عام

ما الذي يدفعني لدراسة تخصص الاستشراق؟

تدوينة لطالبة ألمانية تدرس الاستشراق

  • كارلا أوبر
  • ترجمة: محمد فتوح
  • تحرير: إسلام خالد العمرات

مقدمة المترجم:

هذا المَقال هُوَ رأيٌ لطالبة ألمانية في معهد الدراسات الشرقية بجامعة إيرلانجن نورمبرغ، وقد كتبته في مجلة طلابية، وهو ما جعل فيه قدرًا من التلقائية، والصراحة في آن واحد. ولأنه مكتوب لمجتمع طلابي محليّ؛ فمقدار الصراحة فيه أعلى مما لو كُتِبَ في جريدةٍ رسميةٍ، وهذه الصَّراحة في الإجابات مما يفيد في تصور المنطلقات التي يفكِّر بها العديد من الطلاب الألمان عندما يدرسون تخصصات مثل الاستشراق. ومن واقع الخبرة الشَّخصيّة -بحكم دراستي- فإنني وجدت هذه الإجابات تتكرر بصيغٍ مختلفةٍ وأهدافٍ متقاربة بين الطلاب في جامعات مختلفة ومتباعدة جغرافيًا أيضا، مما يستحيل معه التواطؤ على إجابة واحدة، ويعيد النظر في بعض تصورتنا لطلاب هذه التخصصات في وقتنا الراهن، من حيث قوتهم العلمية في فهم المادة، أو نياتهم بهذه الدراسة كلها، وإن كان الأمر نفسه لا ينسحب على الأساتذة.

ولأن هذا النَّصُ طلابيُّ الطَّابع، ففيه شيءٌ من التَّبسط في الألفاظ، واستخدام بعض المصطلحات العامية، وقد حاولت نقل هذه المفردات العاميّة التي فيه إلى أقرب نظير أعرفه في العربية. وكل ما بين قوسين مثل هذين () فهو من الكاتبة. وكل شيء بين قوسين كهذا [] فهو مني؛ لبيان شيء قد يغيب عن القارئ. أما الهوامش فكلها مني، لكنَّها مهمة فيما أحسب، ولعل بعضها مما يكمل صورة المقال. فقد بَيَّنتُ فيها ما يغمض في النص، لأنَّ هناك فوارق في نظام التعليم في بلادنا، وفي بلاد الألمان. وهذه الفوارق لا تستحضرها الكاتبة؛ لأنها تخاطب ألمان، أما نحن فمن المهم فَهمها لفهم السياق الذي تدور فيه الأحداث، ومن يستثقل قراءة الهوامش أثناء القراءة، فله أن يقرأها مرة واحدة متتابعة بعد نهاية المقال، فلن يفوته شيء كبير إن شاء الله. والله يهدي صاحبة المقال إلى الإسلام، وينفع بقارئه وناقله.


نص المقال

ديباجة: منذ سبعة فصول، ومحررتنا كارلا تدرس في قسم الدراسات الشرقية [الاستشراق]، وتُطرح عليها هذه الأسئلة باستمرار “استشراق!” ما هو؟ ولماذا تدرسينه؟ وبالطبع سؤال: ماذا تفعلين به بعد الدراسة؟ ولأنَّ كارلا قد أرهقها تكرار الإجابة على هذه الأسئلة، فقد سطَّرتْ إجاباتها بسلاسة هذه المرة، فهذه المقالة هي قصيدة مدح للتخصصات البينية الصغيرة في ألمانيا.[1]

[والآن مع كالا]:

يَعرف طُلاب الأقسام البينية الصغيرة هذه الأسئلة جيدًا: (لماذا تدرس هذا التخصص؟) و (ماذا ستفعل به لاحقا [في العمل]؟) وقبلها سؤال: (ما هذا التخصص في الأساس؟).

أودُّ أن أسرد لكم إجاباتي المفضلة حول هذه الأسئلة، وربما يوفِّر عليَّ هذا السرد عناء الإجابة عن هذه الأسئلة مرة أخرى في المستقبل؛ وذلك بأن أضع هذه المقالة بسهولة أمام من يسأل هذه الأسئلة.

وأُرجو أيضًا ألّا يَخيبَ أملك عندما تطالع إجابتي عن سؤال “لماذا [أدرس هذا التخصص]؟” لأنني لا يمكنني أن أُجيب عليه إجابةً مُرضية كما يَنبغي، وإن كنت أحاول في الإجابة عليه أن أبذل جهدي ولا أَلو. وإني على يقين من أن الإجابة الصحيحة لا علاقة لها بالمهيجات الجنسية التي قد تخطر  على البال.[2]

وسوف أبدأ أولًا بسرد قصةً طريفة، لقد كنت مغرمة بمادة الجغرافيا في المدرسة، كنت متميزة جدًا فيها، وكانت ممتعة للغاية باعتبارها مادة للتخصص في الثانوية العامة. وبدت الجغرافيا الثقافية رائعة بالنسبة لي، حتى أصبحَتْ مادتي الثانية في دراسة البكالوريوس بكلية الفلسفة، وذلك لأنَّني لا يمكنني جعلها الفرع الرئيس، أو درستها كفرع وحيد في درجة البكالوريوس.[3] أما الاستشراق فقد تعرفت عليه في الأيام التعريفيّة التي تعقد للطلبة الجُدد في الجامعة.[4] كان المجال مثيرًا للغاية، وقررت وقتها الالتحاق به. وهذه هي المعرفة القصيرة الأولى بيننا، والتي عقبها المعرفة الطويلة. ولما كنت في منتصف المرحلة الثانوية، كانت والدتي تُسأل باستمرار عما أتطلَّع لدراسته بعد المدرسة، وغالبًا ما تكرر هذا السؤال على مسامع أمي أكثر مما تكرر على مسامعي. وكانت إجابتها الدائمة والتي أنقلها عنها بنصها -وهذا شاهدُ الطرافة في القصة-: “الجغرافيا الثقافية هي الخيار الأرجح لكالا، أما الاستشراق فسوف نرى، إذا كان شغفها العابر به سيستمر، أم أنَّه غير كافٍ، ليَحملها على تكبد عناء تعلم اللغة العربية”.

الجغرافيا الثقافية، أو كما يصفها أصدقاء الدراسة دومًا بعبارة “المدينة، الريف، النهر”[5] أجدها دوما تخصص ممتاز، وإذا سألتني، ما معنى الجغرافية الثقافية بدقّة، فتجيبك “حنّة” بهذا المقال [مقال بالألمانية يشرح هذا التخصص]. إلا أنَّ بكالوريوس الجغرافيا الثقافية [في جامعة إيلان غن نورمبرغ] كانت إلى ذلك الوقت برنامجًا مزدوجًا من تخصصين [تعني أنَّ عليها دراسة تخصص آخر معه، ودرست معه الاستشراق بصفته تخصصا رئيسيا]، ولأنه تخصص مزدوج بين فرعين، فقد كان هناك تداخلٌ في المواعيد بين المحاضرات، ولم أستطع حضور محاضرات (مدخل إلى الجغرافيا الثقافية) ولم يفتح التسجيل في مادة الجغرافيا الثقافية في الفصل التالي. وفي الفصل الشتوي التالي، حولت من الجغرافيا الثقافية إلى دراسة العلوم السياسية، وعندما أتأمل هذا القرار بأثر رجعي فإنني أرى أنَّ دارسة العلوم السياسية كان قرارًا رائعًا. فالعلوم السياسية تناسب اهتمامي، وتناسب أيضًا تخصّصي الرئيسي كثيرًا [الاستشراق]. لاسيما وأن ثمة فرصة في جامعة “إيرلانجن”[6] للاختيار الواسع من المواد [السياسية] التي تُطرح حول الشرق الأوسط.[7] وبعد فصلين دراسيين، صرت -كما تصفني أمي- كالمدمن، لكني مدمنة في دراسات الشرق الأوسط، وفي تعلُّم اللغة العربية.

– السؤال الأول: في البدء، ما هي دراسات الاستشراق؟

يحتل هذا السؤال المرتبة الثالثة من الأسئلة التي تُطرح عليّ عندما أخبر أحدًا بـأنني “أدرس الاستشراق والعلوم السياسية”. ويمكنني تلخيص ردود الأفعال التي أتلقاها عندما أخبر أحدًا بدراستي بأنها ردود لا تخرج عن: “أوكيه” أو “أها” أو “ظريف” أو “جذاب”، (ولا أدري هل يمكنني الاعتراف هنا بأنَّ هذه الردود لا تعني بالنسبة لي شيئاً!).

صورة لأول نص عربي تدربيت فيه على الأبجدية

أما إجابتي الفورية عن سؤال (ما هي دراسات الاستشراق) فألخصها كالتالي: (عندنا في بكالوريوس الدراسات الشرقية في جامعة إيلانجن، ندرس في البداية اللغة العربية الفصحى بكثافة في أول أربعة فصول دراسية، بمعدل 8 ساعات أسبوعيًا ونحصل مقابلها على 10 نقاط للفصل الدراسي الواحد [يعني 40 نقطة في الأربعة فصول من أصل 180 نقطة للبكالوريوس كله]. وبعد هذه المدّة قد يصاب الإنسان بالإحباط أيضًا، لأنه قد يشعر أنه لم يحقق شيئاً كبيراً في اللغة، أو لم يتعلم لهجةً عربيةً، أو لن يكون عنده الدافع لإتقان العربية يوما ما!

ويُوصى في لوائح الامتحانات الخاصة بالقسم حول الخيارات الثلاثة التي نتعلمها [كلغات شرقية وهي العربية أو التركية أو الفارسية وأحيانا العبرية][8] أن نمكث فترةَ إقامةٍ أطول لكورس لغة في بلد اللغة الأم. وبالإضافة إلى اللغة فيحتوي برنامج الاستشراق [الدراسات الشرقية] على فروع معرفية حول التاريخ، والثقافة، والإسلام، والدراسات الدينية، والآداب، والدراسات اللغوية، واللهجات. وإذا درس الطالب الاستشراق كتخصص رئيسي[9]، فيدرس أيضًا لغةً أخرى ثانية شرقية إلزامية مع العربية، إما تركية، أو فارسية، أو عبرية.)

حسنًا، من الجيِّد الآن أنني أستطيع أن أنقل إجابتي النموذجية تلك إلى الورق أو كتابتها على مدونة إلكترونية، فهذا شعور مريح جدًا. فلدي دائما مشكلة في كوني لا أستطيع أن أختصر الإجابة على هذا السؤال أو أبسطها أكثر من ذلك.

– السؤال الثاني: ماذا يفعل الإنسان لاحقًا مَع دراسات الاستشراق؟

لستُ متأكدةً بدقَّةٍ إذا كان هذا السؤال يحتل المركز الثاني أم الأول، من المُحتمل أن يكون الأول. لكنني على أيَّة حال سوف أجيب عليه قبل سؤال لماذا أدرس الاستشراق، لأنه يجيب جزئيًا أيضًا على سؤال لماذا!

في الحقيقة أنَّ هدفي الوظيفي كان يميل إلى حد ما نحو الصحافة. وفي الفاعليات حول الوظائف التي تُنَظَّم في مرحلة المدرسة نصحوني بالفعل بامتهان الصَّحافة. ولكن بدلًا من دراسة الصحافة أحببت أن أدرس تخصص يملأ شغفي بدرجةٍ أكبر، ويكون لدي إلمامًا أكبر بمحتواه. أما الصّحافة، فيمكنني أن ألِجَ إلى عالمها من خلال الخبرة العلميَّة والتدريبات العمليَّة بجانب الدراسة. (أف! لم أَكُن أُدرك أنَّ اكتساب خبرةٍ عملية أمرٌ مرهق للغاية بجانب الدارسة). لكن تظل الصحافة خيارًا معقولًا بالنسبة لي، وأراها مثيرةً أيضًا. لكن هناك العديد من البدائل الشيقة للعمل. فيمكنني مثلًا أن أُصبحَ مستشارة لمؤسساتٍ سياسيةٍ أو لشركاتٍ تجاريّة، أو أن أعمل ضمن المؤسسات غير الربحيّة، أو أعمل في التثقيف السياسي، أو في عالم النشر والتحرير، أو في مؤسسات الرفع الميداني والإحصائي مثل BNK أو LKA.[10] أو في البوليس [في الخدمات الاجتماعية مع الشرطة]، أو وزارة الخارجية، أو المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة. يمكنني أيضًا العمل في المؤسسات الاجتماعية مثل Bamf[11] أو أن أبقى في المجال الأكاديمي، أو غير ذلك الكثير.

اللغة العربية ليست سهلة، لكنها أساس الدراسات الشرقية، وقد اخترت اللغة التركية كلغة أجنبية ثانية

وعندما أجيب على هذا السؤال [ماذا تفعلين بعد الدراسة؟] فليس لدي دائما الدافع للإجابة بمثل هذه الإجابة التفصيلية، والحقيقة أنَّ مجالات العمل تعتمد أكثر على درجة الماجستير التي سأحصل عليها بعد البكالوريوس.[12] ولذلك أجيب تلقائيًا على سؤال (ماذا ستعملين بعد هذه الدراسة؟) بـ (سوف أكمل دراسة الماجستير).

أما سؤال (أي ماجستير؟) فلا يمكنني الإجابة عليه بعد. لأنني أرى جميع هذه التخصصات مثيرة بالنسبة لي. سواء كانت الدراسات الإسلامية بكافة تخصصاتها مثل التركيز على المساحات التاريخية، أو الدراسات العربية، أو الدراسات الشرعية، أو سياسات الشرق الأوسط، أو الدراسات الإفريقية، أو الإيرانية، أو السامية العبرية، أو التركية، أو المسيحية الشرقية[13]، أو الإسلام في أوروبا وغيرها من التخصصات، وكل ما يتصل بالدراسات السابقة من التخصصات مكملة.

– والآن مع السؤال الأصعب: “لماذا تدرسين الاستشراق؟!”

غالبًا ما أتلقى هذا السؤال في مواطن، يظن فيها السائل أنه يعرف بالفعل الإجابة. ولذلك يصعب على السائل قبول إجابتي لأنها ستصبح غير مُرضية أبدًا بالنسبة له. [وهو الذي ذَكَرتْهُ الكاتبة في بداية مقالها من أنَّ إجابتها لن تكون مُرضية في عقل سائل هذا السؤال]. والحقيقة أنني لا أعلم لماذا أدرس هذا التخصص! هناك العديد من العوامل المختلفة التي أدَّت بي إلى هذه الدراسة، وأنا على وعيٍّ ببعض هذه العوامل أكثر من البعض الآخر.

لكنّي أرفض بالتأكيد الإجابات التي يستنبطها -في كثير من الأحيان- السائلون لهذا السؤال!

-لا، فأنا لن أعتنق الإسلام، ولم أعتنقه بالفعل. وسواء صدَّق السائلون أم رفضوا، فإن الإنسان يمكنه أن يَهتمَّ بدين معين ويكون متسامح معه دون أن يعتنقه. وأنا بصورةٍ شخصيةٍ مسيحية، لكن هذا لا ينبغي أنْ يؤثِّر بأي دور في دراستي.[14] والتخصص الذي أهتم به في دراستي هو الدراسات الإسلامية [الثقافية]، باعتبارها فرعًا من علم الأديان، وليس الدراسات الإسلامية [الشرعية]، والتي تعتبر جزءًا من الدراسات الدينية.[15] وهذا التخصص [تقصد دراسات الشريعة الإسلامية] يمكن للإنسان أيضا أن يدرسها في إيلانجن في ضمن الدراسات الدينية، ولكن ليس في قسم الدراسات الشرقية [التي تدرس فيه] وبالطبع -ولحسن الحظ أيضًا- أن هناك تعاون كبير بين هذين المعهدين [تعني الدراسات الإسلامية الثقافية والدراسات الإسلامية الشرعية] في جامعة إريلانجن وبين التخصصات المتَّصلة بالإسلام والشرق، مثل السياسة، القانون، الاقتصاد، والجغرافيا الثقافية وعلم الأديان، والدراسات المسيحية. وأنا لا أرى إمكانية وجود تعريف جامع مانع لكلمة “الشرق/المشرق”. وحتى لفظة (الشرق الأوسط) فهو يحوي أيضا المسيحية واليهودية والأديان الأخرى!

-ولا، أنا لا أدرس الاستشراق، حتى أتلقى رسائل من أصدقائي على الواتساب حول رأيي في الهجمات الإرهابية المرعبة في باريس، والتي مات بسببها مئات الناس؛ ليسألوني: (ما رأيك فيما حدث في باريس) ولأجيبهم بـ: (أووه. إنني أجد مثل هذه الاغتيالات شيء رائع)! أم ينتظرون مني جواب آخر؟!!!

-لا، سبب دراستي للاستشراق لا علاقة له بأي رجل! حتى وإنْ اتُّهمتُ كثيرًا بهذا الأمر، وأحيانا أُتَّهم برجال مختلفين في نفس الوقت. [أي أنَّها تُتَّهم بأنها تدرس هذا التخصص لأنها تحب رجل عربي أو تركي مثلا].

جزء من رف الكتب الخاصة بدراساتي.

إذا، لماذا تدرسين الاستشراق؟!

الإجابة الأفضل بالنسبة لي، إذا لم أُرد أن أطيل أو أعَقِّد الموضوع، وفي الوقت نفسه هي ما أعرفه من نفسي بصدق، فإن سبب دراستي هذه نابعة من الفضول الكبير!

أنا كنت دومًا مستعدةً لمثل هذا الشَّغف، ولو كنتُ أملك الوقت، كنت أودُّ أن أدرس العديد من التَّخصصات الفرعية البينية الصَّغيرة الأخرى. ومن واقع خبرتي، فأنا أعرف أنَّ هذه الإجابة ليست كافيةً للكثيرين، حتى وإنْ كان الصِّدقُ بادٍ في عَيني، وظاهرٌ على قَسماتِ وجهي، وحتى لو بَرهنتُ على ذلك بذكرِ العَديد من النِّقاط. لذلك سأُحاول أنْ أسرد العوامل المُحتَمَلة التي أَثَّرتْ في توجيهي لهذه الدِّراسة، ولا يمكنني حتى استحضارُ هذه العَوامل إلا بشكلٍ غير منظَّمٍ أو عشوائي إلى حدٍّ كبير، وأغلبُ هذه العوامل لدراسة الاستشراق -إلى جوار أنَّني كنت أودُّ أن أصبحَ صحفيّةً- تنطلق في المقام الأول من أنني أريد خَوضَ التّجربة! وربما تحققت نبوءة أمي، وأبقاني شغفي في دراسات الاستشراق، وألهمني الاستكمال فيه.

لقد تَمَلَّكَني الشَّعور بأنني ليس لدي أيّ درايةٍ عن الشَّرق الأوسط، وعن الإسلام، وعن سياسة وتاريخ وثقافة هذه المنطقة. ولقد أدركتُ هذا الأمرَ لأولِ مَرَّةٍ، وأنا في الصَّفِ العاشرِ من المدرسةِ عندما سافرتُ مع أهلي إلى تونس؛ لقضاءِ عطلةٍ سياحيّةٍ لمدَّة أسبوعين. فقبلَ الرِّحلة بوقتٍ قصير، تَحَقَّقتُ من مكان تونس وأين تقعُ بالضَّبط على الخريطة. (ولقد أخبرني صديقٌ لي في المدرسة بعد ذلك أنَّ صديقَةً لنا اعتقدت أنَّها في آسيا، وكانتُ سعيدةً أنَّني لن أسافر إلى أفريقيا!).

بعد هذه الإجازة، بدأتُ بالفعل اتعرَّفُ على تونس، وعلى العالم العربي بشكلٍ عامٍّ، وعلى العَربيَّة، وعلى الإسلام. وباءت محاولاتي أنْ أتعلَّم العَربية من اليوتيوب بالفشل. لكنني تخلصت من التَّحيزات الكثيرة التي يَحملُها المَرءُ في ألمانيا، والعديد من البلدان الغَربية الأخرى ضدَّ الإسلام والعرب. وبصفةٍ خاصّة تخلَّصتُ من هذه التَّحيزات التي كنتُ أَحملها أنا، ووعيتُ بها فجأةً. لكنني لم (أُعالَج) حتى اليوم من جميع التَّحيزات المسبقة تلك. وللأسف إنَّ كل إنسان لديه تحيزاتٌ من نوع ما. لكن المهمُّ هو أنْ يكون على وعيٍ بها وألا يتوقفَ عن تفحصها واستكشافها.

لقد سحرتني تونس، بما رأيته لمرتين ونصف من نافذة الأتوبيس في منطقة الجيم. سواء في الجولة السياحية في الجيم، أو من خلال انتقالي ذهاباً وإياباً من مكان إقامتي السياحيَّةِ في المهدية، والتي تبعد 100 كم عن المطار.

لقد كان هذا في صيف 2012، أي لم يَكتمل وقتها عام ونصف على الإطاحة بابن علي (الثورات العربية بدأت في نهاية 2010 في تونس وأنا على يقين، أنني وقتها كنتُ أشعر بالاضطرابات بقوة. ومن هذه الجهة [تقصد أحداث 2011] فإنه يُلقى أحيانًا على سمعي أنَّ (ما تدرسينه معاصر للغاية!) وبالتأكيد لا أُنكرُ هذا. حتى وإن كان في خلفية ما يقوله البَعضُ ما لم يعجبني وأنكره في كلامه).

لقد فشلت في تعلم العربية من اليوتيوب، لكنني أردتُ دومًا أنْ أتعلَّمها. كنت أراها لغةً بديعةً في طريقةِ الكتابة، وتُيّمتُ بنغمها. على الرَّغم من أنَّ أصدقائي قالوا لي إنني أريد أنْ أتعلَّم لغةً مثل أصوات القيء. وبالمناسبة تَبيَّن لي أنَّ العربية بالفعل صَعبةٌ نسبيًا، لكن لا يقتصر التَّعلم فقط على تعلّم العَربيّة. فأنا استفدتُ من الدَّورات التي يقدمها معهد اللُّغات في الجامعة بشكل مفرط، ومن الإنصاف ما تصفني به عائلتي وأصدقائي بأنني مَجنونة؛ لأنني بدأتُ في تعلم 8 لغات حتى الآن! وأنا على يَقين أنَّ معرفة وفَهمِ النَّاس حقًا لا تكون إلا من خلال تعلّم اللغات التي يتحدثون بها. وإلى من يقول الآن [من القُرّاء] (يا الله، هؤلاء المثاليون لا يطاقون!).  فاعلموا أنني أنهيت، وفي نهاية جوابي.

وأما العامل الأخير [الذي جذبني لهذه الدارسة] فيمكنني أن أورده هنا بعقلانية، ففي يومِ التَّعريف ببرامج الجامعة المَذكورِ سابقًا. حضرتُ المحاضرة التَّعريفيَّة بقسمِ الدِّراساتِ الشَّرقية من باب (إلقاء نظرة). وكانت الإعلانات الجامعية قد نجحت في إقناعي بحضور المحاضرة، ووجدت أنَّ بِنية البرنامج الدراسي واعدةً، والمحاضرين -وهُم مُدرسينا للغة العربية-؛ تفاعلوا معنا بلطف، والطلاب المساعدين كانوا -أيضا- صبورين على أسئلتي الفضوليّة، وأروني المكتبة الخاصة بالمعهد، ولولا ذلك فقد كنت سأتجاهل هذا المبني القبيح الواقع في العقار الأول من شارع بسمارك، والذي لم أكن أعرف حتى ذلك الوقت بقية المشاكل والسلبيات التي في المبنى.

كما تلاحظون، لم تُسعفنِي إلى حد كبير دراستي حوالي أربع سنوات للإجابة على سؤال (لماذا تدرسين الاستشراق؟). ولن أتمكَّن أبدًا من الإجابة المُرضية على سؤال (لماذا؟) لكن يمكنني أن أجيب على سؤال (لماذا أواصل في دراسة الاستشراق؟).

أدرسه، لأنَّني الآن أعرف، ما وضعت شرعت فيه، ولأنني أريد إتقان العَربيّة بشكل صحيح، الفُصحى، مع لهجتين أو على الأقل لهجة واحدة أخرى. ولأنني لا أجد الموضوعات في دراستي غير مثيرة، بعدما جربتها بنفسي، وأدركتُ المباحث التي تدور حولها، وكذلك لأنني مثالية من أعماق نفسي!


[1]  تخصصات الـ (Orchideenfächern) أو ال (Kleine Fächer) سوف نترجمها بـ (أقسام البنية الصغيرة)، هي برامج دراسية تتصل بمواد ثقافية غالبًا، أو تطبيقية أحيانا، وتتعامل مع أسئلة بحثية دقيقة، وتستخدم مفهوم ما يُعرف بالمعارف أو العلوم البينية بين التخصصات المختلفة. ويكون عدد الأساتذة لها قليل نسبيًا في الجامعات مقارنة بالتخصصات الأخرى. ومن أمثلتها: دراسات الاستشراق، وعلم المصريات [الحضارة الفرعونية] والفيزياء الحيوية وغيرها من التخصصات. وهنا قائمة بأهم هذه الأقسام في ألمانيا.

[2]  الكلمة المستخدمة هنا هي (der Fetisch) والتي تعني وثن أو صنم. لكنها تستخدم بين الشباب الألماني للدلالة على المهيجات الجنسية في اللغة العامية الشابية، وهذا المعنى الثاني هو الأقرب لمراد الكاتبة، لاسيما وأنها كررت هذا المعنى في أثناء مقالاها، وهو أنها لا تدرس هذه التخصصات لأجل البحث عن رجل عربي أو تركي مثلا لصداقته.

[3]  برامج البكالوريوس في الأقسام البينية الصغيرة، كثيرًا ما يشترط معها تخصص آخر مكمّل. أي أن الطالب يدرس نصف البكالوريوس (أو أكثر أو أقل) في تخصص أولي، ثم يكمل البقيّة في تخصص آخر مساعد، وأحيانا يصل لتخصصين مكملين. ويسمونه البكالوريوس المزدوج. وبعض التخصصات تكون هي بمثابة المادة الفرعية المكملة فقط (30 نقطة من أصل 180 نقطة دراسية) ولا يمكن أن تكون بعص التخصصات هي التخصص الأساسي، ويبدو أن تخصص الجغرافيا الثقافية كان كذلك وقتها في جامعة إرلنجن نورمبرغ، رغم أنه أصبح له كتخصص مستقل الآن.

[4] هو أسبوع يتعرف فيه الطلاب على الأقسام والبرامج في الجامعة، ويحاولون الاهتداء إلى أفضل الخيارات التي تناسبهم.

[5] هذا الاسم يبدو أنه اسم لعبة ألمانية شهيرة أيضًا.

[6] يبدو أنَّ كارلا استقر بها المقام بين الاستشراق والعلوم السياسية وتركت الجغرافيا السياسية (كموضوع دراسي، وإن كانت تضاعيفه باقية في بقية دراستها).

[7] تحتوي جامعة إيلانجن نورمبرغ على معهد للدراسات الشرقية مع التركيز على نقاط بحثية عن الإسلام أو العربية أو السامية العبرية. وتحتوي الجامعة على معهد آخر للدراسات الشرعية، ويركز أكثر على الإسلام من حيث كونه دين. وتحتوي أقسام لتعليم الإسلام في المدارس وهي ضمن كليات التربية وإعداد المعلمين. وتحتوي على برنامج لدراسات الشرق الأوسط مستقل في المساحة بين الجغرافيا والعلوم السياسية والتاريخ والكفر. وتحتوي على تخصصات أخرى تتقاطع مع الدراسات الإسلامية والاستشراق، وهو ما يعني أنها جامعة غنية بالتخصصات البينية المتصلة بالإسلام والمنطقة الإسلامية وإن كان كل برنامج له نقطة بحثية مختلفة.

ومن المهم تصور بناء كل قسم من هذه الأقسام حتى يُفهم المنتجات الدراسية فيها، لكن المقام يضيق عن التفصيل هنا، وسيصدر هذا التفصيل في كتاب سيصدر قريبًا في الباب إن شاء الله.

[8] في أقسام الاستشراق هناك إلزام بتعلم لغة واحدة على الأقل مشرقية، (عربية، فارسية، تركية). وأحيانا تدخل العبرية إن كانت الدراسات السامية جزءًا من القسم. وقد تختلف اللغات من جامعة لأخرى.

[9] المقصود بتخصصٍ رئيسيّ هنا: أي تخصص فيه عدد نقاطٍ معتمدة أكثر. أي 120 نقطة من أصل 180 نقطة في البكالوريوس. فتكون هناك 80 نقطة للغتين متساويتين، و40 للتخصص المعرفي الأساسي، والبقية توزع على التخصص الآخر وكتابة الأطروحة.

[10]  اختصارات لمراكز إحصائية حكومية.

[11]  مكتب خاص باللاجئين والاندماج للأجانب يكون في كل ولاية من الولايات.

[12]  يعتبر الماستر ضمنينا جزء أساسي لا يتجزأ من حياة الطالب الجامعي في ألمانيا، فقلما يكتفي طالب بالبكالوريوس. وعلى حسب اختيار الماستر، ستكون فرص العمل التي تليه.

[13]  وجامعة إيلانجن من الجامعات التي لها اهتمام بالمسيحية الشرقية، خاصة مع بروفيسور جورج تامر.

[14]  أرى أن هذا وهم، ولا يمكن للإنسان أن يتجرد تمام التجرد من معتقداته وإن ظن هو ذلك. وإن كنت أصدقها فيما تخبر به عن نفسها، لكن هذا التصديق ليس أمارة على صدق هذا الأمر في نفسه.

[15]  هناك فروقات جوهرية بين تخصصين متصلين بدراسات الإسلام في ألمانيا وهما (Islamwissenschaft) و (islamische Theologie), وهما مصطلحان يحتاجان لبسط وشرح لمحاولة فهم الفروقات بينهما، لكن يضيق المقام هنا لهذا البسط. فالذي نحتاجه الآن أن نعرف أنَّ الأول هي أقرب للدراسات الإسلامية الثقافية، وهي التي تدرسها كالا، أما الثانية فهي أقرب للدراسات الإسلامية الشرعية. ولم أجد هذا التفريق لتخصصات الإسلام في بلدة غير ألمانية، وهو ما سيبسط توضيحه في الكتاب المشار إليه آنفًا إن شاء الله.

أعجبني المقال

المصدر
v-magazin

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال جميل ومفيد :))
    شكرًا أستاذ محمد
    لو تكرمت بمقال آخر أو منشور توضح وتفصل فيه المنح الإستشراقية والإسلامية واللغوية مع ذكر الجامعات!
    الأمر مبهم عليّ وفي نيتي ذلك قريبا إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى