عام

ما معنى أن تكون تابعًا؟

  • شاول مكلويد
  • ترجمة: مريم الدوسري
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: عبد الله الهندي

المسايرة، التبعية، الامتثال، الانصياع= كلها أسماء تطلق على نوع من أنواع التأثير الاجتماعي الذي يتغير معه سلوك الفرد ليتناسب وسلوكَ الجماعة[1]. يحصل هذا التغير كردة فعل لضغط الجماعة الذي إما أن يكون حقيقيًا أو متوهمًا (الحقيقي هو وجود الجماعة فعليًا، والمتخيل هو العادات والتقاليد أو الأعراف الاجتماعية).

المسايرة -في تعريف كراتشفيلد-: هي «استسلامٌ لضغط الجماعة»، ويتخذ هذا الضغط عدة أشكال؛ كالتنمر، والإقناع، والمضايقة والانتقاد… إلخ، كما يمكننا تعريف المسايرة أيضاً بأنها تأثير الأغلبية على سلوك ورغبات الفرد.

يستخدم المصطلح غالباً للدلالة على وجود نوع من المسايرة والخضوع لآراء الأغلبية بسبب عدة دوافع، منها: رغبة الفرد في الانسجام مع المجموعة، أو طمعاً في قبولهم ومحبتهم (تأثير اجتماعي معياري)، أو رغبةً في أن يكون الفرد على صواب (تأثير اجتماعي معلوماتي)، أو ليوافق الدور الاجتماعي المتوقع منه (رسم الهوية).

إن أول من تبحر في دراسة المسايرة هو عالم النفس جانيس؛ حيث قام بتجربة مليئة بالغموض في عام ١٩٣٢ استخدم فيها علبة زجاجية ممتلئة بحبات الفاصوليا. ابتدأ جانيس بوضع العلبة أمام كل مشارك على حدة، وطلب منه تقدير عدد حبات الفاصوليا داخل العلبة، ثم جمع المشاركين وطلب منهم تقديرًا جماعيًا عبر المناقشة مع بعضهم لبعض، وبعدها فرق المشاركين وطلب منهم تقدير عدد حبات الفاصوليا بمفردهم مرة أخرى. كان الغرض من هذه الخطوة هو تحديد ما إذا كان لرأي الجماعة تأثيرٌ على تقديرهم الأولي أم لا، وبعد ذلك أجرى مقابلة أخرى، وسأل كل مشارك إن كانت لديه رغبة في تغيير تقديره الشخصي أوالبقاء على تقدير الجماعة، وكانت النتيجة أن جميع المشاركين تقريباً غيروا تقديرهم الشخصي ليقارب تقدير الجماعة.

وعلى أيه حال، لعل أشهر تجربة في دراسة الامتثال الاجتماعي= هي تجربة سولومان آش التي أجراها في عام ١٩٥١م.

 

أنواع المسايرة:

وضح كليمان -في عام ١٩٥٨- الاختلاف بين أنواع المسايرة الثلاثة:

 

  • الاستسلام/الخضوع (الطمع في قبول الجماعة)

وذلك عندما يتقبل الفرد أن يخضع لرأي مفروضٍ عليه رغبةً منه في أن يحظى بقبول شخص آخر أو جماعة معينة، ويتبنى الفرد هنا السلوك المفروض عليه لأنه يتوقع أن يحصل بذلك على مكسب معين أو أن يحظى برضى الآخرين أويتجنب سخطهم. بعبارة أخرى: الخضوع هو مسايرة الأغلبية (جهراً) على الرغم من الاختلاف معهم (سراً) كما هو واضح تماماً في تجربة آش. وبمجرد أن يزول ضغط الجماعة ينتهي الخضوع، ولهذا فهو تغير مؤقت في السلوك.

 

 

  • التطبع (اعتناق المعايير القيمية للمجموعة)

وذلك عندما يقبل الفرد التأثر بالآخرين بسبب مضمون السلوك الذي تدفعه إليه الجماعة، لأن ما يظهر له من هذا السلوك -بما يتضمنه من أفكار وقيم- هو أنه يعود على صاحبه بالنفع، ومن ثم يتبنى هذا السلوك لأنه يتناسب مع منظومته القيمية [كليمان ١٩٥٨، ص٥٣]. دائماً ما يتضمن التطبع مسايرة للآخرين في السر والعلن، فيغير الفرد من سلوكه علناً ليوافق المجموعة، ويتبع ذلك مسايرة وتغيرٌ لما يعتقده في قرارة نفسه أيضاً، وتلك هي أقصى مراحل المسايرة؛ حيث إن قناعات المجموعة تصبح جزءًا من قناعات الفرد، مما يعني أن تغير السلوك هنا دائم، وهذا ما تجلى في تجربة مظفر شريف «أثر الحركة الذاتية».

احتمال حدوث التطبع أكبر عندما تكون الأغلبية على قدر أكبر من العلم والمعرفة، وتكون الأقلية أقل قدرا في العلم لمعارضة موقف الغالبية.

 

  • التماهي (الانتماء للمجموعة)

وذلك عندما يتقبل الفرد التأثير المفروض عليه ليثبت ذاته أمام شخص آخر أو مجموعة أخرى [كليمان، ١٩٥٨، ص٥٣]. يتقيد الأفراد هنا بما تفرضه عليهم أدوارهم الاجتماعية (مثلاً: مسايرة الشرطي والممرضة لدورهم الاجتماعي) هذا النوع مشابه للخضوع؛ حيث إنه لا يتطلب تغيير الرأي الشخصي للفرد أكثر من كونه مسايرة ظاهرية للآخرين في سلوكهم، وخير مثال على ذلك هي: دراسة السجون التي أجراها البروفيسور زيمباردو.

 

أضاف البروفيسور مان في عام ١٩٦٩ نوعا آخر من الأمثال:

  • التزلف: 

وذلك عندما يساير الفرد سلوك الآخرين لإثارة إعجابهم أولنيل استحسانهم، والتزلف مشابه للتأثير الاجتماعي المعياري غير أن الخوف من الرفض ليس دافعًا للاتباع والمسايرة هنا أكثر من حاجة الفرد إلى أن يحظى بقبول ورضى اجتماعي. بمعنى آخر: ضغط الجماعة لا يعتبر مؤثراً على رغبة الفرد في مسايرتهم.

 

تفسير ظاهرة المسايرة: 

عرف ديوتسش وجيرارد (١٩٩٥) سببين آخرين للمسايرة:

المسايرة المعيارية

  • الاستسلام لضغط الجماعة رغبةً من الفرد للتوافق مع المجموعة (كما في تجربة آتش).
  • امتثال الفرد خوفاً من رفض المجموعة له.
  • وثمة نوع من الاستسلام والخضوع في المسايرة المعيارية، حيث الفرد يقبل آراء المجموعة علناً بينما يرفضها باطناً.

المسايرة المعلوماتية 

  • تحدث غالباً عندما يفتقر الفرد إلى المعرفة ويلجأ للمجموعة للحصول على توجيهات.
  • أوعندما يكون الفرد في حيرة من أمره، ومن ثم يسترشد بسلوك المجموعة لتحديد وجهته كما في دراسة شريف.
  • يوجد نوع من التطبع في هذا المسايرة المعلوماتية، حيث يقبل الفرد ويتبنى سلوك المجموعة.

 

تجربة شريف (١٩٣٥): تأثير الحركة الذاتية

الهدف من الدراسة: إثبات أن الفرد يتبنى معايير المجموعة وأعرافها عندما يوضع في  موقف محير.
المنهج المتبع: اتبع شريف منهج التجربة المختبرية لدراسة سلوك (تأثير الحركة الذاتية) بحيث عرض بقعة مضيئة على شاشة في غرفة مظلمة تظهر فيها البقعة على أنها متحركة والحقيقة أنها ثابتة (خدعة بصرية).

اكتشف شريف أن التقديرات الفردية للمشاركين للمسافة التي تحركتها البقعة المضيئة كانت متفاوتة بدرجة كبيرة (من ٢٠ إلى ٨٠ سم).

بعد ذلك طُلب من المشاركين تكوين مجموعات، كل مجموعة بها ثلاثة أفراد. تدخل شريف في تشكيل المجموعات: حيث وضع اثنين ممن كانت تقديراتهم الفردية متقاربة جداً مع شخص تقديره الفردي مختلف عنهم تمامًا، ثم طُلب من كل شخص من المجموعة أن يجهر بتقديره للمسافة التي تحركتها النقطة المضيئة.

النتائج:
اكتشف شريف أنه في كل التقديرات الكثيرة المختلفة كان تقدير الجماعة هو المهيمن، وأن الفرد الذي كان تقديره مختلفًا جداً عن الآخرَين في المجموعة قد أصبح رأيه متوافقًا مع رأي الاثنين الآخرين في مجموعته.

ذكر شريف أن هذه النتيجة أثبتت أن الناس يميلون إلى مسايرة بعضهم بعضًا، وبدلاً من اتخاذ قرار فردي  فإنهم غالباً ما ينتهون إلى الانسجام مع المجموعة.

الاستنتاج:
أظهرت النتائج أنه عندما يكون الفرد في موقف محير (مثل تجربة تأثير الحركة الذاتية) يلجأ الفرد إلى المجموعة ليسترشد بهم (تبني رأي المجموعة). الفرد هنا يرغب أن يفعل الصواب ولكنه قد يفتقر إلى المعلومات اللازمة، ومراقبةُ الآخرين هي ما يوفر هذه المعلومات، يعرف هذا بـ: التأثير المعلوماتي.

 

عدم المسايرة أو الامتثال

لا تنطبق ظاهرة المسايرة الاجتماعية على الجميع، فهناك من لا يرضخ للضغوط الاجتماعية. يوجد في الواقع الكثير من العوامل التي تساهم في رغبة الفرد أن يكون مستقلا عن المجموعة.

على سبيل المثال، اكتشف سميث وبوند (١٩٩٨) الاختلافات الثقافية في المسايرة بين الدول الشرقية والغربية، فالناس في الثقافات الغربية (مثل أمريكا والمملكة المتحدة) أكثر ميلاً ليكونوا مستقلين، ولا يحبذون أن يُنظر إليهم على أنهم مثل الجميع، مما يعني أنهم يُقَدِّرون الاستقلالية والاكتفاء بالنفس (الفرد أهم من المجموعة) وبذلك هم أكثر من يشارك في عدم الامتثال والمسايرة.

الثقافات الشرقية بخلاف الثقافات الغربية (مثل الدول الآسيوية) تقدم احتياجات العائلة وغيرها من الفئات الاجتماعية على احتياجات الفرد، ويُعرفون بـ: الثقافات الجماعية، وهم أكثر ميلاً لمسايرة المجموعة.


  • شاول مكلويد: مساعد أستاذ في علم النفس وباحث في جامعة مانشستر، قسم علم الأعصاب وعلم النفس التجريبي.

[1]– انظر: [معجم علم النفس والتحليل النفسي]، د.فرج عبد القادر طه- ص72، ص414. [المراجع]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق