الفلسفة

فلسفة السؤال: ما هو السؤال؟

كشفت لاني واتسون في مشروعها عن بعض الإجابات غير المتوقعة

  • لاني واتسون
  • ترجمة: مي الغفيص
  • تحرير: عبير الغامدي

ماذا كان آخر سؤال سألته؟

توقف للحظة وتذكر.

من الممكن أن يكون سؤالًا لصديق أو زميل وجّهته لهم خلال محادثة, أو ربما لغريب في مقهى أو متجر. لعلك أجريت بحثًا في قوقل, أو تساءلت عن أي مقال في مجلة Philosophers ستقرأ. هل بإمكانك تذكّر ما سألته بالتحديد؟ وإلى من وجّهت سؤالك؟ وكيف قمت بذلك؟ قد يكون تذكّر آخر سؤال سألته أصعب مما يبدو.

يطرح الجميع أسئلة لكننا لا ننتبه دائمًا إلى متى أو أين أو من أو عن أي شيء سألنا. هذه ليست مفاجأة فالسؤال جزء من الحياة اليومية في كل مكان، فقد بدأنا طرح الأسئلة قبل أن يتسنّى لنا تذكر متى، وواصلنا ذلك طوال حياتنا بلا تفكيرٍ واعٍ بهذه الممارسة. ومع ذلك، فإن الوجود المطلق للأسئلة ليس السبب الوحيد الذي قد يجعل تذكّر السؤال الأخير الذي طرحته أمرًا صعبًا, فالقيام بذلك يعتمد على تحديد ماهيّة السؤال.

هل كتابة شيءٍ ما في محرك البحث قوقل يُعدّ سؤالًا حقًا؟ ماذا عن تساؤلك حول أي مقال من مجلة Philosophers سوف تقرأ؟ وهل تعد أول جملة في هذا المقال سؤالًا؟ إذا كان ردك على أي من هذه الأسئلة بنعم أو لا، فما هي المعايير التي استخدمها لاتخاذ القرار.

ما هو السؤال بالضبط.

ربما مما يثير الدهشة أن الفلاسفة عبر التاريخ لم يقضوا الكثير من الوقت في محاولة الإجابة على هذا السؤال. في الواقع، قلة منهم طرحوه. خذ على سبيل المثال سقراط. وفقًا للراوية التي قدمتها محاورات أفلاطون، فقد كرّس سقراط حياته لطرح التساؤلات. ربما يكون أحد أكثر الاستشهادات المعروفة والمقتبسة في الفلسفة الغربية هي مقولة سقراط البليغة خلال المحاكمة التي حكمت فيها المحكمة الأثينية عليه بالإعدام، بأن “الحياة بلا تساؤلات لا تستحق العيش”. يبدو أن سقراط كان على استعداد لتقديم التضحية النهائية من أجل الدفاع عن حياة التحقيق الفلسفي والتي تتم من خلال طريقة الاستجواب والتساؤل (يشار إليها غالبًا باسم الطريقة السقراطية). مع ذلك فلا يوجد في  محاورات  سقراط  سعي إلى الكشف عن طبيعة الأسئلة نفسها. سقراط ليس وحده. فقد تم إيلاء اهتمام ضئيل لطبيعة أو دور أو قيمة الأسئلة في التاريخ الفلسفي.

في العقود المنصرمة فقط قام بعض الفلاسفة بالبحث ومحاولة الإجابة على “ماهية السؤال”. فقد عُني هؤلاء الفلاسفة بالنظر إلى الأسئلة كأجزاء من المنطق واللغة. كما يتضمن التمثيل الانتقائي أعمالًا مثل The Logic of Questions and Answers لنويل بيلناب وتوماس ستيل, وThe Syntax and Semantics of Questions للوري كانتونن, وThe Semantics of Interrogitions لجونثان غيزنبيرغ, وInterrogative Model of Inquiry  لياكو هينتيكا.

تكشف العناوين نفسها عن تركيز واضح على التحليل المنطقي واللغوي للأسئلة. وكما يلاحظ غينزبورغ، فإنهم يتفقون إلى حدٍ ما على شيء واحد “أن السؤال هو ملك للقضايا، إنها تلك الخاصية التي تحدّد ما هو الجواب الشامل”. بمعنى آخر، تمت دراسة الأسئلة في الغالب على أنها تعبيرات لغوية، تشبه إلى حدٍ كبير القضايا، ويتم تعريفها بدلالة إجاباتها.

لكن أهذا كل ما يتعلق بالأسئلة.

أعتقد بأن هناك الكثير ليُقال. فكّر مرة أخرى بآخر سؤال سألته وما وجه الاختلاف بينه وبين آخر شيء قلته أو فكرت به أو فعلته. هل قمت باختياره بسبب الخصائص المنطقية أو اللغوية التي يمتلكها. على الرغم من قيمة التحليلات اللغوية، فإنه لا يمكن لدراسة الأسئلة فقط من هذين المنظورين أن يخبرانا القصة كاملة. ومع أخذ ذلك في الحسبان، كنت أجري استطلاعًا للسنوات القليلة الماضية في محاولة الوصول لمعنى أكثر بديهية للأسئلة. يطلب الاستطلاع -الذي شارك فيه أكثر من 5500 فرد حتى الآن- من المشاركين قراءة عشرة سيناريوهات مبنية على يوم في حياة معلمة تدعى سارة ثم تحديد ما إذا كان هناك سؤال في كل سيناريو أم لا. تكشف نتائج الاستطلاع عن شيء مثير للاهتمام حول فهمنا اليومي للأسئلة، خاصة عند مقارنتها بالتحليل الفلسفي الذي يقدمه فلاسفة المنطق واللغة.

ما الذي يخبرنا به الاستطلاع عن الأسئلة؟ خذ بعين الاعتبار السيناريو التالي:

يتناقش أحد زملاء سارة مع زملائه المعلمين حول درس قدّمه للتوّ حول دول العالم. تدرك سارة أثناء المناقشة أنها لا تعرف عدد البلدان الموجودة. ولأنها مهتمة بالمعرفة تقوم سارة بمقاطعة الحديث قائلة “كم عدد البلدان الموجودة”. يرد زملاؤها بعدّة أرقام مختلفة. هل يوجد سؤال في هذا السيناريو؟ 95٪ من المشاركين في الاستبيان قالوا نعم كان هناك سؤال، و3٪ فقط قالوا لا، و2٪ غير متأكدين. البديهيات لا يمكن توضيحها، فالسيناريو يحتوي على سؤال. أعتقد أن هذه هي النتيجة التي قد توقعناها، يبدو أنها قضية واضحة (أجد أنه من المثير للاهتمام أن 3٪ من المجيبين -133 فرد- قالوا إنه لم يكن هناك أي سؤال في هذه الحالة).

لاحظ أننا بعد هذه النتيجة بدأنا بالفعل بتعلم شيء مثير للاهتمام. فعلى الرغم من الجهود التي بذلتها سارة إلا أنها لم تحصل على إجابة حاسمة، لكنها حصلت على عدّة إجابات مختلفة. على الرغم من ذلك فقد اعتقد معظمنا أنها طرحت سؤالاً. عندئذٍ بشكل بديهي، فالسؤال لا يجب أن يقودنا الى إجابة محددة حتى يتم تعريفه على أنه سؤال. على هذا الأساس، قد يتساءل المرء ما إذا كان يجب أن يكون للسؤال أي إجابة صحيحة واحدة (في نهاية المطاف هناك العديد من الطرق الممكنة لتحديد عدد البلدان الموجودة) أو بشكل أكثر إثارة للجدل هل يجب للسؤال أن يمتلك أي إجابة على الإطلاق؟ على الأقل فإن هذه النتيجة تُشير إلى أن العلاقة بين الأسئلة والأجوبة ليست متقاربة وتشكّل بعض الضغوط على هذه الخطوة التي يتخذها فلاسفة المنطق واللغة لتحديد ماهية الأسئلة بناءً على إجاباتها. وبدلاً من ذلك، يتم تحديد الأسئلة على أنها أسئلة بشكل مستقل عن إجاباتها.

أخيرًا، إليك السيناريو الثالث:

تسلك سارة مسارًا جديدًا إلى المنزل من العمل. على امتداد الطريق، تمر بجانب طريق مزدحم وغير مألوف بدون معبر للمشاة. تنظر إلى أعلى وأسفل الطريق قبل عبورها للتحقق مما إذا كانت هناك مركبات قادمة بعد ذلك تواصل عبورها بأمان.

عما إذا كان هناك سؤال في هذا السيناريو أم لا: اجاب 66٪ من المشاركين في الاستطلاع بنعم، 28٪ قالوا لا، و6٪ المتبقية غير متأكدين. البديهية هنا أقل وضوحًا في هذه الحالة. ومع ذلك، يعتقد الأغلبية أن هناك سؤالًا, وهذا مهم، ويكشف أن هناك شيء ثالث مثير للاهتمام: لا يجب التعبير عن السؤال بالكلمات حتى يتم تحديده على أنه سؤال. لا تستخدم سارة أي تعبير منطوق أو مكتوب. بدلاً من ذلك، تقوم بأداء عمل مألوف وغير لغوي -النظر إلى أعلى وأسفل الطريق- وفقًا لنتائج الاستطلاع، يعتبر معظمنا أن هذا سؤال. وهذا ما يجعل دراسة الأسئلة بشكل حصري كتعبيرات لغوية امر مشكوك به.

بدلاً من ذلك، تُشير نتائج الاستبيان إلى أن السؤال لا يتطلّب إجابة محددة، ولا يحتاج إلى أن يكون في اسلوب استجواب, كما أنه لا يحتاج إلى علامة استفهام ولا إلى التعبير عنه بالكلمات. يكشف لنا النظر إلى هذه النتائج عن اقترانها بشيء مثير للفضول: ألا وهو أن فهمنا اليومي للأسئلة متساهل للغاية. نحدد الكثير من الأشياء على أنها أسئلة أكثر مما كنا تخيله في البداية وبالتأكيد أكثر مما تسمح به المعالجة الفلسفية الرسمية للأسئلة الواردة أعلاه.

أعتقد أن لدينا سبب وجيه لأخذ هذا الاستنتاج على محمل الجد. لاسيما وأننا نقوم بتحليل مفهوم مألوف وعالمي. أعتقد أن وجود تحليل منطقي لكيفية استخدامنا لهذا المفهوم في حياتنا اليومية ليس أمرًا ملائمًا فحسب، بل إنه أساسي لفهم ماهية السؤال. بعيدًا عن المعنى التقليدي والذي يمكن من خلاله تحديد أي جملة استجواب أو نطق على أنه سؤال، هناك فهم واضح يكون فيه السؤال أكثر من مجرد تعبير لغوي رسمي وهذا ظاهر في الاستبيان، وأعتقد أنه أيضًا بديهي للغاية. إذا أردنا أن نفهم ما هي الأسئلة علينا النظر إلى أبعد من دورها كجزء من اللغة, وأن نراها كجزء من الطريقة التي نفكر ونعمل بها. هذه معلومة رائعة. السؤال هو فعل.

طلبت من مئة شخص أن يكتبوا الأسئلة العشرة الأولى التي تخطر في بالهم. وباستثناء “كيف حالك”، لم يكن أي من الأسئلة المئة الناتجة متشابهة (تكرر “كيف حالك” 4 مرات). تراوحت الأسئلة بين “هل تحبني” إلى “هل تريد استرداد النقود” وشملت أيضًا “هل يزداد شكلي سوءًا”، “هل الزرافة أكبر من الفيل”، و “كم تدوم صلاحية علبة الجبن”. أضف إلى ذلك كل الأسئلة التي طرحتها اليوم وجميع الأسئلة في هذه المقالة. والذي إن وجدت ستعمل على توحيد هذه المجموعة المتنوعة وهذا في جوهره هو السؤال الذي نطرحه.

وسعيًا للإجابة عليه، أقترح أن نبحث عن تفسير عملي وبالتالي الوصول إلى تفسير رسمي بدلاً من التركيز على شكل السؤال كتعبير لغوي، يجب أن نركز على وظيفة السؤال. ما الذي يقوم به السؤال. ماذا نفعل بالأسئلة. بالطبع، هناك العديد من الطرق للإجابة على هذه الأسئلة. فنحن نستخدم الأسئلة لعدة أسباب مختلفة: للتحرّي عن الأشياء، للتواصل، لإظهار أننا نهتم، للتعبير عن أنفسنا، لمناقشة الآخرين، للإلهام، للمشاركة في محادثة صغيرة, وأحيانًا فقط ليتم سماعنا. تساعدنا الأسئلة على تحقيق كل هذه الغايات والعديد من الأمور الأخرى. ومن هذا المنطلق فإن السؤال يشبه الأداة التي يمكن استخدامها لأغراض متعددة, وكما للأداة وظائف محددة فالأسئلة كذلك.

تعريف أمرٍ ما من حيث وظيفته هو نهج معروف في التخصصات الفلسفية والعلمية. يقوم علماء الأحياء، على سبيل المثال، بتعريف القلب عادةً من حيث وظيفته في ضخ الدم حول الجسم. كما يتبع المتخصصون في فلسفة العقل نفس المنهج لدراسة العقل. وقد تم تطوير منهج مماثل من قبل عالم المعرفة إدوارد كريج في كتابه المؤثر: “المعرفة والحالة الطبيعية”.

يبدأ كريج تحليله للمعرفة عن طريق تخيل مجتمع لا يوجد فيه بعد مفهوم المعرفة, ثم يبحث عن سبب تطوير مجتمع كهذا لمفهوم المعرفة, وأي وظيفة سيمتلكها. يدّعي كريج بأن مصدر القلق الرئيسي لأعضاء أي مجتمع هو امتلاك معلومات دقيقة تسمح لهم باتخاذ قرارات مدروسة حول ما يجب القيام به في وضع معين. ويذكر كريج أنه إذا كنت أعتقد أن نمرًا يلاحقني، فإن معرفة شخص لديه معلومات دقيقة حول مكان وجود النمر سيحقق فائدة كبيرة بالنسبة لي. كما يجادل كريج أيضًا بأن وظيفة مفهوم المعرفة هي تحديد المخبرين الجيدين، أي الأشخاص الذين يمتلكون معلومات دقيقة وسيشاركونها بصورة موثوقة.

في سبيل تحديد وظيفة الأسئلة، يمكن طرح سؤال افتراضي كالتالي: لما قد تظهر الأسئلة في مجتمع لم تتواجد فيه بعد، وما هي الوظيفة التي ستمتلكها. إذا كان مصدر القلق الرئيسي لأعضاء أي مجتمع هو امتلاك معلومات دقيقة، فيجب أن نتوقع من أعضاءه تطوير أنجح الوسائل للبحث عن هذه المعلومات وسيكون البحث عنها ضروريًا لنجاح هذا المجتمع. من غير الجيد على سبيل المثال، إدراك أن فريد لديه معلومات حول مكان النمر إذا لم يكن لدي أي وسيلة للوصول إلى تلك المعلومات.

المقدرة على للوصول إلى معلومات دقيقة وذات صلة أمر ضروري لاتخاذ القرارات الصحيحة بشأن كيفية التصرف. يتطلب البحث عن المعلومات وجود آلية. وهنا يدخل السؤال إلى دائرة الضوء من خلال أداء هذه الوظيفة بالتحديد. إن الاستجواب هو وسيلة مهمة للبحث عن المعلومات التي نحتاجها من أجل تحديد كيفية التصرف. عن طريق سؤال فريد ما إذا كان يستطيع رؤية النمر الذي يلاحقني يمكنني بذلك معرفة مكانه. إن قدرتي على طلب المعلومات الدقيقة التي أحتاجها، في اللحظة المناسبة يحسن بشكل كبير من فرصي في اتخاذ القرار الصحيح بشأن كيفية التصرف. والواقع أن أي مجتمع لم يطرح أسئلة سيواجه على الأرجح ضررًا كبيرًا. وهذا يوفر إجابة على سؤال كريج “لماذا تظهر الأسئلة في مجتمع لم تكن موجودة فيه بعد” ببساطة، وظيفة السؤال هي البحث عن المعلومات.

إليك هذا الاستنتاج وقم بدمجه مع النتيجة التي تم التوصل اليها من نتائج الاستطلاع وسنصل إلى إجابة على سؤال “ما هو السؤال”: السؤال هو فعل تسعى به إلى الحصول على معلومات. هذه إجابتي على السؤال، وهي مختلفة تمامًا عن تلك التي تم التوصل إليها من خلال دراسات في فلسفة المنطق واللغة, وقد تختلف عن إجابتك أنت أيضًا. على أي حال، كما رأينا لم يأخذ السؤال نفسه حيزًا كبيرًا عبر التاريخ الفلسفي, ومع ذلك فالأسئلة تعتبر جزء مهم من حياتنا اليومية. إنها أداة غير ملحوظة ولكن لا غنى عنها، تنسج محادثاتنا بسلاسة، تطرح استفساراتنا، وتوجه انتباهنا إلى هذا أو ذاك. إذا أردنا أن نفهم ونعزز الدور القيّم الذي تلعبه الأسئلة في حياتنا، فإن السؤال عن ماهية السؤال يبدو كبداية جيدة.

اقرأ ايضاً: ثمانية أسئلة فلسفية جوهرية لن نجد لها حلاً

أعجبني المقال

المصدر
philosophersmag

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى