الفلسفة

عندما ضلت الفلسفة طريقها

  • روبرت فرودمان وآدم بريغل
  • ترجمة: لينا الجهني
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

يمكن تقديم تاريخ الفلسفة الغربية بعدة طرق، فيمكن سردها من ناحية الفترات (اليونانية ثم الوسيطة فالحديثة)، ويمكننا تقسيمها إلى تيارات متنافسة (التجريبية مقابل العقلانية، التحليلية مقابل القارية)، أو بالنظر إلى مجالاتها الأساسية المختلفة (الميتافيزيقيا، نظرية المعرفة، الأخلاق)، ويمكن أيضًا عرضها من خلال العدسة النقدية للتحيز الجنسي أو الاستبعاد العرقي، كقواعد صارمة تواطأ عليها تقريبًا كل الأوروبيين البيض.

لكن على الرغم من ثراء هذه الروايات وتنوعها، إلا أنها تمر عبر منعطف بالغ الأهمية وهو: تحديد موقع الفلسفة داخل مؤسسة حديثة (الجامعة البحثية) في أواخر القرن التاسع عشر؛ فإضفاء الطابع المؤسسي على الفلسفة جعل منها مجالًا يمكن ممارسته في بيئة أكاديمية فقط، وتمثل هذه الحقيقة أحد الإخفاقات الدائمة للفلسفة المعاصرة!

إليك هذه التفاصيل البسيطة:

قبل هجرتها إلى الجامعة، لم يكن للفلسفة مسكن رئيسي؛ فقد كان من الممكن العثور على الفلاسفة في أي مكان، فقد كانوا يعملون دبلوماسيين، ويعيشون على معاشات التقاعد -حتى أن منهم من اشتغل بصقل العدسات-، وكذلك كانوا داخل الجامعة.

 بعد ذلك، إذا كان الفلاسفة مفكرين (جادين)، فمن المتوقع العثور عليهم في الجامعات البحثية، وعلى عكس شعار سقراط: “الفلسفة للجميع”، أصبح الفلاسفة خبراء ونخبويين مثل غيرهم من المتخصصين في المجالات الأخرى، حدث هذا حتى عندما علموا طلابهم فضائل الحكمة السقراطية، التي تسلط الضوء على دور الفيلسوف باعتباره ليس مجرد خبير، بل إنه دائم التساؤل ولا يكف عن المشاغبة.

بعد ذلك، حدث للفلسفة -كما يرى المفكر الفرنسي برونو لاتور- عملية تنقية، حيث انفصلت عن المجتمع أثناء عملية التحديث، وقد حدث هذا الفصل استجابة لحدثين على الأقل:

الأول: كان تطوير العلوم الطبيعية كمجال للدراسة يختلف بوضوح عن الفلسفة وكان ذلك قرابة عام 1870م، ثم ظهور العلوم الاجتماعية في العقد التالي. وقبل ذلك، كان العلماء متصالحين مع فكرة أنهم “فلاسفة طبيعيون”، أي فلاسفة يدرسون الطبيعة، وكان أسلاف علماء الاجتماع يعتبرون أنفسهم “فلاسفة أخلاقيين”.

الحدث الثاني: كان وضع الفلسفة كمجال (إضافي) إلى جانب هذه العلوم في الجامعات الحديثة؛ وكانت النتيجة أن الفلسفة -التي كانت سابقًا أم التخصصات- أزيحت وهُمِّشت، حيث اقتسمت العلوم الطبيعية والاجتماعية العالم الأكاديمي.

 هذا لا يعني الادعاء بأن الفلسفة كانت سائدة بلا منازع قبل القرن التاسع عشر، بل إن مكانة الفلسفة ودورها قد تغيّر عبر القرون وفي بلدان مختلفة، لكن الفلسفة المعنيّة بالإجابة عن أسئلة: من نحن؟ وكيف يجب أن نعيش؟ شكلت جوهر الجامعات منذ المدارس الكنسية في القرن الحادي عشر.

 قبل تطور ثقافة البحث العلمي، كان الصراع بين الفلسفة والطب واللاهوت والقانون يتألف من معركة ضروس، بدلًا من كونه صدامًا بين انقسامات ثقافية يمكن أن تتعايش معًا، وفي الواقع، كان يُعتقد على نطاق واسع أن هذه الحقول القديمة تُشكل معًا وحدة معرفية كبرى، وحدة هدفها الحياة الجيدة، لكن هذه الوحدة تحطمت تحت وطأة التخصصات المتزايدة بحلول مطلع القرن العشرين.

وهكذا واجه فلاسفة القرن العشرين مأزقًا وجوديًا، مع احتلال العلوم الطبيعية والاجتماعية كامل المساحة النظرية والمؤسسية على حدٍ سواء، يتجلى -المأزق الوجودي- في سؤال: ما هو الدور الذي بقي للفلسفة؟

ولمعالجة هذا السؤال، كان هناك عددٌ من الاحتمالات المتاحة، فمن الممكن للفلاسفة أن يكونوا:

  • مركِّبين لإنتاج المعرفة الأكاديمية.
  • مناطقةً صوريين، يقدمون الأساس المنطقي للبحث الأكاديمي.
  • مترجمين، ينقلون الرؤى الأكاديمية إلى العالم بأسره.
  • متخصصين في المشكلات الفلسفية المميزة في الأخلاق ونظرية المعرفة والجمال وما شابه ذلك.
  • مزيجًا من بعض أو كل هؤلاء.

ربما كان هناك متسعٌ لكل هذه الأدوار، ولكن فيما يتعلق بالواقع المؤسسي، لم يكن ثمة متسعٌ حقيقي.

احتاج الفلاسفة إلى تبني بنية الجامعة الحديثة، والتي تتكون من تخصصات مختلفة تفصل بين بعضها بأسوار عالية! تلك هي الطريقة الوحيدة لتأمين بقاء نظامهم الجديد الذي تم ترسيم حدوده؛ لذا كان لابد من تحديد الفلاسفة (الحقيقيين) أو (الجادين) وتدريبهم واعتمادهم، وهكذا أصبحت الفلسفة التخصصية المعيار السائد لما يمكن اعتباره فلسفة ملائمة، وكان هذا الفعل (التطهيري) هو ما ولد مفهوم الفلسفة الذي يعرفه معظمنا اليوم.

نتيجة لذلك -وبدرجة يندر الاعتراف بها- أصبحت الحاجة المؤسسية للجامعة، هي التي توجه الأجندة النظرية. وإذا كان للفلسفة مكان آمن في الأكاديمية، فإنها بحاجة إلى مجالها المنفصل، ولغتها الغامضة الخاصة، ومعاييرها الخاصة للنجاح و، ومعايير اهتماماتها المتخصصة.

ولا عجب أن تقع الفلسفة في حسد الفيزياء والشعور بالنقص بعد أن اعتمدت نفس الشكل البنيوي للعلوم؛ إذْ تبنّت الفلسفة طريقة العمل العلمية لإنتاج المعرفة، لكنها فشلت في مضاهاة العلوم من حيث إحراز تقدم في وصف العالم، ولقد قيل الكثير عن عدم قدرة الفلسفة على مجاراة النجاح المعرفي للعلوم، ولكن الذي مرّ دون أن يلاحظه أحد، هو تبني الفلسفة -الناجح للغاية- للشكل المؤسسي للعلوم.

 نحن أيضًا ننتج مقالات بحثية، ويتم الحكم علينا بنفس الطريقة السائدة في المجال العلمي: مراجعة الأقران؛ وأيضًا نطور تخصصات فرعية بعيدة عن فهم الشخص البسيط، وفي كل هذه الطرق، نحن “علميون” للغاية.

إذن، يمكن تقديم ادعائنا ببساطة فنقول: لا ينبغي أبدًا استبعاد أو تنقية الفلسفة؛ فبدلًا من أن يُنظر إليها على أنها مشكلة، كان يجب فهم (الأيدي الملوثة) على أنها الحالة الأصلية للفكر الفلسفي، إنها موجودة في كل مكان، وغالبًا ما تكون بين-تخصصية، ومتعددة التخصصات بطبيعتها، ولطالما جمعت الفلسفة بين المتناقضات! لم تكن يدا الفيلسوف نظيفة ولم يكن من المفترض أن تكونا كذلك.

هناك بُعْد آخر لهذه القصة، لم تكن عملية التنقية المصاحبة لإنشاء الجامعة الحديثة تتعلق فقط بالتمييز بين مجالات المعرفة، بل كانت أيضًا تهدف إلى فصل المعرفة عن الفضيلة! وعلى الرغم من أن الأمر يبدو غريبًا بالنسبة لنا الآن، إلا أنه قبل التنقية كان يُفترض أن يكون الفيلسوف (والفيلسوف الطبيعي)، متفوقًا أخلاقيًا على أنواع أخرى من الناس.

كتب مفكر القرن الثامن عشر جوزيف بريستلي “يجب أن يكون الفيلسوف أعظم وأفضل من أي رجل آخر.” الفلسفة التي تُفهم على أنها حب الحكمة، كانت تعتبر تبشيرًا، مثل الكهنوت! لقد تطلبت الفلسفة فضائل أخلاقية مهمة (في مقدمتها النزاهة ونكران الذات)؛ والسعي وراء الحكمة بدوره عزز تلك الفضائل، ولقد رفعت دراسة الفلسفة أولئك الذين تابعوها، كما أن المعرفة والصلاح كانا مرتبطين بهم بشكل وثيق، وكان من المفهوم على نطاق واسع أن الهدف من الفلسفة هو أن تصبح صالحًا، بدلًا من أن تكون مجرد جامع للمعرفة أو منتج لها، إلا أن المؤرخ ستيفن شابين لاحظ أن ظهور التخصصات في القرن التاسع عشر، قد غير كل هذا.

 بشرت (ديموقراطية) التخصصات الجامعية، ببدء عصر (التكافؤ الأخلاقي) لدى العلماء، وكان الدور المتميز للعالم هو توفير المعرفة المحايدة أخلاقيًا، واللازمة لتحقيق أهدافنا، سواء كانت جيدة أو شريرة، ووضع ذلك حدًا لأي فكرة تسمو بالمعرفة؛ ولقد جعلت هذه العملية التفكيرَ في الطبيعة -بما في ذلك الطبيعة البشرية- بالنظر إلى غاياتها العليا وأهدافها الكبرى، تفكيرًا غير منطقي! وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، أثبت كريكجارد ونيتشه، فشل الفلسفة في وضع أي معيار مشترك لتفضيل أسلوب حياة على آخر، وهذه هي الطريقة التي شرح بها ألاسدير ماكنتاير، موقع الفلسفة المعاصر المتمثل في عدم التأثير في المجتمع العام والأكاديمي.

كانت هناك فترة وجيزة، أمكن للفلسفة أن تحل فيها محل الدين كرابط للمجتمع؛ لكنها مرت، وتوقف الناس عن الاستماع للفلاسفة، لأنهم ركزوا على المناظرة فيما بينهم.

بمجرد الفصل بين المعرفة والفضيلة، أمكن اعتبار العلماء “خبراء” دون أخلاق أو دروس يمكن استخلاصها من عملهم؛ إذ صار العلم يستمد سلطته من الهياكل والأساليب غير الشخصية، وليس من ذاتية العالِم، لا يختلف العالِم الفرد عن حالة المحايد، إنه الشخص الذي ليس لديه -كما كتب شابين- “سلطة خاصة للتعبير عما يجب القيام به”! وبالنسبة للكثيرين، أصبح العلم راتبًا، وأصبح العالِم أداة غير أخلاقية يتم تجنيدها لخدمة السلطة والبيروقراطية والتجارة.

هنا أيضًا، عملت الفلسفة على تقليد العلوم من خلال تعزيز ثقافة قد يطلق عليها زورا “سباق العبقرية”، وتحوّل النشاط الفلسفي إلى سباق حاد لإثبات مدى براعة المرء في إنتاج أو تفنيد الحجج، واليوم، يعمل الزخم الإنتاجي المفرط للأبحاث العلمية على إبقاء الفلاسفة مقيدين بحواسيبهم! ومثل ما حدث في العلوم، أصبحت الفلسفة إلى حد كبير مشروعًا تقنيًا، والفرق الوحيد هو أننا نتلاعب بالكلمات بدلًا من الجينات أو المواد الكيميائية. لقد ضاع مفهوم الفطرة السليمة القائل بأن الفلاسفة يبحثون عن الحياة الجيدة، وأنه يجب علينا (على الرغم من إخفاقاتنا) أن نكون مواطنين صالحين وبشرا جيدين، لكن بمجرد أن أصبحنا متخصصين، فقدنا رؤيتنا الكلية، وأصبح الهدف من الفلسفة الآن هو أن تكون ذكيًا لا أن تكون صالحا، وهذا هو جوهر تراجعنا.

أعجبني المقال

المصدر
nytimes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى