فكر وثقافة

ماذا يعني النظام الاجتماعي في علم الاجتماع؟

  • د. نيكي ليزا كول
  • ترجمة: الهنوف الحازمي
  • تحرير: ياسمين قلاتي

النظام الاجتماعي (Social Order) هو مفهوم أساسي في علم الاجتماع، يشير إلى طريقة عمل العناصر المختلفة في المجتمع بعضها مع بعض للحفاظ على الوضع الراهن. ويتضمن ما يلي:

  • النظم والمؤسسات الاجتماعية.
  • العلاقات الاجتماعية.
  • التفاعلات والسلوكيات الاجتماعية.
  • السمات الثقافية، مثل: العادات والمعتقدات والقيم.

التعريف

غالباً ما يستخدم الناس خارج مجال علم الاجتماع مصطلح “النظام الاجتماعي” للإشارة إلى حالة من الاستقرار والتوافق التي تظهر عند غياب الفوضى والاضطراب، لكن لدى علماء الاجتماع فهم أكثر تعقيدا للمصطلح.

 أما تعريفه في علم الاجتماع فهو يشير إلى تنظيم العديد من أجزاء المجتمع المترابطة. يتحقق النظام الاجتماعي عندما يوافق الأفراد على إبرام عقد اجتماعي مشترك ينُص على قواعد محددة وقوانين يجب الالتزام بها، ومعايير وقيم وعادات معينة يجب الحفاظ عليها.

يمكن ملاحظة النظام الاجتماعي داخل المجتمعات القومية والمناطق الجغرافية والمؤسسات والمنظمات والمجتمعات والمجموعات الرسمية وغير الرسمية، وحتى على نطاق المجتمع العالمي.

ضمن كل ذلك، النظام الاجتماعي هو في الغالب ذو تسلسل هرمي، فبعض الناس يكون أكثر قدرة على الإمساك بزمام السلطة، حتى يتسنى لهم فرض قوانين وأنظمة ضرورية من أجل المحافظة على النظام الاجتماعي.

الممارسات والسلوكيات والقيم والمعتقدات التي تتعارض مع النظام الاجتماعي توضع عادةً في إطار الشذوذ، أوالإنذار بالخطر، ويجب تقليصها وقمعها من خلال إنفاذ القوانين والأنظمة والعادات.

العقد الاجتماعي

إن الاهتمام بكيفية تحقيق نظام اجتماعي والحفاظ عليه أظهر لنا مجال علم الاجتماع.

وضع الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (Thomas Hobbes) في كتابه “ليفياثان” (Leviathan) الأساس لاكتشاف هذه المسألة في العلوم الاجتماعية، وقد أدرك أنه من دون بعض أشكال العقد الاجتماعي لن يكون هناك مجتمع وقد تسود الفوضى والاضطراب.

وفقاً لِهوبز فإن الدول الحديثة قامت بالأساس لتوفير نظام اجتماعي، حيث يتفق الناس على تمكين الدولة من أجل فرض سيادة القانون، وفي المقابل يتخلون عن جزء من حريتهم. وهذا هو جوهر العقد الاجتماعي الذي هو أساس نظرية هوبز للنظام الاجتماعي.

مع تحول علم الاجتماع إلى مجال الدراسة الأكاديمية، أصبح المفكرون الأوائل مهتمين اهتماماً بالغاً بمسألة النظام الاجتماعي.

كان كارل ماركس (Karl Marx) وإميل دوركايم (Emile Durkheim) من أبرز المؤسسين الذين صبوا اهتمامهم على التحولات الملحوظة التي ظهرت قبل وأثناء حياتهم، بما في ذلك التصنيع والتوسع العمراني وتراجع الدين عن كونه قوة مهيمنة في الحياة الاجتماعية. ومع ذلك فقد كان لهذين المُنَظِّرَيْن وجهات نظر معاكسة حول كيفية تحقيق النظام الاجتماعي والحفاظ عليه وكيفية تحقيق هذه الغاية.

نظرية دوركايم

من خلال دراسته لدور الدين في المجتمعات البدائية والتقليدية، تكون لدى عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم (Emile Durkheim) اعتقادا بأن النظام الاجتماعي ينشأ من المعتقدات والقيم والعادات والممارسات المشتركة لمجموعة معينة من الناس. وتحدد وجهة نظر دوركايم أصول النظام الاجتماعي في الممارسات والتفاعلات في الحياة اليومية، بالإضافة إلى تلك المرتبطة بالطقوس والأحداث المهمة، باختصار فإن دوركايم قدم نظرية في النظام الاجتماعي تضع الثقافة في المقدمة.

افترض دوركايم أنه من خلال الثقافة المشتركة بين جماعة أو طائفة أو مجتمع ينشأ التواصل الاجتماعي (Social connection) -وهو ما يسميه بـ”التضامن” (Solidarity)-الذي يظهر بين الناس. وقد نجحت الثقافة في الربط بينهم ضمن إطار اجتماعي.

يشير دوركايم إلى مجموعة المعتقدات والقيم والسلوكيات والمعرفة التي تتشاركها مجموعةٌ ما بـ”الوعي الجمعي” (collective conscience)، ولاحظ أن مشاركة هذه الأمور في المجتمعات البدائية والتقليدية كان كافياً لإنشاء “تضامن آلي”(mechanical solidarity) يربط المجموعة بعضها ببعض. أما في المجتمعات الكبيرة والمتنوعة والمتحضرة في العصور الحديثة، فقد لاحظ دوركايم الإقرار بضرورة الاعتماد على بعضهم بعضا لتحقيق الأدوار والوظائف المختلفة التي تربط بعضهم ببعض وهو ما يسميه بـ”التضامن العضوي” (organic solidarity).[1]

وقد لاحظ دوركايم أيضاً بأن المؤسسات الاجتماعية -مثل الدولة ووسائل الإعلام والتعليم وإنفاذ القوانين-تؤدي دوراً هاماً في تعزيز الوعي الجمعي في كلا المجتمعين التقليدي والحديث.

وفقاً لدوركايم نحن نشارك في الحفاظ على القوانين والعادات والسلوكيات التي ستمكن أداء المجتمع بسلاسة من خلال تفاعلاتنا مع المؤسسات والناس من حولنا. بمعنى آخر نحن نعمل معا للحفاظ على النظام الاجتماعي.

أصبحت وجهة نظر دوركايم الأساس للاتجاه الوظيفي[2] (functionalist perspective) في علم الاجتماع، والذي يَعْتَبِر المجتمع أجزاء مترابطة ومتشابكة تتطور سويا للحفاظ على النظام الاجتماعي.

نظرية ماركس النقدية

اتخذ الفيلسوف الألماني كارل ماركس (Karl Marx) وجهة نظر مختلفة عن النظام الاجتماعي، مُركّزاً بذلك على التحول مما قبل الرأسمالية (pre-capitalist) إلى الاقتصادات الرأسمالية (capitalist economies) وتأثيرها على المجتمع. ولقد طور نظرية في النظام الاجتماعي تتمحور حول الهيكل الاقتصادي للمجتمع وأيضاً العلاقات الاجتماعية التي ينطوي عليها إنتاج السلع.

يعتقد ماركس بأن هذه الجوانب من المجتمع كانت مسؤولة عن إنتاج النظام الاجتماعي، بينما جوانب أخرى -بما فيها المؤسسات الاجتماعية والدولة-كانت مسؤولة عن الحفاظ عليه. وأشار إلى هذه العناصر المكونة للمجتمع بـ “البنية التحتية”[3] (base) و”البنية الفوقية”[4] (superstructure).

يقول ماركس في كتاباته حول الرأسمالية بأن البنية الفوقية منبثقة من البنية التحتية وتعكس مصالح الطبقة الحاكمة التي تتحكم فيها، في حين تحدد البنية الفوقية كيفية عمل البنية التحتية، وبذلك فهي تبرر سُلطة الطبقة الحاكمة ومع بعضهما -البنية التحتية والبنية الفوقية- تُنْشِئان النظام الاجتماعي وتحافظان عليه.

من خلال ملاحظاته للتاريخ والسياسة، استنتج ماركس أن التحول إلى اقتصاد صناعي رأسمالي في جميع أنحاء أوروبا خلق طبقة من العمال كانوا مُستَغَلين من قبل مالكي الشركات ومُمَوّليها، وكانت النتيجة هي مجتمع قائم على التسلسل الهرمي حيث أقلية صغيرة لها سُلطة على الأغلبية، تستخدمهم لتحقيق مكسب مالي خاص. كان ماركس يؤمن بأن المؤسسات الاجتماعية كانت تعمل على نشر قيم ومعتقدات الطبقة الحاكمة للحفاظ على النظام الاجتماعي وهذا من شأنه أن يخدم مصالحهم وينمي سُلطتهم.

نظرية ماركس النقدية للنظام الاجتماعي هي أساس “نظرية الصراع الطبقي” (conflict theory perspective) في علم الاجتماع والتي تعتبر النظام الاجتماعي في حالة غير مستقرة تشكلها الصراعات المستمرة بين الطبقات التي تتنافس على الوصول إلى الموارد والطاقة.

مزايا كل نظرية

بينما يؤيد بعض علماء الاجتماع نظرية دوركايم أو ماركس للنظام الاجتماعي، يدرك معظمهم أن كلا النظريتين لها ما يميّزها، فيجب الإقرار بالفوارق الدقيقة في نظرتهم للنظام الاجتماعي والذي يكون نتاج عمليات متعددة ومتناقضة في بعض الأحيان.

النظام الاجتماعي هو عنصر ضروري لأي مجتمع وهو أمر بالغ الأهمية لبناء الشعور بالانتماء والاتصال بالآخرين، وهو في الوقت نفسه مسؤول أيضًا عن ظهور الاضطهاد وبقائه.

من أجل أخذ صورة واضحة لكيفية بناء النظام الاجتماعي، يجب أن تؤخذ جميع هذه الجوانب في عين الاعتبار.


[1] ميز دوركايم في تقسيم العمل الاجتماعي نوعي تضامن اجتماعي اللذين يقابلان منوالين اجتماعيين تبعا لهما، تنتظم العلاقات بين الفرد والمجتمع: التضامن التلقائي (أو الآلي) الذي يستند إلى تشابه العناصر المكونة للمجتمع، والتضامن العضوي الذي يستند إلى تمييز بين المهمات والأفراد الذين ينجزونها. (من كتاب دروب علم الاجتماع لمحمد أمطوش ص179) (المحرر)

[2] النظرية الوظيفية أو الاتجاه الوظيفي في علم الاجتماع هو اتجاه قديم حديث ولا نكاد نجد باحثا في علم الاجتماع إلا ظهرت في أعماله خصائص هذا الاتجاه. (من كتاب علم الاجتماع لعبد الله العبد النبالي ص130) (المحرر)

[3] البنية التحتية هي علاقة الإنتاج التي تتشكل بحسب طبيعة وسائل الإنتاج.

[4] البنية الفوقية تتكون من الدين والأخلاق والآداب والفن وعلم النفس والآراء والعقائد السياسية والاجتماعية والأيديولوجيا، وهي جميعا وليدة وسائل الإنتاج.

(من كتاب تطوير الثقافة: دراسة اجتماعية في مفهوم التنمية الثقافية عند علي شريعتي لفيروز راد وأمير رضائي تر: أحمد الموسوي ص113) (المحرر)

أعجبني المقال

المصدر
thoughtco

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى