فكر وثقافة

نقاط مرجعية: ما هي ما بعد النسوية؟

  • نشر: Sciences Humaines
  • ترجمة: زيد أولادزيان
  • تحرير: غادة الزويد

يمكن اعتبار أن ما بعد النسوية يضم كل ما يأتي بعد النسوية التقليدية لسنوات 1970. إنه لا يمثل مصطلحا محددا بوضوح، فهو عبارة عن مجموعة من المواقف التي تقع ضمن استمرارية النسوية، حيث تعبّـر عن حرية واستقلالية المرأة.

  • على الصعيد الاجتماعي:

“ما بعد النسوية” يتجلى من خلال سلسلةٍ من المواقف المُتّخذة من طرف الأجيال الجديدة من النساء، المثقفات والنسويات منهن غالبًا. هؤلاء النساء يطالبن بحريتهن من خلال مجموعة من خيارات الحياة، مثل هذا النوع من “الفتاة العليا” Top girl، على وعي تام بالنظريات النسوية، اللواتي يشاركن في مباريات الجمال؛ الفتيات العازبات اللواتي ينخرطن في أندية الحياكة؛ هؤلاء النساء اللواتي اخترن أن يكن ربات بيوت -على الرغم من امتلاكهن الإمكانية والمهارات المطلوبة للعمل- أو هؤلاء المسلمات اللواتي اخترن ارتداء الحجاب مع استحضار حرية ضميرهن و “حق التصرف في الجسد” في نفس الوقت.

  • على الصعيد الفلسفي:

ما بعد النسوية يمكن أن يشير إلى تيارات فكرية تتجاوز النسوية التقليدية التي سادت حتى سنوات 1970.

النسوية التقليدية كانت تميز بين الجنس (البيولوجي) والنوع (الأدوار الذكرية والأنثوية كبناء اجتماعي).

بالنسبة للفلسفات ما بعد النسوية، التفكير بمنطق “النوع” (ذكر وأنثى) يظل بقاءً في إطار ثنائيّةٍ. ما بعد النسوية الفلسفية تؤكد على تنوُّع الأوضاع والتوجُّهات الجنسية. على مستوى التوجه الجنسي، يمكن أن يكون الشخص مغاير الجنس[1]، مثلي الجنس، أو ثنائي الجنس[2]. على المستوى البيولوجي، يمكن أن يكون ولداً، بنتاً، خنثى، أو، لِمَ لا، تجربةُ تحوُّلات لا نهائيّةٍ من خلال استخدام العقاقير أو الأعضاء الاصطناعية من كل نوع.

من ميشيل فوكو، نأخذ نقد الكونيّة الإنسانية، التي هي في الواقع الصورةُ المستتِرة للسلطة الذكورية، ومن جاك دريدا نأخذ فكرة التفكيك: التفكير بمنطِق «النوع» (الذكر والأنثى) لا يزال بقاءً في إطارِ الثُّنائية. في حين أن “ما بعد النسويّ” هو “ما بعد-جندر”: يجب تجاوُز الأنواع الذكر والأنثى كفئاتٍ ثابتةٍ.

  • ما وظيفة ما بعد النسوية؟

ازدهار ما بعد النسوية –الاجتماعية والفلسفية– يعكس تحوُّلاتٍ اجتماعيّةً بارزةً لمجتمعاتنا: الأدوار الاجتماعية الذكرية والأنثوية أقلُّ وضوحاً، التوجُّهات الجنسية غير التقليدية تمّ الاعتراف بها، بل وتعزيزُها. يمكن أن نكون اليوم ما بعد نسويّين دون تبنّي كلِّ راديكالية الفلسفات ما بعد النسوية. مثل راديكالية جوديث بتلر التي تذهب لدرجة القول بأن الاختلاف ذكر/أنثى ليس سوى نتيجةٍ للُغة أدائيّة (langage performatif)[3]، والتي تصنع الأولاد أو البنات فقط بقوة الكلمات. (اقرأ أسفله)

  • شخصيات بارزة:

– جوديث بتلر ونظرية أحرار الجنس (Queer Theory):

جوديث باتلر هي الشخصية البارزة لنظرية أحرار الجنس (théorie queer). وُلدت حركة أحرار الجنس داخل المنظمات مثل Act Up، ووصلت إلى الأوساط الأكاديمية عبر دراسات المثليين والسحاقيات. تقترح حركة أحرار الجنس تقويضَ قواعدِ الجنس: مثليّي الجنس، سحاقيات، ثنائيي/ثنائيات الجنس، متحولي الجنس (transgenres)، ترافستي (Travestis)[4]، دراق كوين (Drag Queens)[5]… هذه الأنواع يمكن أن تكون مُتَبنّاةً ليس حسب الأفراد فقط، بل أيضا حسب مراحل الحياة. النظرية queer ترفض ثبات القواعد الجنسية (رجل، امرأة، مغاير الجنس، مثلي الجنس).

– دونا هاراوي والمرأة السايبورغ (la femme cyborg)[6]:

من طُرُق تجاوز النسوية الإقرار بأن حالة الإنسان نفسها هي في الطريق إلى أن تكون متجاوزة. تتصور دونا هاراوي، كاتبة بيان سايبورغ (Manifeste cyborg)، أنه سيكون خلال الأزمنة القادمة وجود كائنات هجينة نصف-بشرية، نصف-آلية، كايميرا (chimère)[7] حيوان-إنسان، أفراد رجال-نساء أو بجنس غير محدَّد.

 

ملاحق:

النسوية

– النساء متساويات مع الرجال:

تشكّلت الحركة النسوية التقليدية حول المطالبة بالمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء: المساواة القانونية، والاجتماعية -في الدراسة والعمل- هذه المطالبة بالمساواة في الحقوق كانت في الغالبِ مصحوبةً بنقد عدم المساواة الطبيعية (باختصار: النساء هنّ أيضا ذكيّات مثل الرجال). الفكرة الأخرى المفتاحية هي أن الأنثويّةَ بناءٌ اجتماعي، والتّي تختصرها العبارة: «لا نولد نساء، بل نصبح نساء» (سيمون دو بوفوار). وهذا التيار كان سائداً في فرنسا.

– اختلاف راديكالي بين الجنسين:

وُلدت النظرية الاختلافية (La théorie différentialiste)[8] في بداية رفض التحليل النفسي. ترفض اللغويّة والمحلّلة النفسية لوس إيريجاري –مع هيلين سيكسوس وجوليا كريستيفا– التحليل النفسي باعتباره تخصصًا بطرياركيا، وتشجُب الإمبريالية الذكورية للفلسفة الغربية. إن بحثها عن أخلاق جديدة للعلاقات الجنسية لقي صدًى قويًّا عند الممثّلات الأمريكيات لما يسمى على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، بالنسوية الفرنسية (French feminism).

يؤكّد الاختلافيّون على اختلاف طبيعي بين الرجال والنساء واختلاف في التعامل بين الجنسين.

 

دراسات الجندر:

ابتداء من سنوات 1980، تتمحور الأبحاث عن النساء حول مفهوم الجندر، الذي يُفهم على أنه البناء الاجتماعي للاختلاف بين الجنسين. كيف شاركت تمثيلات كل من الجنسين في الهيمنة الذكورية، عدم المساواة في المجتمع، والاستبعاد السياسي للمرأة… إلخ؟

في الولايات المتحدة ثم في فرنسا وفي دول عديدة، نشهد انفجاراً للأبحاث التي تحلّل الاختلافات في التعامل مع الرجال والنساء، في كل مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية: التاريخ، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم النفس والتحليل النفسي، الاقتصاد، علم السياسة، الجغرافيا، أو كذلك الأبحاث متعددة التخصصات.

بالتوازي، تثير دراسات الجندر تيارات بحث جديدة:

– دراسات الرجال (حول بناء الذكر والرجولة).

– دراسات المثليين والسحاقيات (حول المثلية).

– دراسات أحرار الجنس (queer studies).

في الولايات المتحدة، مجموعُ الدراسات الثقافية cultural studies هي التي خلقتها إشكاليةُ الجندر في نهاية المطاف.


[1] – مغايِر الجنس (Hétérosexuel): الذي له ميل للجنس الآخر المختلف عن جنسه، وهي الحالة الطبيعية. (المترجم)

[2] – ثنائيّ الجنس (Bisexuel): الذي يميل للجنسين معا. (المترجم)

[3] – يُقصد باللغة الأدائية، حين تستطيع علامات اللغة (الكلمات والجمل والأفعال…) أن تحقّق ما تعبّر عنه في الواقع الخارجي. أي أنّ استعمال اللغة يصنع الواقع الاجتماعي. (المترجم)

[4] – Travesti: ليس لها ترجمة محددة، تُرجمت على ويكيبيديا بـ “لبسة الجنس الآخر”، وتعبّر عن الأشخاص الذين يميلون للتصرُّف بطريقة ترتبط بالجنس الآخر في المظهر والأسلوب. (المترجم)

[5] – Drag queen: هم في الغالب الرجال الذين يقلّدون النساء في المظهر من خلال ارتداء ملابس نسائية ووضع المكياج والتعامل بأنوثة مبالغ فيها، وذلك لأغراض كثيرة، منهم من يمتهن الدراق كوين للحصول على المال بالخروج للحانات والملاهي الليليّة، ومنهم من يستعملها كطريقة للتعبير عن الذات أو لأداء أدوار فنية وكوميدية… ولهذا الأسلوب ارتباط بالمثلية الجنسية. (المترجم)

[6] – Cyborg: أي نصف-بشريّة نصف-آليّة. المصطلح مشتق من (سيبراني) بمعنى إلكتروني. (المترجم)

[7] – كايميرا: ليس له مقابل في اللسان العربي، يمكن وصفه بأنه كائن بشري خيالي هجين. (المترجم)

[8] – النظريّة الاختلافيّة: ليس لها ترجمة عربيّة محدّدة، وتوصف أحيانا بنسويّة الاختلاف. والاختلافيّة أكثر عموميّة من نسويّة الاختلاف، فهي تيار فكري يعتقد وجود اختلاف طبيعي وأساسيّ بين كل المجموعات والأنواع مهما كانت. والتيار النسويّ الاختلافي يتبنّى معنى خاصّا هو فكرة وجود اختلاف طبيعي بين الجنسين. (المترجم)

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى