الفلسفة

ما الفلسفة؟

شذرات حول الملِكة القديمة للعلوم

  • أندريا بورجيني
  • ترجمة: ذيب عبد الله الأكلبي
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

 

في البدء:

تعرف الفلسفة لغويًا بــ “حب الحكمة” ثم يختلف الفلاسفة بعد ذلك في تعريفها الاصطلاحي كل بحسب أصوله وتوجهه.

ويبدأ التفلسف كما قال ألفريد نورث وايتهيد: الفلسفة تبدأ بالتساؤل. وبعد أن يطيل المتفلسف النظر في المسألة ينتهي به الأمر إلى مزيدٍ من الحيرة والتساؤل ([1]).

، وعلى هذا الأساس كان معظم الفلاسفة القدماء يعلمون تلاميذهم بما فيهم أفلاطون وأرسطو وصاحب كتاب داوديجنغ ([2]).

لكن ما الذي يميز التساؤل الفلسفي؟ وكيف نصل إليه؟ وكيف نتعامل مع الكتابة والقراءة في الفلسفة؟ ولماذا ندرس الفلسفة؟

الفلسفة كجواب:

يرى البعض أن هدف الفلسفة هو تكوين نظرة منهجية للعالم، فتعتبر فيلسوفا حينما تجد مرجعًا لكل حقيقة في الأرض أو في السماء، فالفلاسفة قاموا بتقديم نظريات منهجية للتاريخ وللعدالة وللدولة وللحب ولطبيعة العالم وللمعرفة وللصداقة وهلم جرا؛ والانخراط في التفكير الفلسفي طبقًا لهذا المنطلق هو بمثابة أن تقوم بترتيب منزلك لاستقبال ضيف ويكون كل شيء موضوعًا بتناسق ويكون هناك سبب لوضعه في هذا المكان، وتكون الغرف منظمة وفقا لمنهج معين، فالمفاتيح توضع في السلة والملابس لا يجب أن تبقى مبعثرة إلا إن كانت ستستخدم وكذلك الكتب.

المبادئ الفلسفية:

من خلال ما سبق يتبين لنا أن الفلاسفة المنهجيين لديهم مبادئ مهمة تساعدهم في تكوين نظرتهم للعالم. هيجل على سبيل المثال كان معروفًا بجدليته ذات المراحل الثلاث -الدعوى ونقيضها ومن ثم التأليف بين الطرفين- على أن هيجل لم يذكر هذه التعبيرات صراحة. بعض المبادئ تكون محددة لفرع مثل مبدأ العلّة الكافية “وأن كل شيء لا بد له من سبب” وهذا المبدأ يعود إلى الميتافيزيقا.

وثمة مبدأ في الأخلاق مثير للجدل هو مبدأ المنفعة، الذي دعا له (أنصار العواقبية) فأفضل سلوك أو تصرف “هو الذي يحقق أعلى استفادة ممكنة”.

ونظرية المعرفة تتركز حول مبدأ الإغلاق المعرفي الذي يقول: “إذا كان هناك شخص يعرف س ويكون س يقتضي ص فإن هذا الشخص يعرف ص أيضا”

الإجابة الخاطئة:

هل الفلسفة المنهجية مقدر لها الفشل؟

بهذا يؤمن البعض؛ ويرى البعض أن الأنظمة الفلسفية قد تسببت في الخراب! فعلى سبيل المثال فلسفة هيجل التاريخية؛ فقد استُخدمت فلسفته لتبرير الدول القومية والسياسات العنصرية.

وعندما حاول أفلاطون أن يطبق أفكاره التي خرجت في كتاب الجمهورية على مدينة سيراقوس فشل فشلًا ذريعًا؛ وحيث أن الفلسفة لم تسبب دمارًا، إلا أنها مع الوقت نشرت أفكارًا مزيفة وحفزت مجادلات غير مفيدة وهكذا قادت المبالغة في اتباع الأسلوب المنهجي إلى نظرية الروح الملائكة وطرح أسئلة على غرار: “كم عدد الملائكة الذين يمكن لرأس الإبرة أن يسعهم!؟”

الفلسفة كسلوك:

والبعض يأخذ منحى آخر، فبالنسبة لهم لا تكمن الفلسفة في الإجابات بل في الأسئلة، فالتساؤل الفلسفي منهجية؛ ولا يهم الموضوع الذي تتم مناقشته ومخرجات هذا النقاش، [إنما المهم هو إبداع السؤال.]

إن الفلسفة تنطوي حول الموقف الذي نتخذه منها، فهي ذلك السلوك الذي يدفعك للتساؤل حتى عن أوضح الواضحات مثل:

لماذا هناك فجوات على سطح القمر؟ ما سبب المد والجزر؟ ما الفرق بين الكائن الحي وغير الحي؟ في زمن من الأزمان كانت هذه الأسئلة هي الأسئلة الفلسفية، والتساؤلات التي تثيرها هي التساؤلات الفلسفية.

ماذا يستلزم الأمر ليصبح المرء فيلسوفاً:

في وقتنا الراهن يتواجد معظم الفلاسفة في المجال الأكاديمي، ولكن بكل تأكيد لا يحتاج المرء أن يكون أستاذًا جامعيًا ليصبح فيلسوفًا، فهناك العديد من الشخصيات المهمة عبر تاريخ الفلسفة كانوا يعملون في وظائف أخرى غير التدريس؛ فعلى سبيل المثال: باروخ سبينوزا، كان صانع نظارات، وغوتفريد لايبنتس كان يعمل كدبلوماسي من بين عدد من الوظائف التي كان يشغلها، وكانت وظيفة ديفيد هيوم معلماً ومؤرخاً؛ وهكذا سواء كانت لديك نظرة منهجية للعالم، أو كان لديك الموقف الصحيح منها، فربما يكون لديك أمل في أن تدعى فيلسوفا! ولكن على المرء أن يعرف أن كون الشيء جذابًا لا يعني أنه دائمًا يحمل سمعة طيبة.

ملِكة العلوم؟

أكد الفلاسفة المنهجيين الكلاسيكيين من أمثال أفلاطون وأرسطو وديكارت وهيجل بجرأة، أن الفلسفة لها اليد العليا على كل العلوم؛ وأيضًا من بين أولئك الذين يرون الفلسفة كمنهج ستجد العديد منهم يعتبرونها كمصدر أساسي للمعرفة.

ويبقى السؤال: هل حقًا علم الفلسفة أبو العلوم؟

إنه لمن المعلوم أن الفلسفة قد لعبت فيما مضى دور البطولة ولكن في وقتنا الحالي سيبدو هذا الرأي ضربًا من ضروب المبالغة.

وبتواضع أكثر فإن الفلسفة ربما تقدم مصادر مهمة للتفكير في الأسئلة الأساسية، وهذا يعكس على سبيل المثال الانتشار العالي للاستشارات الفلسفية والمقاهي الفلسفية ويفسر أيضًا النجاح الكبير الذي تتمتع به التخصصات الفلسفية في سوق العمل.

فروع الفلسفة:

إن العلاقة العميقة والمتعددة بين الفلسفة والعلوم الأخرى لهي جلية للناظر في فروعها.

ولدى الفلسفة مجالات مهمة منها:

الماورائيات والأبستمولوجيا والأخلاق وعلم الجماليات والمنطق؛ ولهذه المجالات ينطوي عدد كبير من الفروع، فالبعض من هذه الفروع يكون عامًا مثل الفلسفة السياسية وفلسفة اللغة وفلسفة العقل وفلسفة الدين وفلسفة العلوم؛ والأخرى تكون محددة أكثر مثل فلسفة الفيزياء والفلسفة الحيوية وفلسفة الغذاء وفلسفة الثقافة وفلسفة التعليم وفلسفة الأنثروبولوجيا وفلسفة الفن وفلسفة الاقتصاد والفلسفة القانونية والفلسفة البيئية وفلسفة التكنولوجيا، وغير ذلك..

ويعد البحث الثقافي المعاصر المتخصص أحد المؤثرين على الفلسفة وفروعها أيضا.

اقرأ ايضاً: مَدخل إلى فهم الإله الفلسفي أو في شَطبِ إله العَدميين


[1] أن تكون الحيرة والمزيد من التساؤل، نتيجة التساؤل، ليس على إطلاقة، ولو كان كذلك لما وصلت إلينا أعمال كثير من الفلاسفة المتناسقة المطردة المبنية على أصول وقواعد، فالحيرة لا تولد العلم، بل تفقد الإنسان قواه الإبداعية.. (المحرر)

[2] كتاب لمؤسس الديانة الطاوية.

المصدر
thoughtco

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق