عام

البيض يكشتفون أنفسهم من جديد

  • إيميلي بازلون
  • ترجمة: محمد فاضل بلمومن
  • مراجعة: مصطفى هندي

إن كونك أبيضاً في أمريكا يعتبر -منذ فترة طويلة- على الأقل من قِبل البيض- أمراً مألوفًا جدًا بحيث صار لا يستدعي الاهتمام حتى. إنها الهوية الافتراضية، إنه المُلصق الثقافي -إنها الشيء الذي يوصف باستخدام استعارات رقيقة مثل الحليب والفانيليا ورموز مثل “الأصليون الأصحاء”[1] و “جميع الأمريكيين”. وكما أن العشب أخضر، والسماء زرقاء، فإلى وقت قريب، كان المنتج الموصوف بأنه “نقي ومكشوف” أو “بلون الجسد” يبدو أنه يشبه بشرة الأشخاص البيض.

كم مرة يتحدث البيض عن كونهم بيضاً؟ ليس غالبا! طالما أننا لا نتسكع مع القوميين البيض، أو نتزوج من عائلة ملونة أو نضحك في نكات حول رقصنا، لدينا فرص لا نهاية لها لتجنب التفكير كثيرًا في عرقنا. نحن نفضل عمومًا تأطير الهوية بعبارات عرقية بدلاً من ذلك: ويبدو أنه حين تُعرّف شخصاً بأنه إيطالي أو إيرلندي أو يهودي يُعتبر أمرا يمتزج بالحماسة والشفقة، وفرصة للفخر ببعض التاريخ المشترك. البياض النقي غير المتمايز -من ناحية أخرى- هو “التأرجح بين العدم والرعب”، كما يكتب نيل إيرفين بينتر، أستاذ التاريخ الفخري في برينستون ومؤلف كتاب “تاريخ الجنس الأبيض” سنة 2010.

ومع ذلك، فإن حقبة ترامب فرضت اعترافًا غير مسبوق بالبيض كقوة حقيقية ومثيرة للقلق. في الأشهر التي سبقت انتخابات عام 2016، عندما حشد دونالد ترامب قاعدته البيضاء بالكامل تقريبًا بدعوات لحظر المسلمين وترحيل “الهنود الفاسدين”، حتى أن صحيفة Politico تساءلت: “ما الذي يجري مع الأمريكيين البيض؟” ظهرت لأول مرة بودكاست NPR “Code Switch”  بحلقة بعنوان “هل يمكننا التحدث عن البياض؟” منذ حصل ترامب على 58 في المائة من أصوات البيض، وأصبحنا -نحن البيض- موضوعا تحليلات الصحف والمجلات حول الاستياء العرقي، والخوف من تراجع الوضع والقلق الاقتصادي المفترض. منذ نشرت Netflex مسلسل “أعزائي البيض” [عام 2017]، وفيلم “اُخرج” في نفس العام، -الذي حوّل البيض الداعمين لأوباما إلى شخصيات مرعبة- فجأة أصبح من غير المقبول أكثر من أي وقت مضى بالنسبة للأشخاص البيض أن يكتبوا عن بياضهم العرقي في أمريكا أو يعرّفوا أنفسهم فقط بالطريقة التي ليسوا عليها.

يأتي الكثير من الفحص الأكثر حدة، كما كان دائمًا، من غير البيض الذين أمضوا قرونًا مدركين تمامًا لكيفية عمل قوة البيض. لكن في هذه الأيام، يلاحظ البيض أيضًا بياض بعضهم البعض بكثافة غير مألوفة. عندما اتصل مدير أبيض في فيلادلفيا ستاربكس بالشرطة للإبلاغ عن اثنين من الزبائن السود الذين لم ينصرفوا على الفور بعد أن طلب أحدهم استخدام الحمام، قامت عميلة بيضاء، ميليسا ديبينو، بتغريد فيديو بالاعتقالات التي تلت ذلك، مضيفة: “كل البيض الآخرين يتساءلون لماذا لم يحدث لنا ذلك عندما نفعل نفس الشيء”. بعد بضعة أسابيع، تجرأت امرأة بيضاء تدعى ميشيل سنايدر وصورت امرأة بيضاء أخرى اتصلت بالشرطة لتلبغ عن اثنين من الرجال السود لاستخدامهم شواية فحم في حديقة أوكلاند. أصبحت صورة المتصل ميمي، #BBQBecky ، تظهر في”Saturday Night Live”  ويتم إسقاطها في اللقطات من “Black Panther”، تنصيب باراك أوباما والعشاء الأسود الأخير.

في كل من هذه الحالات، بالإضافة إلى سلسلة من الحالات الأخرى، لم يحصل الأشخاص البيض على الفائدة المعتادة من الحالة الطبيعية المفترضة. بل صوروا -بدلاً من ذلك- على أنهم ثقافة فرعية متميزة ذات عادات غريبة ومهددة. فجأة تم تحديد “الأشخاص البيض” على أنهم المجموعة الفرعية من الأمريكيين التي من المرجح أن تتصل بالشرطة للإبلاغ عن السود في حالة إقامة حفلة شواء أوللشكوى من كل لاعب كرة قدم يرفض الوقوف عند سماع النشيد الوطني، وهي صور نمطية تنطبق حتى على الأشخاص البيض الآخرين.

ولفترة طويلة، افترض العديد من البيض أنه من حقنا، كأغلبية، أن نواجه مختلف الأعراق المختلفة ونتعجب من الأشياء الغريبة التي يأكلونها أو يبنونها أو يرتدونها. يمكننا الآن الاتصال بالانترنت والعثور على أشخاص من أعراق أخرى يلقون الدعابة، النكات والتدقيق الأنثروبولوجي حول طعام الأشخاص البيض الذين يفتقرون إلى التفكير، أو إساءة استخدام سلطة البطاطس أوتجنب مناشف الحمام.

من أهم عاداتنا الملحوظة هو عمى الألوان الذي نطالب به في كثير من الأحيان وألفة الفردانية، وهو اللامبالاة المفترضة للعرق والتي غالباً ما تكون قراءتها كعدمها. “Becky”، كما هو الحال في #BBQBecky ، أوضح دامون يونغ في مقال على The Root ، هو نوع من النساء البيض “موجود في حالة من النسيان العرقي الذي يتحول من القسوة المتعمدة إلى التعالي المتعمد.” (مثل ur-Becky الأصلي في مقدمة “” Baby Got Back للسير  Mix-a-Lot).يُشار إلى البيض في اللغة العامية المنتشرة: “”wypipo،”whytppl”، “WhitePeople ™”.

المساحات التي نسيطر عليها دون تفكير هي “مساحات بيضاء”. إن الدفاعات الساخطة التي قد نعرضها عندما نواجه الصراع العنصري هي “هشاشة بيضاء”. يفقد الأشخاص البيض ترف عدم الوعي الذاتي، وهو تحول معقد عاطفيًا لا نتعامل معه بشكل جيد دائمًا. لاحظ داريل بينكني هذا الشهر في “نيويورك ريفيو” أن “السود كانوا قبل خمس وعشرين سنة هم السكان الضائعون” ، و”المثقفون السود كانوا في موقف دفاعي”. “الآن، البيض هم الذين يبدو أنهم ضائعون”.

كانت الاستخدامات المبكرة لكلمة “أبيض” في القانون الأمريكي تتعلق -دون غرابة- بالعبودية على وجه الخصوص، أي استثناء الخدم البيض من المحظورات التي فرضت على العبيد السود كالتملك والأسلحة أوتعلم القراءة والكتابة. (قال لي بيبوت، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة ولاية أريزونا، عندما تحدثت إليه عبر الهاتف) “إن رموز العبيد خلقت ثقافة البياض في الولايات المتحدة”. صدر أول قانون للتجنيس في البلاد عام 1790، وينص على أنه يمكن للأجنبي الذي كان “شخصًا أبيضًا حرًا” أن يصبح مواطنًا، مما يضع الأساس لقانون 1882 الذي منع العمال الصينيين من الجنسية (عُدِّل القانون لاحقًا ليشمل أجزاء أخرى من آسيا). في عام 1923، كان على المحكمة العليا أن تقرر ما إذا كانت فئة “الشخص الأبيض الحر” تشمل “بهاجات سينغ ثيند”، وهو رجل هندي من “الطبقة العليا”، وقد كان من الناحية الشكلية “قوقازي” مثل القضاة الذين يستمعون إلى قضيته، و وفقًا لقانون القرن الـ 18 الزائف الذي حدد هذه الفئات. (رفضت المحكمة منحه الجنسية على أساس أنه في “الحس العام”، كان الأبيض يعني شيئًا أضيق). في أربعينيات القرن الماضي، بدأ الإحصاء الرسمي للسكان بضم جميع من تنتهي أسماؤهم بأسماء إسبانية تحت بند “من أصل إسباني”، ولكن الفئة من أصل إسباني/لاتيني تعرف نفسها الآن على أنها فئة اجتماعية وليست عرقية، وهذا هو السبب في أن التعداد السكاني يطلق على البيض “البيض غير الإسبانيين”.

حتى عندما ظل “الحس العام” لمفهوم البياض مساميًا وغير متناسق، غالبًا ما يعامله الأشخاص الذين يتمثلونه على أنه نوع من الدعوة النبيلة – “عبء الرجل الأبيض”، مهمة لبسط الحضارة على العالم، ربما حتى بالحق الإلهي. هذه المعتقدات معترف بها الآن على أنها مرفوضة؛ لقد استبدلت -ظاهريًا- بقبول التعددية والتنوع، على الرغم من عدم الالتزام العميق بالاندماج. ومع ذلك، طالما استمر الناس البيض في رؤية أنفسهم على أنهم المعيار وأنهم حياديون، فإننا لم نتغير بقدر ما نتخيل. ما زلنا نعمل كمديرين عنصريين، ونتشبث بوظيفة تحديد مصطلحات الثقافة ومحاكمة الآخرين إلى تلك المصطلحات.

وصف الآخرين بـ “الظُلمة” في قلب البياض في كل خطوة على الطريق، هو كما لاحظ الشاعر والمحامي جيمس ويلدون جونسون قبل قرن من الزمان، “إن الأشخاص الملونين في هذا البلد يعرفون ويفهمون البيض بشكل أفضل مما يعرفه البيض ويفهمونه”. في عام 1829، جادل ديفيد ووكر، الذي كتب لأول صحيفة مملوكة للسود في البلاد، بأن السمة المركزية للهوية البيضاء كانت القتل. اليوم Ta-Nehisi Coates يطلق عليها النهب. في كتاب “ستكون الحرب في المرة القادمة”، كتب كتابه المذهل لعام 1963، جيمس بالدوين، أن الأشخاص البيض يمكنهم حل موقفهم فقط من خلال النظر إلى الداخل. حيث كتب: “سيكون لدى البيض في هذا البلد ما يكفي للقيام به لتعلم قبول بعضهم البعض وحب بعضهم البعض ، وعندما يفعلون ذلك – وهو ما لن يكون غدًا و قد لا يكون أبدًا – لن يكون الأسود موجودًا لأنه لن يكون وجوده ضروريًا بعد الآن”.

إن الاعتراف الذاتي المتزايد بين الناس البيض، مدفوعًا إلى الوجود من خلال التغيير الديموغرافي والمحادثات الأوسع حول كيفية عمل الهوية العرقية، يمكن أن يؤدي بالتأكيد إلى قبول الذات والانسجام، بالتأكيد. وعلى سبيل المثال، بدا الناشطون الطلاب في باركلاند على دراية بشكل بديهي تقريبًا بهذه الأشياء، وإيجاد طرق للتشابك بين أهدافهم ومشاركة مرحلتهم مع الأطفال الملونين الذين، كما قال أحدهم، “يحدقون دائمًا في فوهة البندقية”. لكننا نحدق أيضًا في أدلة وفيرة على تأرجح الاعتراف الذاتي في الاتجاه الآخر. عندما يحفر الأمريكيون البيض في هويتهم الجماعية، فإن التبديل الذي وصفه الرسام غالبًا ما يتقلب، من العدم إلى الفظاعة. يركز البعض منا على الحفاظ على الهيمنة العرقية، أو استحضار الدول العرقية أو صيغة الهجرة السحرية التي تستورد بطريقة ما نصف الدول الاسكندنافية. يعتقد غالبية الأمريكيين البيض في الوقت الحالي أنه يتم التمييز ضد عرقهم. التقارير الإخبارية مليئة باستياء البيض ومسيرات بيضاء مضاءة بالشموع. الأمريكيون البيض، الذين “يبدو أنهم فُقدوا”، يبحثون عن شيء مهم: كيف نرى أنفسنا دون أن نصبح متوحشين في هذه العملية.

اقرأ ايضاً: الحاشية التي غيرت حقوق السود في أمريكا


[1] cornfed معناها الحرفي “تغذى على الذرة” وفي الثقافة الأمريكية الشعبية يقصد بها سكان الجنوب والريف الذين غالب طعامهم الذرة ولهم بنية جثمانية قوية، ليس المقصود البدانة والسمن، بل فقط البنية الصحية الفتية. (المراجع)

أعجبني المقال

المصدر
nytimes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى