأحياء المُهمَلة وتكلفة إصلاح هذا الخلل تفوق ميزانية تطوير الحي آلاف المرات.

من الناحية الاجتماعية، على التصميم الحضري أن يجعل الإنسان أساسًا للمدينة، وعلى التصميم الداخلي للمنزل أن يضع احتياجات سكانه كأساس.

كن واعيًا حين تصمم منزلك، فأنت تضع تربةً لنبات عائلتك، وما ستجنيه من ثمر حُلوًا كان أم مُرًّا؛ ستكون التربة عاملًا مُؤثرًا فيه..

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى