عام

ما العلوم التي يحتاجها القانوني؟

  • بارعة اليحيى

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

فإن العلوم تتداخل فيما بينها وتتكامل، ولا يوجد تخصص بمعزل عن بقية التخصصات انعزالا كليا، بل لا بد من رابطة تربط بينها وبينه، وعلى قدر إحكام تلك التخصصات المتقاربة وضبطها يكون التميز في التخصص.

وعلم القانون كسائر العلوم يتقاطع مع بعض التخصصات ويلتقي معها، ومن الممكن أن نذكر إجمالا لأبرز العلوم التي يحتاجها القانوني:

– التفسير: الآيات القرآنية وفهمها على وجهها الصحيح مفيد للقانوني، كوسائل الإثبات، وتوثيق الديون، وما يتصل بالأحوال الشخصية: كأحكام النفقة ومسائل  الطلاق والعدة، وغير ذلك[1]، وخذ مثلا قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٩] باعتبار أن الرضا ركن في العقد.

– علم الحديث: يستدل به صاحب الحق أصيلا كان أو وكيلا ببعض الأبواب الحديثية

التي تعد دليلا يتكئ عليه القاضي في إصدار الحكم كحديث: “لا ضرر ولا ضرار”أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني، وحديث:” اليمين على المدعى عليه”متفق عليه؛ لا سيما أحاديث الأحكام[2].

– علم الفقه: هناك علاقة وثيقة بين الفقه والأنظمة؛ فعلى قدر ضبط الفقه يكون فهم  الأنظمة؛ فجُل فروع الأنظمة قائمة على الفقه كقانون الأحوال الشخصية الذي يقابله  فقه الأسرة، والقانون المدني الذي يقابله فقه المعاملات، والقانون التجاري فيما يتعلق بمبادئه وقواعده كالأوراق التجارية، والشركات والأسهم، والسندات، وعمليات البنوك التي يبحثها الفقهاء في فقه المعاملات المالية المعاصرة، والقانون الجنائي المتعلق بالحدود والقصاص وهما من أساسيات الفقه الجنائي، والقانون الدولي العام والخاص فقد أوضحت معالمه كتب الفقه الإسلامي في عدة مباحث وأبواب[3].

– علم أصول الفقه: بين أصول الفقه والأنظمة علاقة وطيدة جدا فيما يتعلق بدلالات

الألفاظ، وتفسير النصوص وأنواع الأحكام والأدلة، وتنزيلها على الواقع، وطرق استخراج الحكم من الدليل، وعوارض الأهل، وأثر فهم أصول الفقه على فهم النصوص القانونية وصياغتها، وأيضا ما يسمى بتخريج الفروع على الأصول؛ كل ذلك لا يستغني عنه القانوني، وهناك مؤلفات عدة أشارت لهذا[4]، أيضا ضبط أصول الفقه يساهم في كتابة اللوائح، والعقود بصياغة متينة.

 يقول محمد أبوزهرة: “علم الأصول يلزم طالب الحقوق ليفهم الشريعة على وجهها؛ لأنه يحتاج إليه أشد الحاجة ليفهم القوانين نفسها حق الفهم، ذلك أنه يبين دلالات الألفاظ، ما تؤخذ من النص وما يفهم من غيره، فيعرف ما يؤخذ من منطوقه وما يؤخذ من مفهومه، ويضع الضوابط والمقاييس للأخذ منها عند توافقها وعند تعارضها في ظواهرها، وهكذا فيه ضبط دقيق لدلالات العبارة وإشاراتها، وكل مفسر للقوانين يحتاج إلى ذلك “[5].

-علم القواعد الفقهية: العلم بالقواعد الفقهية الخمس الكبرى وكل تفرغ منها وما اتصل بها له بالغ الأثر في الحكم على القضايا، ويعد مستندا شرعيا، ففي القواعد الفقهية قواعد في الجنايات، وأخرى في المعاملات المالية، وثالثة في الأحوال الشخصية، وهَلمَّ جرا[6].

– علم النظريات الفقهية: علم النظرية الفقهية هو دراسة موضوع فقهي بوحدة  متكاملة، وجمع ما تفرق منه: كنظرية العقد، ونظرية الضمان، والضرر، والملكية.  وهو علم مفيد ومهم جدا للقانوني، وأول من أحكم هذا الموضوع وسبره: مصطفى الزرقا في كتابه المدخل الفقهي العام ثم توالت المؤلفات حوله[7].

– علم اللغة العربية: لاشك أن الخطأ في العلامة الإعرابية قلب للمعاني المطلوبة،  والألفاظ المرغوبة، ولضبط أبواب اللغة أثر كبير في صياغة العقود، وكتابة اللوائح  والمذكرات، بل حتى فهم اللغة وإحكام علاماتها على وجه صحيح؛ معين على فهم  الأنظمة، وقراءة النص بصورة جيدة -خالية من اللحون- كما يساعد ضبط علامات  الترقيم على فهم العبارات والجمل وفقا للمراد[8].

– علم الاقتصاد: هناك تقاطع بين مسائل القانون التجاري ومواضيع علم الاقتصاد:

كالنقود والبنوك، وكذا القانون المالي وأحكام الضريبة، والسلع والاستهلاك؛ فإنها تدرس باستفاضة في تخصص الاقتصاد، ويكفي في ذلك كتاب مختصر.

– علم السياسة: فهم علم السياسة تظهر أهميته في فهم أنظمة الدولة الأساسية:

كالنظام الأساسي ونظام البيعة والشورى والوزراء وغيرها، وسياسة الدولة وسلطاتها الثلاث: التنفيذية، والتنظيمية، والقضائية.

– علم التاريخ: النظر في المؤلفات التاريخية، وتسلسل أحداث الزمان؛ مهم في القانون الدستوري، ويعين على استيعاب المراحل التي مرت بها الدولة، وتطور الأنظمة، وأثر ذلك على المجتمع.

– علم الاجتماع: علم الاجتماع يدرس الظواهر الاجتماعية، وله ارتباط كبير في حراك الأنظمة وتطورها، واستحداث أنظمة تتواكب مع المستجدات الاجتماعية، بل بعض الأنظمة شرعت بعد قيام الحاجة إليها في المجتمع، وأخرى عدلت للسبب ذاته.

ومن العلوم التي قد يحتاجها القانوني: علم الفلسفة، والمنطق، والإدارة، وعلم النفس.

ومما ينبغي معرفته أن هذه العلوم تختلف في قربها وبعدها من القانون وفقا لفروع القانون المتنوعة؛ فمثلا القانون الجنائي: يقترب منه الفقه وعلم النفس، والقانون المالي يقترب منه علم الاقتصاد وهكذا.

أيضا بعض العلوم يحتاج أن تأخذ منها أصولها ومبادئها، والبعض الآخر يتطلب منك أن تتعمق فيه لعلاقته الوطيدة بالفرع القانوني.

وكقاعدة عامة: كلما أكثر الشخص من الاطلاع والقراءة كان ذلك مؤثرا على كتابته، وطرحه وأسلوبه، ولغته، فالعلوم تتكامل فيما بينها، وتتقاطع في مواضيعها.


[1] وهناك عدة تفاسير اهتمت بتفسير آيات الأحكام كأحكام القرآن للقرطبي، والإلمام ببعض آيات الأحكام لابن عثيمين وغيرها.

[2] من كتب أحاديث الأحكام: عمدة الأحكام للمقدسي، وبلوغ المرام لابن حجر، والإلمام لابن دقيق العيد وغيرهم، وهناك من ألف في الأحاديث المتصلة بالقضاء مثل كتاب: الأربعون القضائية، والأربعون السنية في الأحاديث القضائية.

[3] ومن كتب الفقه المناسبة للقانوني: شرح أخصر المختصرات -قسم المعاملات- إصدار التبيان، وكذا الحقيبة الفقهية: مختصرة، وفيها خرائط ذهنية، وتقسيمات وتمارين وغير ذلك، ومن أجود ما ألف مؤخرا كتاب المعايير الشرعية.

[4] ومن كتب الأصول التي اعتنت بالعلاقة بين التخصصين: أثر علم أصول الفقه في سن الأنظمة للمشعل، وتفسير النصوص محمد أديب الصالح وغيرها.

[5] في كتابه أصول الفقه.

[6] القواعد الفقهية للدعوى لآل الشيخ، والقواعد والضوابط الفقهية لنظام القضاء في الإسلام للحريري.

[7] من كتب النظريات الفقهية: النظريات الفقهية للألفي، النظريات الفقهية للشثري.

[8] هناك بحث رائع حول العلاقة بين اللغة والقانون بعنوان: الضوابط اللغوية في الصياغة القانونية للعيوني، ومن الكتب الجيدة: الضاد والظاء وضوابط للتمييز بينهما للحسون، وفن الترقيم للحموز، والارتقاء بالكتابة للحمد وغيرها كثير.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى