عام

ماذا تعرف عن “الإيجابية السامة”؟

  • نشر: THE CUT
  • ترجمة: رهام الغامدي
  • تحرير: فاطمة إنفيص
  • مراجعة: نايفة العسيري

قد يكون من الجيد جدا تشجيع شخص محبط تهتم به، أو حتى تشجع نفسك بالبقاء إيجابيا، والنظر إلى الجانب المشرق. فالشعور الجيد، هو دافع معقول، حين يكون الشخص الذي أمامك محبطا، أوغاضبا أو حزينا، فمن المتوقع أن تساعدهم للتوقف عن الإحساس بهذه المشاعر السلبية ويستعيضوا عنها بالشعور بالسعادة. وكما قد تكون هذه النصيحة مبنية على نوايا حسنة، قد تنحرف إلى مسار آخر يطلق عليه “الإيجابية السامة”. وهي ظاهرة كما وصفتها الطبيبة النفسانية غياني ديسلفا في مجلة الصحة بأنها: “إيجابية مزيفة تؤدي إلى معاناة لا حاجة لها، وسوء فهم للحياة”.

كيف يمكن للإيجابية أن تؤدي إلى “معاناة لاحاجة لها”؟، وماذا من الممكن أن نفعل حين تسيطر علينا المشاعر السلبية؟.

فيما يلي ستجد معلومات عن الإيجابية السامة تتضمن كيفية تجنبها و كيفية تقبل المشاعر السلبية التي ستؤدي إلى شعور جيد في نهاية المطاف.

كيف من الممكن أن تكون عواقب الإيجابية المفرطة سيئة إلى هذا الحد؟

الإيجابية القسرية قد تكون مضرة لك وللآخرين، لعدة أسباب، أولها: أنها تحمل في طياتها دلالة ضمنية على أن المشاعر السلبية شيء يستحق الخوف ولا تستطيع مواجهته، بدلاً من كونها ببساطة نتيجة حتمية لا يمكن تجنبها في الوجود. وهذا بدوره قد يؤدي إلى فوضى ساحقة من الميتا-عاطفة، أي الشعور الذي تشعر به بشأن مشاعرك؛ لذا فجأة، فبدلاً من التعامل مع الإجهاد والحزن الذي كنت تعاني منه في الأصل، تتعامل أيضاً مع الإجهاد والحزن الذي تشعر به إزاء الإجهاد والحزن. يالها من فوضى عاطفية مرهقة!

وقد يكون أيضاً تكتيكاً لتجنب هذا السلوك، ووسيلة للهروب من مواجهة مصدر السلبية، وهو ما من شأنه أن يجعل خوفنا وقلقنا بشأن كل ما قد يثير مشاعرنا السلبية أشد قوة. وكما قال الكاتب والعامل الاجتماعي السريري جيني مينابا لمنظمة الصحة العالمية: “قد تغلق باب الخزانة، ولكن شبح ذلك الباب يلوح في الأفق… ويتعاظم قوة في أذهاننا لأننا لا نعالج هذه المسألة على وجه التحديد”.

إن كبت هذه المشاعر قد يؤدي إلى عواقب بدنية وعاطفية خطيرة. وكما كتبت هيلاري جاكوبس هينديل، وهي عاملة اجتماعية سريرية مرخصة ومؤلفة كتاب “ليس الأمر دائما اكتئاب”، في مقال نُشِر في مجلة تايم في عام 2018: “إن الإجهاد العاطفي، مثل الإجهاد الناتج عن العواطف المكبوتة، لم يكن مرتبطاً فقط بالعلل العقلية بل وأيضاً بالمشاكل البدنية مثل أمراض القلب، والمشاكل المعوية، الصداع والأرق والاضطرابات المناعية الذاتية”.

بعض الأمثلة على “الإيجابية السامة”:

وضع مجموعة من علماء النفس، من المعالجين والمستشارين وممارسي التدريب الحياتي في فلوريدا، معا قائمة من الأعراض الخطيرة للإيجابية السامة وتشمل هذه التدابير ما يلي:

  • إخفاء شعورك الحقيقي تجاه شيء ما.
  • محاولة تجاهل المشاعر أو تجاهلها عندما تظهر حتى يتسنى لك “أن تتعامل معها فقط.”
  • الشعور بالذنب أو العار إزاء المشاعر التي تشعر بها.
  • تقليص المشاعر السلبية لدى الآخرين أو الخبرات المكتسبة من خلال عبارات مثل: “الشعور بالرضا عن الآخرين”.
  • إخبار شخص ما أن الأمر “قد يسوء” عندما يحاول أن يشاركك شعوراً سلبياً.
  • معاقبة الآخرين بسبب الافتقار إلى الإيجابية.
  • رفض المشاعر السلبية ـ سواء كانت مشاعرك أو مشاعر الآخرين- بقول “هكذا جرت الأمور”.

ما أهمية المشاعر السلبية؟

المشاعر السلبية تقدم لنا معلومات قيمة. وكما كتب الدكتور مارك براكيت، مؤسس ومدير مركز ييل للذكاء العاطفي، في كتابه الصادر عام 2019 بعنوان “إطلاق المشاعر”، فإن المشاعر الإيجابية والسلبية على حد سواء “أشبه بتقارير إخبارية من داخل نفسياتنا، إرسال رسائل حول ما يحدث داخل الشخص الفريد الذي يمثل كل منا، استجابة لأي حدث داخلي أو خارجي نختبر فيه”. إن القدرة على الوصول إلى هذه المعلومات وتفسيرها يسمح لنا باتخاذ قرارات واعية تماماً حول الكيفية التي نريد بها أن نعيش حياتنا على نحو مستمر.

ولنتأمل المثال التالي: إذا لاحظت أنك على سبيل المثال تشعر حقاً بالأذى والحزن عندما لا يرد شريكك على رسائلك، فيمكنك أن تأخذ هذه المعلومات وتتخذ قراراً بمعالجة المشكلة بطريقة تشعر أنها مناسبة لك. ربما تشارك مشاعرك مع شريكك وتطلب منه أن يكون مدركًا لاحتياجاتك، أو ربما تنظر إلى سبب لماذا عدم رده على الرسائل تسبب في إشعال هذه المشاعر القوية في داخلك وتحاول معالجة ذلك. ربما تقوم بالأمرين في نفس الوقت. ولكن لكي تتخذ هذا القرار، أياً كان، فلابد أن تكون قادراً على الاعتراف بألمك وحزنك وقبولهما في المقام الأول، بدلاً من التظاهر بأنك بخير ومتقبل أن شريكك لم يرسل إليك رسالة نصية، ولكن داخليا، تريد أن تدفن رأسك في وسادة وتصرخ حتى الإغماء.

وبمجرد أن تتمكن من جمع المعلومات عن مشاعرك السلبية، سيصبح بوسعك أن تنتهزها لاتخاذ القرارات التي لن تشعرك بنفس القدر من السوء في المستقبل،  إن تقبل مشاعرك السلبية من شأنها أن تجعلك تشعر بتحسن على المدى البعيد.

كما توصلت الدراسات العلمية إلى أن قبول المشاعر، بما في ذلك المشاعر السلبية، بدلاً من رفضها، يشكل مؤشراً مهماً للصحة العاطفية. لقد قامت دراسة أجريت في جامعة بيركلي عام 2017 ونشرت في مجلة “علم النفس الاجتماعي” بفحص الرابط بين القبول العاطفي والصحة النفسية لدى أكثر من 1300 شخص بالغ واستنتجت أن “الأفراد الذين يقبلون تجاربهم العقلية بدلاً من الحكم عليها قد يحققون صحة نفسية أفضل، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن التقبل يساعدهم على تجربة مشاعر سلبية أقل عند التعرض للضغوطات.

لقد تبين أن كيفية التعامل مع ردود الفعل السلبية هي في واقع الأمر مهمة من أجل سعادتنا بشكل عام. ولقد قال بريت فورد، الأستاذ المساعد لعلم النفس بجامعة تورنتو، الكاتب البارز في صحيفة بيركلي نيوز يقول: “إن الأشخاص الذين يتقبلون هذه المشاعر من دون الحكم عليها أو محاولة تغييرها قادرون على التعامل مع هذا الإجهاد بنجاح أكبر”.

حسنا، أنا مقتنع الآن، ولكن كيف أتجنب الإيجابية السامة إذن وأتقبل مشاعري السلبية؟

في مقال نُشِر عام 2013 للعالم الأمريكي والمعالج النفسي توري رودريغز، يوصي بتجربة تمارين اليقظة. هذه التمارين سوف تساعدك في إدراك تجربتك الحالية من دون إصدار حكم عليها”.
أما عن التعامل مع عواطف الآخرين المعقدة، مثل الارتباك أو الخوف، فقد أوصت الطبيبة النفسية مارسيا رينولدز في مقال “علم النفس اليوم” بضرورة الإصغاء إلى مشاعر الآخرين، وطرح الأسئلة، وأن لا تتسرع في الحكم عليهم بدلاً من محاولة أن تكون إيجابيا معهم وتجريد مشاعرهم العاطفية. حين تظهر أنك تهتم وتشعر بالفضول اتجاه ما يحصل للطرف الآخر، يسهّل ذلك عليهم الانفتاح. وتضيف رينولدز أنه بمجرد أن تتبدد مشاعرهم القوية، يمكنك أن ترى ما إذا كان بوسعك أن تساعدهم لاكتشاف جذر هذه المشكلة العاطفية.

“ماذا يشعرون أنهم خسروه، أو يخشون أن يخسروه، استناداً إلى الموقف؟ هل الخسارة حقيقية أم وهمية؟ ما الذي يحتاجون إليه لاتخاذ خطوة أولى إلى الأمام؟ وإذا كانوا على استعداد للتحاور، فإن هذه هي الوسيلة الأفضل للمساعدة”.

اقرأ ايضاً: الهشاشة النفسية

أعجبني المقال

المصدر
thecut

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى