عام

كيف عمرُك؟

السؤال كم عمرك محدد الإجابة، وهي -على ثقلها- تبدو أخفّ من إجابة السؤال: كيف عمرك؟

وليست (كيف كان عمرك) لأن السؤال ممتد لا يتعلق بالماضي وحده، فلحظة الإجابة هي جزء من النظر إلى العمر وكيف هو. ولا ينبئك بإجابات عن الأعمار وكيفيتها مثل الشعراء في مراثيهم أنفسهم، أو  في قصائدهم الأخيرة، التي قالوها يستشعرون لحظة النهاية، -أو بوصف أشجى- يرجون النهاية.

الدكتور عبدالعزيز الرفاعي رحمه الله قال قصيدة (سبعون) بصوت مختلف وشاعرية  عميقة، دفعتها التجربة  دفعةً جعلتها أجود ما قال، وهذه المقالة قراءة في تلك القصيدة البائيّة الباكية..

والسبعون منعطف من المنعطفات الأخيرة التي تظهر فيها أصالة الجياد، و”يبين عتقُ الخيل في أصواتها” كما يرى أبو الطيب إن كان لا يبين بوضوح أن من الناس  “أمثلةٌ تدور حياتها كمماتها ومماتها كحياتها”، فصوت الشاعر في السبعين يعطي معنى مضافًا عند تحريره إجابة السؤال: كيف العمر؟ ليذكر أوضح ما بقي في الذاكرة من تلك الحقبة، أوضح، لا أجمل ولا أحبّ.

والعديد من الشعراء وقفوا أمام السبعين يقيّمون الرحلة، قبل أن يستبدّ الملل والسأم عند من يعيش الثمانين،  ومن أولئك أسامة بن منقذ، فأوضح ما ذكره في السبعين: الحرب:

لم تترك السبعون في إقبالها
منّي.. سوى ما لا عليه معوّلُ
حطَمَتْ قواي.. وأوهنَتْ من نهضتي
وكذا بمن طلبَ السلامةَ تفعلُ!
كم قد شهدْتُ من الحروب فليتني
في بعضها من قبل نكسيَ أُقتَلُ
والقتلُ أحسنُ بالفتى من قبل أن
يبلى .. ويُفنيه الزمانُ .. وأجملُ
وإذا قضاء الله أخّرني إلى
أجلي المؤقَّتِ لي.. فماذا أعملُ؟!

ويقول:

حتى إذا السبعون قصّرَ عشرُها

خطوي، وعاث الضعفُ في أركاني
أبلتني الأيامُ.. حتّى كَلَّ عن
ضربِ المهنّدِ ساعدي وبناني

قريب من السبعين يقول غازي القصيبي رحمه الله إنه يمزج أطوارًا بأطوارٍ ولكن أوضح ما يتذكّر:

وإنْ مضيتُ فقولي: لم يكن بطلًا
لكنّه لم يُقبّل جبهةَ العارِ

وفي السبعين قال:

ماذا تريدُ من السبعين يا رجلُ؟!
لا أنت أنت.. ولا أيامُكَ الأُوَلُ

الدكتور عبدالعزيز خوجه أوضح ما يتذكّر ابتسامة الرضا في كل حال:

إنّي لقيتُك يا سبعين مبتسمًا
راضٍ بما قد مضى.. راضٍ بما قُسِما

الجواهري أوضح ما يتذكّر المواجهات، وخيبات المشهد العربي ثقافيًا واجتماعيًا، في مطلع كل عقد يكتب فيه قصيدة، يقول في السبعين في قصيدة قيل إنه يرثي فيها نفسه ويدوّن سيرته التي تستأثر بها الخصومات:

أزِحْ عن صدرك الزبدا
ودَعْهُ يبثُّ ما وجدا
أأنتَ تخاف من أحدٍ
أأنتَ مُصانعٌ أحدا؟
أتخشى الناس!؟ .. أشجعُهم
يخافك مغضبًا حرِدا
ويدنو مطمحٌ عجَبٌ
فتطلبُ مطمحًا بعُدا
ويدنو.. حيث ضقتَ يدًا
وضِعتَ سُدىً.. وفات مدى!
أفَالآن! المُنى مِنحٌ
وكانت رغوة زبدا
وهَبْكَ أردت عودتها
وهَبْكَ جهدت أن تجدا
فلستَ بواجدٍ أبدًا
على السبعين.. ما فُقِدا!
ودَعْ فرسان مطحنةٍ
خواء تفرغ الصددا
بهم عوَزٌ إلى مددٍ
وأنتَ تظنّهم مددا

ويقول في الثمانين:

حسبُ الثمانين من فخرٍ ومن جذلِ
غشيانُها بجنانٍ يافعٍ خضلِ
طلقٌ كما انبلج الإصباحُ عن سحَرٍ
نَدٍ.. وزهر الربا عن عارضٍ هطِلِ

غير أنّ هذا الندى لا يطول، وتطول قصائد الجواهري عن زبد الجمهور والنقد والمشهد كله، مشغول بهم وشغل شاعريته البديعة عنهم، حتى اللحظات الأخيرة.

هذا الاستقراء مدخل حتمي ليظهر اختلاف (سبعون) عبدالعزيز الرفاعي، خاصة وسياقها ليس حديثًا إلى توأم الروح، مثل القصيبي، ولا عن الآخرين مثل الجواهري. الرفاعي يتذكر أشياء عديدة لكنه ليس مثلهم، لا يذكر مرح الطفولة، وطيش الشباب ومتعته وتمرّده، أخذ الحياة بجدّيّة من لحظات الوعي الأولى، ويقال إن السعداء من تعاملوا معها كمزحة طويلة، فكان الطفل المسؤول، والغلام الحليم، والشاب الوقور، جمرة العقل بين أنامله، فكانت الشيخوخة مبكرة، تخطّت به المراحل، و”أمّا الشبابُ فليس ثَمَّ شبابُ”!، ليس مثلهم يستعيد “الطفل القديما” ،  “فحلمه وتجريبه” بدأ باكرًا وأزال الفواصل بين المراحل.

ألقى الرفاعي قصيدته يوم تكريمه بين حشد من محبّيه في نادي جدة الأدبي أواخر عام 1413ه، ورحل بعدها بأشهر قليلة رحمه الله في ربع الأول من عام 1414. فلا عجب أن يكون من ركائزها: الأصدقاء.

الصداقة الحاضن للنص، المخزون الاحتياطي الذي اعتمد عليه في عاطفته المودّعة، فتتكرر مفردات مثل: صحبي، الأصحاب، أحبّتي، رفقتي.. حتى عند الحديث عن الثقافة والكتب يتحدث عن الكتاب الصديق، هؤلاء هم من بثّهم إجابته عن السؤال: كيف الرحلة؟ كيف العمر؟..

بدأ النص منهم وانتهى إليهم، شكوى البدء من طول الحقبة..ليست سأمًا كما كانت عند الأول، بل

شِدّة وكرب، وشتان بين مكروب ومتملّل!

سبعون يا صحبي.. وجلّ مصابُ
ولدى الشدائدِ تُعرَفُ الأصحابُ
سبعون! يا للهول أيّةُ حقبةٍ
طالت!.. ورانَ على الرحيق الصابُ
تتراكم الأعوامُ فوق رؤوسِنا
حتى تئنُّ على الركامِ رقابُ
لا تعجبوا إن ندّ خاطرُ مُتعَبٍ
بعد السرى.. وشكا إليه ركابُ

لم يكن المقام يحتمل رثاء  النفس في يوم تكريم، لكن يبدو أن الأمرَ لم يكن يعنيه، كان مَعنيًّا أن يخبرهم عن لمحة تبقى رحيقًا وخلاصة عن هذا المُكرَّم.. فاستعاد الرحلة الجادّة، الجدّية السِمة التي سلبت ووهبت، يقول في بيتين من درر القصيدة:

سبعون.. في دربِ الطفولةِ شوكُهُ
أمّا الشبابُ.. فليس ثَمَّ شبابُ
الجِدُّ أغراني برغم جفافِهِ
فظمئتُ.. حتى لو أتيحَ شرابُ!

يقال إن الرضا يأتي من المنجزات، ويعدّدون بدء كل عام منجرات العام المنصرم، لكن منجزات عند مَن؟ وتقدّم في تقدير مَن؟!  الدرجات والأوسمة والكراسي “قِباب.. وما هناك قِبابُ”:

سبعون.. ظنّ أحبّتي أنّي بها
أُعْلي القِبابَ.. وما هناك قِبابُ
أنا ما خدعتُهمُ ولكن غرّهم
حظّي لديهم والحظوظ عُجابُ
أنا من بنيتُ على الخيالِ قواعدي
فتصدّعت.. وانهارتِ الأطنابُ
حقًا.. رفعتُ على السرابِ دعائمي
لا عجب أن ذابت.. وظلَّ سرابُ

في معنىً ولا أشجى يلوّح بانتصاره على السنين، في لحظة يكون المغلوب فيها أقوى من الغالب، يسلبه معنى النصر، فبعضهم شهد عشرات المعارك مع السنين، فما في روحه موضع شِبر إلا وفيه ضربة خيبة، أو رمية فَقد، أو طعنة غدر، وهاهم ينتصرون على عدّاد الأعمار، نصرًا وحيدًا شجيًّا:

إنْ كنتُ كابرتُ السنين فإنَها
أقوى.. وأعنفُ.. إذ يحينُ غِلابُ!
تعِبَتْ من الألم السنونَ وأغلقَت
بيني وبين أطايبي! الأبوابُ

يمضي متأملًا غربة الحال، وإنْ “خُلّفتَ في قرنٍ فأنت غريبُ”، غربة الأصحاب وتفرقهم، وغربة الجسد وقد تغيرت حيويته وذهبت نضارته، وغربة الروح وقد “خمدت وليس ثقابُ”.. فيغمره الحنين، الحنين الغائر الغامر، للقادم لا للماضي:

حنّت إلى عبقِ الترابِ جوانحي
لا غرو يشتاقُ الترابَ ترابُ!

لم يتحدث طوال النص عن خيانات صحبة، ولا غدر رفاق، نص باسق في إنسانيته، حتى وهو يؤنسن الكتاب، الذي تشهد الدنيا بجمال صحبتهما، يجعله المعشوق والصاحب والمرفأ والمنسَب، ولَنعم المنسَب هو!:

إنّي لدى التعريف.. ربع مثقفٍ
صحِبَ الكتابَ.. فلم يخنه كتابُ
هو في دمي عشقُ الطفولة والصبا
فهو الهوى واللحن والأحبابُ
تتكسّرُ الأحلامُ في شطآنِه
فيفيض بالعذبِ النميرِ سحابُ
فإذا انتسبتُ.. فإنّ لي في حرفهِ
نسَبًا يُشوّقنُي إليه إيابُ

وعودة إلى السؤال كيف العمر؟

يجيب: بين بين..

“لا الجِدُّ ساد.. ولا الهوى غلّابُ”

ما بينَ بينَ.. فما صعدتُ إلى الذرى
أو كان لي في القانعين مآبُ
طوبى لمن جعل المحبة جدولًا
وسقى أحبّته.. فطابَ وطابوا
سبعون.. عشتم مثلها بل ضعفها!
والحاديان: سلامةٌ وصوابُ!

هذه الرحلة الجادّة محمّلة بالطيّبات من القول، والطيّب من الإخاء، حتى في الختام، تطييبًا للخواطر -بعد النفثة الشجية السخينة- يختم بالدعاء لهم، بما شكا منه ابتداء “طول العمر” دعا لهم أن يعيشوا سبعين بل ضعفها، لكنه احترز احترازًا بليغًا في حدب ومحبة: “والحاديان: سلامةٌ وصوابُ”.. هما هما العافية والصواب، إنما تؤتى متاعب الأعمار من قِبَلِ أحدهما!  فتسير الأعمار ظُلّعًا!.

رحم الله عبدالعزيز الرفاعي، فأيُّ ثاكلٍ وأيُّ وحيدة!

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى