عام

“ما يؤذيك يؤذينا”: عن الموقف من الألم، والشعور به

تجد لفظ (التعاطف)، في أول ما تجدها في نصوص التراث، في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري، عن النعمان بن بشير: “تَرَى المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى عُضْوًا تَداعَى له سائِرُ جَسَدِهِ بالسَّهَرِ والحُمَّى”.

وفي حديث مسلم، الذي رواه أبو هريرة: “إنَّ لِلَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ منها رَحْمَةً وَاحِدَةً بيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ علَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ”.

يأتي لفظ التعاطف في الحديث مصحوباً بلفظ (التراحم) في الحديثين، فما (الرحمة) وما (التعاطف)؟

يحاول هذا المقال أن يبحث في معنى لفظي (الرحمة) و(التعاطف)، كما ورد في التراث. ومن أجل ذلك نرجع إلى معنى اللفظيين في (لسان العرب) لابن منظور (ت 711 هـ)

ما الرحمة؟ وما التعاطف؟

يرد معنى (الرحمة) في لسان العرب بمعنى: “الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ مِثْلُهُ، وَقَدْ رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عَلَيْهِ. وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.”

والرَّحْمَةُ فِي بَنِي آدَمَ عِنْدَ الْعَرَبِرِقَّةُ الْقَلْبِ وَعَطْفُهُ.[1]

“تَرَحَّمْتُ عَلَيْهِ” بهذه الصيغة، تحيل إلى معنى القول: “أَي: قُلْتَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ”

وعلى أن الرحمة هي “رقة القلب وعطفه”، أي أنها شعور في القلب، إلا أنها كثيراً ما ترد مفسّرة بالتعطف، و(التعطّف) -بهذا الاشتقاق- يحيل إما إلى: شعور، أو إلى فعل:

  • الإشفاق والرقة: “وتعطَّف عَلَى رَحِمهرَقَّ لَهَا”، “وعَطَفْت عَلَيْهِأَشْفَقْت”
  • البر والصلة: “وتَعَطَّفَ عَلَيْهِوصَلَه وبرَّه[2]“.

ويحيل الوصف منه إلى فعل أو سلوك: “وَرَجُلٌ عَطوف وعَطَّافيَحْمِي المُنْهَزِمين”

“وَرَجُلٌ عَاطِف وعَطُوفعَائِدٌ بِفَضْلِهِ حَسَنُ الخُلُققَالَ اللَّيْثُالعَطَّاف الرَّجُلُ الحسَن الخُلُق الْعَطُوفُ عَلَى النَّاسِ بِفَضْلِهِ”

أما صيغة فعل المشاركة: “وتَعَاطَفُوا أَي عطَف بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ”، فتحيل إلى معنى الحركة (الميل، والانحناء، والانصراف، والرجوع):

“عَطَفَ يَعْطِفُ عَطْفاً: انصرفَ”

“وعَطَفَ الشيءَ يَعْطِفُه عَطْفاً وعُطُوفاً فانعطَفَ […]: حَناه وأَمالَه”

“وعَطَفَ عَلَيْهِ يَعْطِفُ عَطَفاًرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا يَكْرَهُ أَو لَهُ بِمَا يُرِيدُ”

وعليه، فالذي يظهر لي أن لفظ (الرحمة) الذي يرد كثيراً مصحوباً بلفظ (التعطف) ومفسّراً به، يحيل إلى جانب محدد من دلالته وهو: الشعور القلبي (الذي هو رقة وميل في القلب)، بينما يحيل (التعاطف) -بمعناه الذي عُبّر عنه في نصوص التراث- إلى ما هو أوسع من الشعور، من معنى الفعل والسلوك الذي ينصرف -فيما بين أيدينا- إلى معنى المناصرة. وبهذا يزيد معنى (التعاطف) على معنى (الرحمة)، بأن التعاطف موقف وفعل مدفوع بشعور، وغير مقتصر عليه.

رحمة لمن؟ تعاطف من؟

وعلى أنه في حديث البخاري (أعلاه)، وردت ألفاظ (التراحم) و(التعاطف) [والتوادّ] مجتمعةً مضافةً إلى المؤمنين[3]، بينما وردت بصيغة الفعل (يتراحمون) و(يتعاطفون) مسندة إلى الخلق: الجن والإنس والبهائم والهوام، في حديث مسلم، إلا أنك قد ترى ما قد يشير إلى أن لفظ (التراحم) كثيراً ما يرد مضافاً إلى الناس مطلقاً ومسنداً إليهم، عموماً،. (مثلاً: في كتاب الآداب للبيهقي باب (في تراحم الخلق)، وفي كتاب الأربعون الصغرى للبيهقي باب (في تراحم الناس))، وأما التعاطف فقد يرد مسنداً إلى من يكون بينهم رابطة أو موقف أو زائد على محض البشرية، (فنجد، مثلاً، فيما بين أيدينا من نصوص المعجم، ما يحيل إلى رابطة الدم: “قَالُ: مَا يَثْنيني عَلَيْكَ عاطِفةٌ مِنْ رَحِم وَلَا قَرابة”، أو إلى حال المتعاطَف معه: “وَرَجُلٌ عطوف وعَطَّاف: يَحْمِي المُنْهَزِمين”، ونجد في حديث البخاري ما يحيل إلى رابطة الإيمان).

فكأن التعاطف الذي هو موقف مناصرة وإعانة، وانحياز يُتحصّل بموقف المتعاطَف معه، لا بمحض كونه إنساناً، بل للموقف الذي يحصل له به التعاطف، فالتعاطف هو موقف ناتج عن موقف مسبق للمتعاطَف معه، يتحقق به التأييد أو المناصرة أو المساندة، لا بمجرد الشعور برقة وميل في القلب. (المقصود أنك لا تتعاطف مع كل إنسان في كل موقف، ولكنك قد ترحم كل إنسان في كل حال).
وبهذا يزيد (التعاطف) على معنى (الرحمة) بكون الأول انحياز لموقف، بينما الثاني ميل في الشعور.
الشعور غير مقدور، الفعل مقدور

ومن جهة أخرى، فرق آخر بين (الرحمة) و(التعاطف) يتمثل في أن الرحمة ، من حيث هي شعور، غير مقدورة للعبد بتعبير الغزالي[4]، إي: لا اختيار للمرء في أن يشعر بهذا الشعور أو ذاك. وعليه، فقد يتحصل لبعض الناس من شعور الرحمة والرقة والشفقة ما قد لا يتحصل لغيرهم (فليس الناس في شعورهم على درجةٍ سواء -في حق أنفسهم أو في حق غيرهم-، والشعور بالآلام الجسدية والنفسية متفاوت بين الناس). وإذا قلنا ذلك، بقي لنا لازِمُ هذا الشعور؛ من التعاطف، من حيث هو فعل وموقف، مقدور.

ويلفت النظر أن حديث البخاري قد شبه موقف المؤمنين تجاه آلامهم باستجابة الجسد: التداعي بالسهر والحمى، وهو ما قد يجعل (التعاطف) بهذا المعنى فعلاً إلزامياً حدّ تشبيهه بحركة جسدية تلقائية، ليس فيها اختيار، يدفعها نازع الألم.


[1] “ورَحْمَةُ اللَّهِ: عَطْفُه وإِحسانه وَرِزْقُهُ”، غير أننا -في حدود هذه المقالة- نهتم ببحث معنى الرحمة في الناس.

[2]  ، “وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: البِرُّ فِعْلُ كُلِّ خَيْرٍ”.

[3] فسر ابن أبي جمرة معنى (التراحم) و(التوادّ) و(التعاطف) في حديث البخاري بقوله” “الذي يظهر أنَّ التَّراحم والتَّوادُد والتَّعاطف، وإن كانت متقاربة في المعنى، لكن بينها فرق لطيف، فأمَّا التَّراحم، فالمراد به: أن يرحم بعضهم بعضًا بأخوة الإيمان، لا بسبب شيء آخر.
وأما التَّوادُد، فالمراد به: التَّواصل الجالب للمحبَّة، كالتَّزاور والتَّهادي.
وأما التَّعاطف، فالمراد به: إعانة بعضهم بعضًا، كما يعطف الثَّوب عليه ليقوِّيه”. فتح الباري  (10/439)

[4] في حديثه عن شروط التوبة، قال الغزالي: “اعلم أولاً، أن الندم غير مقدور للعبد، ألا ترى أنه تقع الندامة عن أمور في قلبه، وهو يريد أن لا يكون ذلك، والتوبة مقدورة للعبد مأمور بها” (منهاج العابدين 2001 :88).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى