عام

معنى الإنسان في الثورة الصناعية الرابعة

  • سيلفان روشون
  • ترجمة: شيخة الحربي
  • تحرير: عبد الله شعبان

ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟

من وجهة نظر بيولوجية، أن تكون إنسانًا يعني أن تحمل الحمض النووي، الذي يرمز للإنسان العاقل، إنها إجابة بديهية عندما نتحدث بمصطلحات علمية بحتة، لكن حين نسأل علماء النفس والفلاسفة، تصير الإجابة أكثر تعقيدًا، مما يعني إضافة سلوك اجتماعي، وقدرة إبداعية، وغيرها.

ومع ذلك، كم سنة تفصل بين حالة الإنسان العاقل وحالة الإنسان النابغ (الإنسان الجديد)، أو الإنسان الخارق (الإنسان السوبرمان)؟

يمنحنا التقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والهندسة الوراثية لمحة عن كيفية تطور البشر لتصميم وابتكار أشياء جديدة.

في الوقت الحالي، ينشئ علماؤنا ومهندسونا أطرافًا اصطناعية متقدمة جدًا يمكن توجيهها بأفكارنا، فكما يتصل دماغنا بأذرعنا البيولوجية؛ وتتحرك ذراعنا البيولوجية إذا قررنا ذلك في دماغنا، فالآن يتصل دماغ المريض بهذه الأذرع والأيدي الاصطناعية النموذجية الجديدة أيضًا، ويحركها بدماغه.

هل يبقى المريض الذي صار له أطراف اصطناعية بشريًا؟

سيقول معظمنا نعم.

لم تتغير شفرته الجينية؛ وما زالت هذه الأطراف بدائية من حيث التصميم والوظيفة، لذلك ما زلنا نعتبر الشخص معاقًا، ولا حاجة إلى مناقشةٍ أخلاقيةٍ كبيرةٍ، فقدْ فقدَ المريض ذراعيه البيولوجية “الجيدة” وحصل على بدائل ذات جودة أقل.

ماذا يحدث إذا تطلّعنا إلى الأمام لنقول إنه بعد 20 عامًا من الآن تلك الأذرع الميكانيكية نفسها ستكون أقوى، وأسرع، وأكثر دقة، وأكثر حساسية من نظيرتها البيولوجية؟ فهل سيصبح المعاق أفضل من الذين ما زال لديهم أطرافهم البيولوجية الأصلية؟ إن من الممكن أن يذهب الأشخاص الطبيعيون تمامًا إلى الجراح ليسبتدلوا بأطرافهم ذات الوظيفية المثالية أطرافًا إلكترونية فائقة.

بعد ذلك، قد لا يكون فقدان أحد الأطراف سيئًا أيضًا، وسيصير ذلك الأمر ليس ممكنًا فحسب، بل لا غنى عنه، وقد يستغرق الوصول إلى هذه المرحلة أكثر من 20 عامًا، لكننا قد لا نكون بعيدين جدَا عن الهدف، فهل سيؤدي خلق البشر “المحسَنين” إلى تغيير تعريفنا للإنسانية، وخلق تقسيم فرعي للبشر داخل مجتمعنا؟

تعريف الإنسان ربما يتطلب الكثير من التفكير، وربما أن تكون إنسانا يعني ما هو أكثر بكثير من الشفرات الجينية.

دعونا ننظر من زاوية مختلفة.

لقد تمكنّا من تحقيق تقدم مذهل في الهندسة الوراثية في السنوات الخمس الماضية، كان تعديل الجينات باستخدام نظام (كريسبر) محل اهتمام كبير؛ إذ يسمح لنا مركب جزيء (CRISPR-CAS9) بتغيير الجينات من التسلسل الأصلي إلى أي شيء نرغب فيه، وباستخدام تقنيات أخرى أيضًا يمكننا إدخال جينات جديدة، والتخلص من الجينات الموجودة كيميائيًا، وإزالة الجينات غير المرغوب فيها بدقة مذهلة، وقرب نهاية عام 2018، شهدنا أول أجِنّة معدلة جينيًا بفضل العالم الصيني (He Jiankui)، إذ غيَّر جينًا معينًا في الأجنّة من شأنه أن يجعل الأطفال يقاومون فيروس نقص المناعة البشرية، والأهم من ذلك، أن هذا النوع من التعديل الجيني سينتقل إلى ذرية الطفل، وكانت هذه المفاجأة الأولى التي ستسجل في التاريخ، على الرغم من أن المجتمع العلمي والمنظمين لم يتلقوا الأخبار بسعادة.

وقد أظهرت الدراسات الاستقصائية بين سكان أمريكا الشمالية دعما قويا من أجل تعديل الجينات لعلاج المرض، لكن هناك دعم ضعيف جدَا من أجل استخدام تعديل الجينات لتعزيز البشر.

يمكننا استخدام نفس التكنولوجيا والتقنيات لأي من هذين الهدفين، ويمكننا تعزيز أجسامنا البيولوجية بإدخال جينات جديدة عليها، مما يجعلنا أقوى وأكثر مقاومة للأمراض، كما يمكن استخدامها لتجديد الأطراف، ونمو أعضاء إضافية، وهلم جرا، وهذا شيء لم نفعله حتى الآن، لكن تجربة د/ جيانكوي السريرية تفتح الباب للمزيد في المستقبل، فإذا تلقيتُ جينًا يعزز قدراتي البشرية، هل ما أزال بشرًا أم تحولت إلى شيء آخر؟

 

هل يهم إذا كان التعزيز بيولوجيًا أو ميكانيكيًا؟

ماذا لو تلقيتَ كلية مصنّعة لتحل محل واحدة مريضة، أو واحدة تعاني من ضعف الأداء؟

وبما أن هذه الكلى مصنعة، فيمكن للأطباء تعزيزها لتعطيني أفضل ترشيح دم، وربما إنتاج المزيد من الأدرينالين إذا احتجت إليه عند لعب الرياضة، فهل استبدال الإنسان كليته متواضعة الأداء -لكنها صحية- بأخرى تفوقها في الوظيفة يجعله شيئا آخر غير الإنسان؟ هل يهم إذا كان التعزيز  ميكانيكيا أو بيولوجيا؟

ليس لدي إجابات على أي من هذه الأسئلة، فهذه هي جميع الخيارات التي سنناقشها في غضون الجيل القادم أو الثاني، وأعتقد أنه ينبغي لنا تشجيع مثل هذه الخيارات وتجنب فصل نوع واحد من الأشخاص عن الآخرين، فطوال تاريخنا، صنفناهم على أنهم بشر متفوقون أو لديهم رموز جينية متطابقة تقريبًا، 99,9% من الشفرة الوراثية البشرية متطابقة، ومع ذلك فعلنا أشياء فظيعة تجاه أشخاص آخرين عندما يكون الفارق الوحيد هو الجنس أو لون البشرة أوبنية العظام، ولا أعتقد أننا نريد إعادة إشعال التفريق بين جنسنا في مستقبلنا، وأعتقد على الرغم من أننا بحاجة إلى النظر إلى الإنسانية نظرة أوسع، فسيكون لدينا قريبا الوسائل غير العادية لتعزيز أنفسنا باستخدام المواد البيولوجية والاصطناعية، وأعتقد أنه من الأفضل أن نتحدث عن ذلك الآن لا في وقت لاحق.

 

دمج الذكاء الاصطناعي

في عدد من مقالاتي، أرسم صورة للذكاء الاصطناعي يكون فيها تمامًا مثل الإنسان في القدرة على أداء أي عمل، وسيظهر الذكاء الاصطناعي العام، وفقًا لخبراء الذكاء الاصطناعي، في غضون العشرين عامًا القادمة، وتوضح هذه المقالة الشكل الذي يجب أن يبدو عليه سوق العمل عام 2040 بعد ظهور الذكاء الاصطناعي العام عندما يتمتع الذكاء الاصطناعي بذكاء آلي متفوقا على مستوى الإنسان، بما يجعله قادرًا على استبدال أي إنسان في أي مهنة.

تخيل لو كان لدينا ملحقات آلية وذكاء اصطناعي متفوق، كان بإمكاننا تصنيع روبوتات تشبهنا وتتصرف مثلنا، ومع القدرة الجماعية والذكاء لأي إنسان على هذا الكوكب، يمكن للمهندسين أن يبرمجوا البعض ليكونوا أصدقاءنا وشركائنا، وفي سلسلة الخيال العلمي ستار تريك لعب كُتّاب الخيال العلمي بفكرة أن مثل هذا المخلوق يتمتع بقدرات فائقة ووعي يفوق البشر، وقد دُمِجت بيانات الشخصية جيدًا في طاقم (إنتربريس) في عالم ستار تريك لدرجة أن أقرانه كانوا ينظرون إليه على أنه شخص مثلهم تماما؛ وصحيح أنه ليس بشريًا -إذ عرفوا أنه إنسان آلي- ولكن كشخص مثلهم رغم ذلك.

كانت داتا عضوًا كاملاً في الطاقم، وضابطًا مخضرما طوال المسلسل، وكان يُنظَر إليها على أنها صديق وزميل من قِبل جميع الشخصيات الرئيسية في المسلسل، واشتهرت الشخصية بالطموح لأن تصبح أكثر إنسانية ومع ذلك كانت موضع تقدير وحب.

وفي حلقة ” The Measure of a Man “، تمر داتا وقبطانها بمحاكمة، إذ يمنح القاضي داتا الوضع القانوني الكامل مع نفس الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها أي بشري آخر، ولو كانت خسرت معركة المحكمة هذه، فما كان ليصبح لها حقوق، وكانت ستعامَل معاملة الآلة، وفي المسلسل، قيل إن هذه الشخصية لن تكون أكثر من عبد؛ وإن كان حكم القاضي مختلفًا، لكان ذلك يعني معاملة أي بناء ميكانيكي على أنه “شيء” بدلاً من شخص، بغض النظر عن مدى ذكاء أو قوة إدراك الكائن الميكانيكي، وكان من الممكن أن يعرّف الذكاء العضوي المستند إلى الحمض النووي على أنه يستحق حقوقًا أساسية أكثر من الكائنات الميكانيكية ذات الذكاء المماثل.

سنناقش هذه الاختلافات قريبًا بما يكفي، ويجب أن نخلق نفس الامتيازات القانونية قريبًا، وربما ستجري المناقشة عبر أندرويد، مثل داتا، وربما سنتناقش حول إنسان استبدل الكثير من أجزاء جسمه بأجزاء ميكانيكية، وصار غالبه كتلة معدنية، أعتقد أن المادة التي صُنِعنا بها أو منها ليست مهمة؛ فيجب أن يتمتع كل كائن بحقوق مناسبة بناءً على مستوى وعيه، أليس كذلك؟

 

البرمجة البيولوجية

يعرض فيلم الأنمي الجديد “Alita Battle Angel” مثالًا لما يمكن أن تحققه العبقرية البشرية في مجال الروبوتات وعلم التحكم الآلي، فقد كانت أليتا فتاة بشرية عادية، لكن في وقت مبكر من حياتها، حل جسم آلي محل جسدها البيولوجي، وما زال لديها عقل بشري، لكنها لا تتذكر شيئًا من ماضيها، إنها قصة مألوفة تُسرَد في قصة يابانية أصلية أخرى تسمى “The Ghost in the Shell” وفي الرواية الكلاسيكية “RoboCop”، ففي جميع الحالات الثلاث، أعيدت برمجة أدمغة البشر إلى حد ما، ومُحِيت الذكريات، وأعطتهم الأجسام الآلية قدرات مذهلة لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام الأجزاء الميكانيكية، ومع ذلك، كانوا جميعًا مزيجًا من العناصر العضوية والميكانيكية، وفي النهاية، كانوا جميعًا بشرًا بالكامل، حوَّل مُنشِؤوهم أدمغتهم البيولوجية لخلق عبيد آليين يتمتعون بذكاء مثل الإنسان، والفرق الوحيد بين ذكائهم والذكاء الاصطناعي هو أن ذكائهم كان في الأصل بشريا، فإذا كان الجزء الوحيد من الجسم الذي يحتوي الحمض النووي البشري هو الدماغ، والباقي ميكانيكي، فهل هذا المخلوق ما زال بَشرًا، أم هو شيء آخر؟

ما أقدّمه يعتمد على إعادة البرمجة؛ لأن البرمجة تحدد السلوك، فهل وجود دماغ بشري بجسم إنسان يعني أنه ما يزال يتمتع حقًا بحقوق الإنسان؟ وماذا عن الذكاء الاصطناعي العام القادر على محاكاة السلوك البشري عند تشغيل جسم الإنسان المستنسخ؟ هل هذا إنسان أم شيء مختلف؟

في المستقبل، يمكننا استخدام تقنيات الاستنساخ جنبًا إلى جنب مع الهندسة الوراثية لإنشاء أجسام DNA بشرية أعيدت برمجتها لتتصرف تصرفًا غير بشريٍ أيضًا، ويمكننا هندسة هذه الحيوانات المستنسخة لتصير بشرًا محسنًا أو روبوتات بيولوجية، وقد يكون الاختلاف الجيني بين أحد هؤلاء والإنسان الطبيعي الواعي هو 99.9٪ أيضًا، لكن نظرًا إلى أن المهندسين قد عدَّلوا التركيب الجيني للنسخة لتكون النتيجة دماغًا لديه برنامج مختلف؛ فسوف يتصرف تصرفًا غير بشريٍ، فهل سيظل هذا الروبوت البيولوجي المبرمج لغرض معين بشريًا، أم سيخسر قضيته القانونية التي تحاول تحديد ما إذا كان ما زال شخصًا أم لا؟ سنتعامل مع هذه الأسئلة في وقت قريب جدًا.

يمكن للأجسام البيولوجية المهندَسة ذات القدرات العقلية المحدودة أن تكون مفيدة في صناعات الترفيه، ويمكن أن تتمتع بنفس الحقوق مثل الروبوتات الحديثة مع تشغيل Alexa لواجهة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، ويعتمد ذلك على قدراتهم وتصميمهم، وهل وجود الحمض النووي البشري شبه الكامل يمنح هذا المخلوق الحقوق القانونية الكاملة بموجب القانون؟

 

معنى كلمة “إنسان

في ضوء كل الاحتمالات المختلفة المذكورة في هذا المقال، وكلها ممكنة في القرن الحادي والعشرين، أتساءل عن أهمية تعريف أنفسنا بشرًا، نحن فخورون بتراثنا الإنساني، ومع ذلك، سنكون قادرين قريبًا على هندسة أشكال متعددة للبشرية، باستخدام الوسائل البيولوجية والميكانيكية.

ومن المحتمل أن نبذل جهودًا لتصنيف هذه الأشكال البشرية المختلفة، وسيكافح مجتمعنا لفهم الاختلاف الذي يستحق الحصول على حقوق الإنسان، وسنكافح أيضًا مع مفهوم البشر الخارق، لكن التعزيز البشري أمر لا مفر منه.

أعتقد أننا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الحياة كنظرة عالِم حشرات، وتصنيف كل جانب حتى نتمكن من وضع كل اختلاف عجيب في المربع الصغير الصحيح، ربما يجب أن تعني كلمة “إنسان” “شخص غير معدل” وأن تستخدم مصطلحًا أوسع مثل “الكائن”، ويجب ألا نستخدم الكلمات التي من شأنها أن تفرقنا أثناء المضي قدمًا.

ومن يعلم، ربما سنلتقي بكائنات من خارج كوكب الأرض يومًا ما تكون أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء رأيناه في أفلام الخيال العلمي، سأكره إذا حاولنا تصنيفهم على أنهم أعلى أو أدنى منا، وسأكرهها أكثر إذا فعلوا ذلك بنا.

اقرأ ايضًا: التعلم المستمر، متى سيشب عن الطوق؟ “الثورة الصناعية الرابعة”

أعجبني المقال

المصدر
datadriveninvestor

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى