الفلسفة

ماهي الفلسفة القارية؟

مقابلة مع إدوارد بارينج

  • جونثان كاتلين
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: عبير الغامدي

إدوارد بارينج هو أستاذ مشارك في التاريخ الأوروبي الحديث بجامعة درو Drew University، وهو مؤلف الكتاب الذي ظهر مؤخراً “التحول إلى الواقع : موجة الكثلكة ونشأة الفلسفة القارية” (Converts to the Real : Catholicism and the Making of Continental Philosophy) يتضمن الفصل الأول مناقشات حول مقاله: (Ideas on the Move: Context in Transnational Intellectual History)، المنشور مسبقًا عام 2016 في مجلة (history of idea) -يمكن الاطلاع على مقتطفات من الكتاب في مجلة (Church Life Journal)- كما أنه مؤلف كتاب “دريدا الشاب والفلسفة الفرنسية” (The Young Derrida and French Philosophy 1945-1968) الذي فاز بجائزة (Morris D. Forkosch) المقدمة من قِبل مجلة History of ideas، وقد أجرى المحرر جوناثن كاتلين (Jonathon Catlin) مقابلة معه حول كتابه الأخير.

جونثان كاتلين: أنا أريد أن أبدأ بسؤال مركزي حول كتاب “التحول إلى الواقع”: ماهي الفلسفة القارية؟ بما أنك تظهر أن المصطلح أصبح سيء السمعة ومتخمًا بالتناقضات، وهذا ملاحظ لدى العديد من الفلاسفة التحليليين الرئيسيين مثل (فريجه”Frege” – فيتجنشتاين” “Wittgenstein- كارناب “Carnap”) الذين ولدوا وترعرعوا في وسط أوروبا. وغالبًا فإن الفلاسفة المعاصرين يحاولون الفصل بين الازدواج الحاصل بين الفلسفة القارية والتحليلية؛ على سبيل المثال: سيمون كريتشليSimon) Critchley) كتب عن هذه التصنيفات قائلاً: “إلى حد كبير، فإن وصف الطوائف لذاتها ما هو إلا نتيجة لإضفاء الطابع الاختصاصي لهذا الاتجاه” خاصةً في العقود الأخيرة. يظهر التاريخ الفكري أن هذه التصنيفات ليست خاطئة بقدر ما تعبر عن حقبة تاريخية، كما قد كتب البطل القاري نيتشه (Nietzsche) ذات مرة عن هذا المفهوم “الشيء الذي نستطيع تعريفه هو الشيء الذي ليس له تاريخ”، وكتابك يجيب على هذا السؤال ولكن إجابته ليست بتعريف، إنما عن طريق رواية قصة تعزو ظهور مدرسة الفينومينولوجيا أو الظاهراتية phenomenology في جنوب غرب ألمانيا إلى كونها قوة عظمى. “يمكننا أن نتحدث عن الفلسفة القارية” كما استنجت أنت، مادام أن الشبكات نشرت الأفكار الفينومينولوجية وشملت بشكل فعلي القارة الأوروبية. كيف تتناول أنت هذا المصطلح؟

كتاب إدوارد بارينج (convert to real) (مطبعة جامعة هارفارد ، 2019)

– إدوارد بارينج: لست مهتمًا بمصطلح “الفلسفة القارية” في حد ذاته، والذي -كما قلت- يعتبر مشكلاً جدًا, ولم يُستخدم من قِبل الكتّاب الذين درستهم. مع ذلك سأبدأ به بسبب الطريقة التي يشير بها إلى أحد أروع خصائص الفلسفة الأوروبية في القرن العشرين وهي: السرعة التي تشكل بها علم الفينومينولوجيا، خصوصًا عند إدموند هوسرل (Edmund Husserl) ومارتن هايدجر (Martin Heidegger)، وما تبعه من انتشار عبر أوروبا, مما أعاد تشكيل التقاليد الثقافية فيها. في فترة ما بعد الحرب نجد علماء الفينومينولوجيا في كل مكان: جان باتوكا (Jan Patočka) في تشيكوسلوفاكيا، رومان إنجاردن (Roman Ingarden) في بولندا، إنزو باسي (Enzo Paci) في إيطاليا، وكذلك بالطبع جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) وسيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir) في فرنسا. وهذا النجاح مدهش، ليس فقط لأن مؤسسات أوروبا الأكاديمية منقسمة بحدة سياسيًا، ولغويًا، ولكن أيضًا لأن المؤيدين الرئيسيين للفينومينولوجيا في ألمانيا لم يجتهدوا في نشرها عالميًا. على الرغم من أن هوسرل قد عاش على بعد 8 أميال من فرنسا، إلا أنه لم يحاضر فيها سوى مرة واحدة في حياته. ومارتن هايدجر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي قد عرف على أنه عضو في الحزب النازي. يجب أن نتعامل مع هذه المعضلة وهي: أن جميع التقاليد الفلسفية التي كان يمكن أن تكتسب زخمًا في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كانت فلسفات ألمانية، والتي كانت -ميولها السياسية- على الأقل مشبوهة. كما قد قلت في الكتاب، فإن مصطلح “الفلسفة القارية” يخفي معضلة تاريخية على مرأى من الجميع.

 

– جونثان كاتلين: كتابك متعدد الجنسيات بشكل مثير للإعجاب، بما في ذلك المفكرين والمصادر من إسبانيا وإيطاليا وبولندا وكذلك فرنسا وألمانيا وبلجيكا ، والتي تعتبر بشكل أساسي: بلدان ذات تراث كاثوليكي قوي. فهيرمان فان بريدا (Herman Van Breda) وحده قد ترك وراءه رسائل مكتوبة بست لغات، وموقع أرشيف هوسرل الذي أسّسه في بلجيكا سهل الاتصالات الدولية بالفرنسية والهولندية والألمانية. لكن الفلسفة الأوروبية في مطلع القرن العشرين ، التي تناولها كتابك ، كانت إقليمية ووطنية؛ فقد انشقت جمهورية الآداب اللاتينية في القرنين السابع والثامن عشر إلى لغات عامية، وظلت الجامعات الوطنية تقاوم تيارات الفكر الجديدة؛ في خضم هذه العوائق، كيف أصبحت الفينومينولوجيا سائدة؟

– إدوارد بارينج: هذا هو سؤالي الإرشادي وهو سؤال أعتقد أنه يتطلب التحول عن النهج المعياري إلى التاريخ متعدد القوميات. ولأسباب متنوعة، يميل مؤرخو الفكر المهتمون بتعدد القوميات إلى فحص عمليات التحولات بين الأطراف المتكافئة ، وكيف عبرت مجموعة من الأفكار حدودًا معينة وترسخت في بلد معين. هذا النهج يشجع العلماء على التركيز على تلك الجوانب من التراث الفكري المحلي التي سمحت وشكلت هذا التبني. وبالتالي نحصل على قصص حول ما هو المميز عند قولنا: الفينومينولوجيا “الفرنسية” أو الفينومينولوجيا “الإيطالية”؛ لكن المثير للاهتمام في الفينومينولوجيا ليس أنها انتقلت إلى فرنسا أو إيطاليا، لكنها تجاوزتهم إلى بولندا وإسبانيا والبرتغال وأماكن أخرى. ولنشرح نجاحها على المستوى الدولي، فنحن نحتاج إلى نهج لا يفترض أن أهم الاختلافات هي التي تكون بين الاستقبالات الوطنية الفردية. ففي بعض الأحيان تكون الروابط بين المفكرين عبر الحدود أقوى من تلك الموجودة داخلهم.

بالنظر إلى انقسامات الحياة الأكاديمية في أوروبا -خاصةً في الفلسفة- لن أجد هذا النوع من الاتصال القوي العابر للقوميات في الأماكن المعتادة. وبدلاً من ذلك ، أصبحت أركز بشكل متزايد على الكاثوليك؛ إنهم نشأوا في جميع أنحاء أوروبا وفي وقت مبكر، وهم يكتبون مقالات وكتبًا عن الفينومينولوجيا، ويدرّسونها في فصولهم، ويترجمون النصوص حولها؛ ولذلك كانت أهميتهم منطقية بالنسبة لي، لأنهم شاركوا بالفعل في مجتمع عابر للقوميات. فالعلماء تنقلوا بين الجامعات الكاثوليكية، وقرأوا أعمال بعضهم البعض، وساهموا في المناقشات التي تدور في الدوائر الكاثوليكية حول القارة؛ هنا كان مجتمع فكري قادر على التغلب على ضيق الأفق الفلسفي في العصر الحديث.

 

– جونثان كاتلين: مساري الأكاديمي يجّسد جزءًا من القصة التي يسردها كتابك. بحثاً عن مكان لدراسة الفلسفة القارية -على الرغم من تركيزي على الفكر اليهودي- وجدت نفسي أفكر في عدد من المؤسسات الكاثوليكية التي ذكرتها بما في ذلك: نوتردام (Notre Dame)، وكلية بوسطن (Boston College)، وجامعة ديبول (DePaul)، وجامعة دوكين (Duquesne). وقد انتهى بي الأمر إلى الحصول على درجة الماجستير من الجامعة الكاثوليكية في لوفين (KU Leuven) الموجودة في بلجيكا، والتي تضم أرشيفات هوسرل. ولقرون، كانت لوفين مركزًا للفكر الكاثوليكي، خاصة لدراسة القديس أوغسطين وتوما الاكويني، لكن في أواخر الثلاثينيات -كما ذكرت في الفصل التاسع- أصبحت لوفين أيضًا منزلًا لأوراق ومكتبة الفيلسوف الألماني وأب الفينومينولوجيا إدموند هوسرل، الأستاذ السابق في فرايبورغ الذي طُرد من الجامعة في عام 1933 بسبب أصوله اليهودية؛ وقد أنقذ موادَ هوسرل من التدمير النازي المحتمل العالم الفلمنكي هيرمان فان بريد، الذي كان أيضًا كاهنًا فرنسيسكانيًا (وهذا كما ذكرت قلّل دوره في بناء الأرشيف). وقد ساعد الجمع بين الفينومينولوجيا وفلسفة الدين في جعل جامعة لوفين قسمًا قاريًا رئيسيًا؛ ما هي الطرق التي تجسد فيها هذه الجامعة حجتك حول التحالف الرائع بين الفكر الكاثوليكي والفينومينولوجيا؟

هوسرل وهايدجر في (St. Märgen) عام 1921

– إدوارد بارينج: المعهد العالي للفلسفة (ISP) في لوفين له دورٌ مركزيً في مشروعي، لأنه بعد تأسيسه في عام 1889، أصبح مركزًا لنوع جديد من المشاريع الفكرية الكاثوليكية. فقد اختار أول رئيس له -وهو ديزيري ميرسيه (Désiré Mercier)- اتجاه ” “Nova et Vetera”الجديد والقديم” ليكون شعار المعهد، من أجل تسليط الضوء على كيفية دمج العلماء العاملين في المعهد بين دراسة نصوص العصور الوسطى والانخراط في الفلسفة والعلوم الحديثة. بالنسبة إلى مرسييه، كانت الكاثوليكية بحاجة إلى تحديث نفسها والانخراط في العالم الحديث، وليس الانعزال عنه. هذا هو السبب في أن علماء جامعة لوفين أنشأوا مختبرات علمية، وسعوا للمشاركة في النقاشات المعاصرة، وشجعوا الطلاب على دراسة أحدث الأفكار. وهذا هو السبب في اعتناقهم الفينومينولوجيا، لأنها بدت كأحد أشكال الفكر الحديثة المتوافقة مع الأفكار الكاثوليكية، دون أن تكون كاثوليكية.

ولأن الفلاسفة في لوفين أرادوا أن ينخرطوا مع العالم غير الكاثوليكي، فإن تبنيهم للفينومينولوجيا كان له صدى وتأثير كبير. في الأعوام بين 1920 و 193، أصبحت الفينومينولوجيا هي الوسيلة الكافية لمناظرة ومناقشة البروتستانت، وكذلك المفكرين العلمانيين والملحدين. ولهذا السبب فإني أزعم بإنه لا يمكن التعامل مع هذا التبني الكاثوليكي بمعزل عن فوائده العملية؛ فقد كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسياقات دينية وغير دينية. في الواقع، أصبحت الفينومينولوجيا لغة مميزة للتعبير عن الاختلاف الديني، ما جعل لها شكلًا من أشكال الفكر الكاثوليكي أو البروتستانتي أو اليهودي أو الإلحادي.

 

– جونثان كاتلين: هل يمكنك التوضيح بشكل أكثر صراحة حول ماهية الأبعاد التي جعلت الفينومينولوجيا ذات جاذبية عند المفكرين الكاثوليك؟ قد وجدت حالة كارول فويتيلا (Karol Wojtyła)، الذي أصبح البابا يوحنا بولس الثاني، بأنها حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فقد كتب بحث شهادة التأهيل الأستاذية عن عالم الفينومينولوجيا الألماني ماكس شيلر، بحجة أن عمل شيلر يمكن أن “يساعدنا في تحليل الحقائق الأخلاقية على المستوى الفينومينولوجي والتجريبي”. وقد كتبتَ في موضع آخر “بالنسبة للعلماء الجدد، يمكن أن تساعد الفينومينولوجيا في تعريف المفكرين العلمانيين بمكانة الله في العالم”. يبدو أن جاذبية الفينومينولوجيا الواقعية -أو كما عبرت عنها في عنوان كتابك بـ”الواقع”- قد قدمت بديلاً إصلاحيًا للمثالية المتعالية للكانطية الجديدة التي يفضلها المفكرون البروتستانت.

– إدوارد بارينج: بشكل عام، ربط العلماء الكاثوليك الكائن المتعالي في التقاليد الكانطية وما بعد الكانطية بالبروتستانتية، وامتدادًا لذلك ربطته بالفردانية العلمانية الحديثة؛ لهذا السبب وجدوا أن فينومينولوجيا هوسرل جذابة للغاية. يبدو أن توجيه هوسرل للبحث عن “الشيء في ذاته” (zu den Sachenselbst) يعني أنه بإمكاننا الوصول إلى الحقيقة المستقلة عن العقل، وبالتالي يمكن أن نتعرف على إرثنا في نظام اجتماعي وطبيعي يشير في النهاية إلى وجود الله. ولكن -كما جادلت في الكتاب- فإن هناك العديد من الطرق المتضاربة للوصول إلى الحقيقة (والأفهام المتعددة لما تعنيه كلمة “حقيقي”)، خاصة بعد عام 1913، عندما بدا أن هوسرل يتراجع عن رؤيته السابقة ويتبنى المثالية المتعالية. وقد زعم بعض الكاثوليك بأن مسار هوسرل أظهر أنهم بحاجة إلى رفض “نقطة البداية” الحديثة للفلسفة ، والموضوع (الذات)، من أجل تأكيد الواقعية الميتافيزيقية. ويعتقد البعض الآخر بأن الواقعية تتطلب إعادة تقييم كيفية فهمنا لمقولة (الذات)، والأكثر شيوعًا من خلال التأكيد على تجسيده. لم تكن هذه نقاطًا ثانوية في التفسير الفلسفي، بل اختلافًا كبيرًا تم تحديده غالبًا حسب الانقسام القديم في الفلسفة الكاثوليكية الذي يمثله توما الأكويني وأوغسطين.

نسخة إدموند هوسرل الشخصية المشروحة لكتاب تلميذه السابق مارتن هايدجر (الكينونة والزمان 1927)، والتي أهديت له “مع الصداقة والتقدير”. ويقع في أرشيفات هوسرل في جامعة لوفين الكاثوليكية ، بلجيكا

– جونثان كاتلين: في حين أن هناك العديد من الأعمال حول “عظماء” التيار القاري، إلا أنك لفتّ الانتباه إلى الشخصيات الأقل شهرة -أغلبهم كاثوليك- الذين قاموا بالحراك الفكري لنشر مناهجهم من خلال إنتاج “المراجع النصية (كتب تمهيدية ومقالات) التي سهلت انتشار الفينومينولوجيا والوجودية، خاصة حيث كانت الترجمات ضعيفة في هذا المجال” هذه الشخصيات “تحدد شروط المناظرة” كناشرين ووسطاء فكريين. ما هي بعض الأمثلة التي ذكرتها في كتابك؟

– إدوارد بارينج : إن تاريخ الفلسفة لايزال -ربما لأسباب واضحة- مرتبطًا بـ”نظرية الرجل العظيم في التاريخ”، وسيظل كذلك لوقت أطول من المجالات الأخرى. وهذا لا يظهر في أي مجال آخر أكثر من تاريخ الفينومينولوجيا. في حكاية متكررة تروى عن لقاء بين سارتر ودي بوفوار وريموند آرون في عام 1932. فقد عاد آرون للتو من برلين بعد دراسته فيها، وتحدث مع أصدقائه بحماس حول الفينومينولوجيا، بحجة أنها سمحت للمرء بالتفلسف حول الحياة اليومية، حتى حول عصائر المشمش التي كانوا يشربونها. تعلق العلماء بالسرد، على افتراض أنه بمجرد معرفتنا كيف واجه سارتر أفكارًا فينومينولوجية؛ فإننا شرحنا أصول التقليد الفرنسي. ولكن بالطبع إذا كان هو الشخص الوحيد في فرنسا المهتم بالفينومينولوجيا، ولم تستفد أفكاره أو تتغذى على اهتمام موجود مسبقًا، فلن يستطيع سارتر أن يصنع من ذلك مهنة له -على الرغم من تألقه الفلسفي-. كان من الممكن أن يكون صوتًا وحيدًا، وحينها لن يصبح “سارتر” ذلك المفكر المؤثر المشهور.

ولعدة أسباب يُعد هذا السياق الواسع مثيرًا للاهتمام. أولاً، لأنه يشمل فلاسفة متنوعين أكثر من أولئك الذين يرتبطون عادةً بالفينومينولوجيا. على الرغم من أن فلسفة منتصف القرن كان من الصعب أن لا يكون بها تحامل، إلا أن عملية التمجيد تعمينا عن عدد كبير من نساء هذا المجال، وليس فقط الشخصيات الشهيرة منهن مثل إديث شتاين (Edith Stein) ولكن أيضًا أخريات مثل هيدويج كونراد مارتيوس (Hedwig Conrad Martius)، وصوفيا فاني روفيغي (Sofia Vanni Rovighi). ثانيًا، ساعد هؤلاء المفكرون بتشكيل المناقشات الفلسفية. إحدى القضايا الشيقة هي قضية “الأنطولوجيا”. ففي أربعينيات القرن الماضي، كان من المفترض بشكل كبير أن القراءة الأنطولوجية ستخفف من الأصداء الدينية لفينومينولوجيا الوجود. تعمل هذه الفكرة على إحياء فلسفة الآخر لإيمانويل ليفيناس (Emmanuel Levinas)، وتحيي أيضًا قراءة جان وال (Jean Wahl) لهيدجر وكيركيجور (Kierkegaard)، وكذلك مشروع سارتر الخاص. فإذا تذكرنا أن العنوان الفرعي لكتاب سارتر الكينونة والعدم هو: “بحث في الأنطولوجيا الفينومينولوجية”، فلأول وهلة، يبدو هذا الادعاء غريبًا تمامًا، خاصة وأن الأنطولوجيا كانت مركزية في القراءة التوماوية  للفينومينولوجيا. ولكن يمكننا أن نفهم ذلك من خلال تتبعها إلى سهرات مساء يوم الجمعة للوجودي الكاثوليكي غابرييل مارسيل (Gabriel Marcel) ، الذي رحب بكل من ليفيناس، و جان وال، وسارتر في الثلاثينيات. عند سعيه لتبرير فلسفة مسيحية غير تقليدية، زعم مارسيل وضيوفه بأن الأنطولوجيا التوماوية كانت تشكل -وياللسخرية- خطرًا على المعتقد الديني، لأنه بالغ في تقدير القدرات العقلانية البشرية، وقلّل الجانب الإيماني.

 

– جونثان كاتلين: أريد أن أتطرق إلى التشابه بين دراستيك: لقد أظهرت استقبالات الفينومينولوجيا والوجودية والتفكيكية أن لديها “توافقًا قويًا مع الكاثوليكية” على الرغم من اعتبارها فلسفات ملحدة على نطاق واسع. ومن ثم تكتب: “إن الافتراض بأن الأفكار الدينية قد تنزلق إلى فلسفات علمانية غير متوقعة… يعد أمرًا جوهريًا بالنسبة لحجتي”. يتعلق هذا بما يسمى “غموض التحول the ambiguity of conversion” ، وكيف أن الفينومينولوجيا قادت العديد من المفكرين نحو الكاثلوليكية (مثل إديث شتاين) وابتعدت بآخرين عنها (مثل موريس ميرلو بونتي). كما وصفت أنت هذا التقارب، لا يسعني إلا أن أفكر في احتضان عمل الفيلسوف اليهودي الفرنسي ذي الأصل الجزائري: جاك دريدا من قبل المفكرين الكاثوليك الذين ذكرتهم في استنتاجك، مثل جون د. كابوتو (John D. Caputo) وريتشارد كيرني (Richard Kearney). كما فهمت، أن دريدا كان منفتحًا تمامًا على القراءات الكاثوليكية لأعماله، وأن هوسرل كان أقل من ذلك بكثير. لكنك ترفض وجهة النظر القائلة بأن علماء الفينومينولوجيا بطريقة ما هم “كاثوليكيون بالسر”؛ إذن، ما هو الخط الفاصل الذي ترسمه بين التقارب، والأصداء، والتشويه في تقبلهم للفينومينولوجيا؟

– إدوارد بارينج: أريد أن أفرّق بين نسبتنا مجموعة من الأفكار للمفكرين الكاثوليك، وبين ادعاء أنها مستلة من الكاثوليكية. فإن المثقفين يستخلصون الأفكار من خلال مجموعة من المصادر، وهم يتفاعلون معها ويكيفونها ويجرون عليها تعديلات على المستوى السطحي والجوهري، لذا لا يمكن للمرء أن يفترض ببساطة أن أي تسمية كانت مرتبطة بهذه الأفكار تعتبر صالحة.

ولكن حتى لو رفضنا هذه القراءات الاختزالية، فإن مثل هذه النسبة قد تكون مفيدة جدًا. والمثال الذي ذكرته خير شاهد على ذلك. على الرغم من الادعاء الشهير بأن دريدا كان “يكتب حقًا كملحد” [اطّلع على كتاب ” The Trace of God: Derrida and Religion” الذي كتبه بارينج مع مؤلف آخر]، فقد تبنى أفكاره عدد من المفكرين الكاثوليك. ويمكننا أن نفهم ذلك التلقي من خلال الطرق التي اعتمد بها دريدا نفسه على الأفكار الكاثوليكية. في الحقيقة، يمكننا أن نشير إلى أن هناك علاقة مميزة، وأن هناك نوعًا من التوافق المجرب والمختبر بينهم، حتى لو لم تحدد هذا الميزة تلك الأفكار أو تمنع الآخرين من تطويرها في اتجاه مختلف تمامًا. وأظن أنه من الممكن تطبيق هذا على الأشكال الأخرى للعلمنة؛ فحقيقة أنه يمكننا تحديد جذور دينية لأيديولوجية علمانية معينة لا يمكن لهذه الجذور أن تجعلها لاهوتًا مشفرًا،  لكنها تساعد في تفسير تأثيرها من حيث إنه يولد شعورًا متفاوتًا بالنسبة للتقاليد الدينية المختلفة، وتاريخ العلمانية في فرنسا مثال جيد لذلك.

 

– جونثان كاتلين: في السنوات الأخيرة شهدنا “تحولاً إلى الدين” في التاريخ الفكري الأوروبي في القرن العشرين، على سبيل المثال: أعمال سامويل موين (Samuel Moyn)، بيوتر كاوسيكي (Piotr Kosicki)، جيمس تشابل (James Chappel). هل هذا التحول يأخذ مجراه، أم أن المجال ككل لايزال مزدريًا لأهمية الدين؟

– إدوارد بارينج: على الرغم من أن هذا لا يتطلب اهتمامًا خاصًا، ولكن أظن أنه يتعين القيام بمزيد من العمل عليه. لسنين عدة، تجاهل مؤرخو الفكر الأوروبيون في العصر الحديث الفكر الديني، على افتراض أنه كان أحد بقايا حقبة مضت، وبالتالي لا يمكن أن تأثر بشكل كبير على التطورات الفكرية التي كانوا يدرسونها. وقد افترضتُ ذلك أيضًا. حتى عندما ذهبت إلى أرشيف دريدا في مشروعي الأول، تجاهلت جميع مقالاته المبكرة حول الموضوعات الدينية، معتقدًا أنها ليست متصلة ببحثي. في وقت لاحق عندما كنت أحاول أن أفهم ما كتبه دريدا في مكان آخر أدركت أن اختلاطه مع العلماء المسيحيين في عشريناته قد يكون مهمًا، في الحقيقة أصبح ذلك موجّهًا إلى أحد أهم الحجج المركزية في الكتاب، فقد أصبح تأثير الأفكار والمؤسسات الدينية واضحًا بفضل الاهتمام المتزايد بالظواهر العابرة للحدود، فبسبب الطبيعة الدولية للعديد من المنظمات الدينية -وأكثرها وضوحًا هو الكنيسة الكاثوليكية- فإن تأثير الدين يمتد إلى أن يصبح مركزًا أكثر عندما يوسع المؤرخون نظرتهم إلى ما وراء الحدود الوطنية.

 

جونثان كاتلين: أنت تجادل في ملاحظة منهجية أنه في حين أن كتابك سياقي للغاية، إلا أنه يدرس الشبكات خرجت منها الأفكار، فالسياقية تحتاج إلى قراءات غير سياقية (كما أرجعت ذلك إلى دريدا) لاستيضاح ماترمي إليه نصوص المصدر، والذي تسمونه بـ”التحول الفلسفي philosophical conversion”. هل يمكنك توضيح هذه الفكرة؟

إدوارد بارينج: كمؤرخي فكر، نقضي وقتاً كبيراً في وضع الأفكار في سياقاتها المختلفة، وقد أصبح هذا النهج هو الطريقة التي نفهم بها العديد من المؤلفين والأفكار. وعند النظر إلى نجاح هذا، فمن المغري أن ننزلق من ادعائنا بأن جزءاً معيناً من السياق قد يساعدنا في تفسير أو إعادة قراءة نص ، إلى الادعاء بأن الحجج ستفقد صلاحيتها خارج سياقها. ولكن هذا خطأ واضح ، فكل أفكارنا لها تاريخ، وهذا لا يمنعها من كونها مجدية في النقاشات المعاصرة.

لمعالجة هذه المشكلة ، أعتقد أنه يجب على مؤرخي الأفكار أن يولوا الاهتمام الأكبر لعمليات إزالة السياق -هي الطريقة التي تؤخذ بها النصوص والأفكار دون النظر في أصولها أو سياقها المعين- كما يفعلون مع السياقات. في الكتاب أقوم بذلك باستخدام مفهوم التحويل. وهذا المفهوم مستمد بوضوح من موضوع الكتاب، لكن باعتقادي أنه يمكن تطبيقه على نطاق أوسع ، لأنه يلفت الانتباه إلى الطرق التي يحاول من خلالها العلماء كسب مخالفيهم عن طريق تبني المنطق والحجج التي قد يقتنع بها محاوروهم. وهذا يعني أن معظم النصوص العلمية منقسمة بالفعل ومتنازع عليها، على الأقل في رأيين متعارضين. فهم لايقتصرون أبدا -حتى في البداية- على السياق الأصلي.

 

جونثان كاتلين: ما هو مشروعك القادم؟

إدوارد بارينج: لقد بدأت في مشروع حول “الماركسية المبتذلة vulgar Marxism”، في محاولة للتمعن في التراث الماركسي خلال القرن العشرين. ومن المحتمل أن قراء المدونة يعدّون مصطلح “الماركسية المبتذلة” على أنه إهانة. وما يدهشني هو أنه على الرغم من عدم دقة هذا الفهم، إلا أن الإهانة تكاد تكون في كل مكان، فهي ظاهرة بنصوص الكتاب الأوروبيين وغيرهم خلال القرن السابق. في الواقع ، سأذهب إلى أن الزعم بأن “الماركسية المبتذلة” هي المكون الآخر للتراث الماركسي، وخاصة ما يسمى غالبًا بـ”الماركسية الغربية”. فهي مجموعة من الأفكار المعارضة التي صاغها المنظرون لمشاريعهم الوضعية، سواء كان ذلك يعني إعادة تأكيد الاستقلال الذاتي للثقافة والأفكار في مقابل تقليص البنية التحتية والفوقية “المبتذلة”، أو إعادة إدخال النماذج التطوعية ضد الحتمية (fatalism) “المبتذلة”، أو الانتباه إلى الجدلية على عكس الوضعية “المبتذلة”. لأنه قد تم شحن هذا المفهوم ، خصوصا بالنسبة للمفكرين مثل أنطونيو جرامشي (Antonio Gramsci) وكارل كورش (Karl Korsch) وبيروفي خوسيه كارلوس مارياتيغي (Peruvian José Carlos Mariátegui) ، الذين كرسوا جهدهم ووقتهم للمشاريع التعليمية، وإدارة الأوساط الدراسية، وكتابة الكتّيبات الشعبية، وتنظيم دورات المراسلة وماشابهها، فقد واجهوا مشكلة كيف يمكن للشخص ترويج الماركسية دون أن يبتذلها ، وقد فكر الماركسيون كثيرًا في الطريقة التي تعمل بها الأفكار عندما تغادر عالم الدراسة الأكاديمية وتخضع للجدل الشعبي. ويبدو لي بأنه في الوقت الذي نواجه فيه بحدة ذلك المستقبل الموعود والمخاطر المتمثلة في دمقرطة المعلومات ، فإن انعكاساتها أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.


جوناثان كاتلين حاصل على شهادة الدكتوراه. ومرشح من قبل قسم التاريخ وبرنامج الدكتوراه متعدد التخصصات للعلوم الإنسانية (IHUM) في جامعة برينستون (Princeton). أطروحته كانت عن “التاريخ مفاهيمي لمفهوم “الكارثة” في الفكر الأوروبي الحديث ، مع التركيز على المثقفين الألمان اليهود بما في ذلك مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية”.

أعجبني المقال

المصدر
jhiblog

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى