عام

بماذا يخبرنا الطاعون حول كورونا؟

نحتاج أن نحترس من رُهاب الأجانب والاضطهاد الذَّين برزا خلال تفشّي هذا المرض المرعب

  • بقلم: د.حنا مارْكُس *
  • ترجمة: سعيد الغامدي
  • مراجعة: مصطفى هندي

تواجه المدينة التي عرفتنا بمصطلح “كرنتينا (عزل) quarantine” منذ ما يقرب من ستة قرون وباءً آخر كَرّةً أخرى. في 23 من شباط/فبراير ألغى المسؤولون الإيطاليون مهرجان البندقية (كرنفال دي فينيسيا) في أيامه الأخيرة، الذي جلب أسرابًا من السائحين إلى هذه المدينة العائمة المعروفة باكتظاظها الدائم. لقد وصل فيروس كورونا Covid-19!

ولمواجهة هذا الفيروس الحديث، فيجب على إيطاليا إنعام النظر في تجاربها الطويلة مع الأوبئة، والاهتمام باستخلاص الدروس والعبر منها. ورغم الاختلاف الشديد بين أعراض الطاعون ومرض الكورونا الجديد، إلا أن العواقب الاجتماعية لتفشّي هذين الوبائين تكاد تتماثل بصورة مقلقة.

ولكوني مؤرّخة للطب، فإن أبحاثي تهتم بإيطاليا في أوائل العصر الحديث، من عام 1400 إلى 1700 م. وقد نشأت في هذه الحقبة العديد من الأساليب الطبية الحاليّة للمحافظة على الصحة العامة، بما فيها حصر الوَفَيات نتيجة تفشّي الطاعون. اشتُقّت الكلمة “كرنتينا (عزل) quarantine” من الكلمة البندقية التي تحمل معنى “أربعين يومًا”؛ وهي مدة عزل السفن المفروضة زمنَ الطاعون. طوّر مسؤولو المدينة خلال عصر النهضة في مواجهة ضربات الطاعون المتكررة أساليبنا الإحصائية لتعقّب البؤر الوبائية للطاعون. من ستّينيّات القرن الخامس عشر في مِيلان وأربعينيّات القرن السادس عشر في البندقية كانت كل الوَفَيات في هاتين المدينتين تُدوَّن منهجيًّا لمراقبة تفشي الوباء. وفي إنجلترا القرن الثامن عشر كانت الكنيسة (الأبرشية) تطبع سجلات الوَفَيات أسبوعيًّا في منشورات حائطية، فيها أعداد وَفَيات الطاعون من مصحوبة بهذا العنوان المرعب: “يا ربّ ارحمنا !” .

بالتأكيد إن ذلك الماضي البعيد لا يصلح أن يكون مرجعنا الأفضل في معرفة طرائق احتواء العدوى، لكنه يقدّم لنا دروسًا واضحة في تفاعلات الإنسان مع تفشّيات الأمراض المعدية.

كانت إيطاليا في عصر النهضة مقسمة لعدة دُوَيلات صغيرة، وكان السفر بينها يُمنَع عادةً لتفشّي الطاعون، وكان على المسافرين المتنقّلين بين المناطق في ذلك الزمان أن يحملوا تصاريح صحّيّة تصدرها الحكومات المحلّية تشهد أنهم يسافرون من مناطق خالية من الطاعون.

وصف شاعر القرن الخامس عشر العالم جيوفاني بوكاشيو في افتتاحية “الديكاميرون” استقبال مواطنيه في فلورنسا للطاعون، حيث ناح قائلًا: “إن سلطة القانون -الإلهي أو البشري- قد انهارت واختفت تمامًا”[1] ، يجب أن ننظر إلى عبارة بوكاشيو على أنها تحذير. ورغم دعوة ميكافيلي عام 1513 م لوَحْدة إيطالية في صفحات كتابه “الأمير” الأخيرة، إلا أن إيطاليا لم تصبح دولةً واحدة إلّا عام 1861 م؛ وما زال انقسام أقاليمها ملاحظًا على الصعيد السياسي واللسانيّ وفي مأكولاتها وفي البنية التحتية لنُظُم التنقّل فيها.

وفي أوقات الكورونا هذه، فإنّ هويّة إيطاليا الوطنية – بَلْه أورُبّا كلّها – تُظهر علامات التعصّب والعنصرية. فبالإضافة إلى إغلاق بلدات معيّنة تعجّ بالعدوى، فإن الحكومات المحلية تعزل نفسها عن باقي الدولة. و من أبرز ما جرى أنْ فرضت محافظة بازيليكاتا Basilicata عزلًا لمدّة 14 يومًا على كل المواطنين القادمين من بِيدْمُنْت Piedmont و لُمْبَرْدي Lombardy و فينِتُو Veneto و إيميليا رومانيا Emilia-romagna و ليجورْيا Liguria، وهذه التدابير ليست مجرد إجراءات صحية، بل تفصح عن الهويّات المحليّة وتؤكّد التوتّرات بين الإجراءات المحلية والوطنية التي اتُّخذَت لاحتواء الوباء في إيطاليا.

وبعيدًا عن استفحال التعصّب الإقليمي في المجتمع الإيطالي، فإنّنا يجب أن نحترس من الطرائق التي أدى بها تفشّي الأوبئة تاريخيًّا إلى اضطهاد الفئات المهمّشة. و إن أحد أشهر التفاعلات الاجتماعية الموثّقة المصاحبة للطاعون في أوروبا في أواخر العصور الوسطى هو العنف، الذي كان موجهًا بالأساس ضد اليهود الذين اتُّهِموا بتسميمهم الآبار لنشر الطاعون.

ومنذ بدء الكورونا شهدنا عنصرية على نطاق واسع وعدّة هجمات ضد الآسيويين. يجب أن نتعلم من التاريخ وننظر إلى هذه الهجمات على أنها بحث عن كبش فداء بريء، وأن ندينها سريعًا وبشدّة .

في إيطاليا يختلط العداء للمهاجرين مع القلق من مرض الكورونا الجديد، حيث أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية أن 276 مهاجرًا أُنقِذوا الأسبوع الماضي قُبالة ساحل ليبيا سيوضعون في محجر عزل إجباري في مدينة بوزالو بصقلّية رغم أنه لم يكن لهم أي اتصال بأُناس أو أماكن قد ضربها وباء الكورونا. لكن قادة حزب الليجا نُورْد Lega Nord اليميني المتطرف ينفخون نار الرعب والسخط مستنكرين أنّه حتى في خضمّ أزمة الكورونا وعزل المدن والبلدان فإنّ إيطاليا لم تغلق موانئها في وجه المهاجرين. هذا النوع من التملّص من محاربة الوباء والتستر وراء اتهام فئات مَهيضة الجناح في المجتمع هو نتيجة رأيناها عبر التاريخ كثيرًا، حيث ألقي اللوم على الأجانب والبغايا واليهود والفقراء في انتشار الطاعون .

التوجّه المتوقّع نحو رُهاب الأجانب والعنصرية والاضطهاد يمثّل انهيار قوانين مجتمعنا وأخلاقه في وجه الرعب والمرض. وهو أيضًا عَرَض من أعراض هذا الوباء، و إن لم يكُن عَرَضًا جَسَديًّا.

قد يستمر الكورونا في الانتشار في الأشهر المقبلة، وسنحتاج أن نكون يَقِظين في وجه هذا المرض المُعدي، ونحتاج أيضًا أن نكبح جماح غرائزنا البشرية نفسها.


[1]النص من ترجمة صالح علماني للكتاب .

*أستاذ مساعد في تاريخ العلم التجريبي بجامعة هارفارد

المصدر
ny times

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق