عام

الكلمات وعاءُ الأفكار

أيُّهما يأتي أولًا: الأفكار أم الكلمات؟ مُفارقة التَّعبير

  • إيلي الشنتسكي، مايكل جيب
  • ترجمة: درة سعد
  • تحرير: عبد الله الحسين

لقد وقعت على هذه المعرفة بالصدفة، وبسرعةٍ قبضتُ على ما قَرُب من اليد من كلمات رديئة وثبَّتها أرضًا لئلا تطير بعيدًا مرة أخرى. والآن قد ذوت بسبب ما تحويه من كلمات جافّة وارتعاشات وخفقات، وأنا -بعد الآن- عندما أنظر إليها؛ بالكاد أعرف السعادة التي استطعتُ أن أحوزها ساعةَ أمسكتُ بهذا الطائر.

– ما وراء الخير والشر (1886)، فريدريك نيتشه –

«ماذا عن المُقترح الذي بدا لي مزعجًا؟»

عند تصفح مقالٍ يصفُ إجراءً تتخذه حكومةٌ محليةٌ؛ أحس بِقوى المُعارضة تتنامى داخلي. إن بناء رأيّ بخصوص مثل هذه الأمور يستغرق عادةً بعضًا من الوقت، لكن ليس هنا؛ إذ بدا لي فورًا أن هذا المُقترح جائر. ردة فعلي هذه ليست عقلانيّة فقط، بل عميقةً أيضًا. مشاعري حاضِرة ومخيلتي في طور العمل. وفيما أنا أتخيّل هذا المُقترح يُنفذ عمليًّا؛ أخذت رائحةُ الظلم المُميزة تفوح من كل كلمة في الصفحة.

عندها قررتُ أن أتسلح بالكتابةِ حلًا لمشكلتي مع  هذا المُقترح؛ وذلك بالرد على الزميل الذي أرسل لي المقال. قلتُ: «هذا غير عادل!» بنبرةٍ تخلو من الصبر موضحًا لبّ ما يزعجني. غير أن مقتضى البيان كان عامًا جدًا بحيث أنه يكاد لا يحمل أي معنى.

«أخرق، مستبدُّ مستتر، مؤذٍ عميق التأثير». شلالٌ من الكلمات ينهال عليّ، غير أني بعد بضع بدايات مُتعثرة، استعدت ثقتي وها أنا أحث تعابيري مع كل جملةٍ على المضيّ قدمًا. أعدل بعضًا من الكلمات، ويضع التحرير كل شيء في نصابه. أدرك -أثناء قراءة ما كتبت- أنه على الرغم من وجود حيّز للإطناب؛ إلا أن هذه الكلمات في هذه اللحظةِ تُعبّر بدقةٍ عن موقفي. لقد عثرتُ على  الكلمات التي تُفصح عن فكرتي.

تَعرض لنا دومًا تلك الهوّة الكائنة بين أفكارنا الفرديّة والكلمات التي تنقل أفكارنا للآخرين. ربّما تُمثل الأفكار التي نكافح في سبيل إبدائها حدثًا مصيريًا كتحولٍ أخلاقيّ فُجائيّ أو حدثًا عاديًا كفهمٍ لمغزى فيلم أو سلوكٍ مؤلمٍ لصديق. قد تبدو الأفكار مفعمةً بالأمل أو مثيرةً للقلق، تافهةً أو مُهمّة، تقودنا إلى اكتشاف القيمة في بعض الأمور أو تبثُّ فينا القلق بشأن أخرى. قد تكون أفكارًا نحملها منذ زمن بيد أننا لم نفصح عنها، أو رؤى لحظيّةً تُقِل في طياتها شيئًا جديدًا تمامًا لم نألفه من قبل يتبادر إلى أذهاننا على حين غرّة. في حالاتٍ شتّى، نحن نعبّرعن هذه الأفكار لكي نستوضح ماهيّتها، ونحن لن نتكلف عناءَ التعبير عنها إذا كانت عندنا واضحةً مسبقًا.

إن استيضاح فكرةٍ ما بمُساندة من اللغة هي تجربةٌ لم تظفر -ممّا يُثير الدهشة- إلا بقليلٍ من الاستقراء. انصبَّ تقريبًا تركيز فلاسفة المعرفة ممن تأثر برينيه ديكارت على حالاتٍ دون سواها، ويتلخص محتوى هذه الحالات في أن معرفتنا بأفكارنا هي معرفة تلقائيّة ولحظيّة. على سبيل المثال؛ عندما أدير المفتاح قد يجول في خاطري أن الباب مغلق. لم تكد تلك الفكرة تقفز إلى ذهني حتى علمتُ أني أفكر فيها. وبينما أكون قد جانبتُ الصواب فيما يخصُّ الباب (ربما القفل مكسور)؛ فإن حشدًا من علماء الأعصاب لن يستطيعوا زعزعة قناعتي التي مفادها أن هذه الفكرة تجول في بالي. انطلاقًا من إعجاب الفلاسفة بما تتصفُ به معرفتنا بأفكارنا من اسثنائيّة وما يكتنفها من حصانة في مثل هذه الحالات؛ سعوا إلى فهمها واستخدامها لإرساء الأسس لجميع معارفنا.  لكن الحالات المُستعصية التي يلزمنا فيها أن نجتهد في سبيل استجلاء أفكارنا المُعتمة قد حظيت باهتمامٍ أقل بكثير.

 لقد أُغفلت هذه الحالات -على نحوٍ مماثل- في مجالات أخرى. حيث درس اللغويون القواعد المجردة للنحو والمعاني التي تتيح لنا استيعاب طائفةٍ لا حد لها من الأفكار المُستحدثة، غير أنهم  يتجنّبون بانتظامٍ مسألة تطبيق هذه القواعد لأجل توليد الكلام. نعوم تشومسكي -الذي أحدث ثورةً في دراسة المبادئ التي تكمن وراء كفاءتنا اللغوية- كتب عام 1986 أنه: «بالنظر إلى الجانب التوليدي المُبهم… من الصعب أن نتلافى الاستنتاج القائل أن المشاكل الجسيمة التي طُرحت هنا من الجائز أنها ألغاز مستغلقةً على العقل البشري». وأولئك الذين تجرأوا على استقصاءِ عملية تحول الأفكار إلى كلام -كما فعل ليفيلت ويليم الاخصائي اللغوي النفسي في حديثه المُبتكَر «من الإضمار إلى التعبير (1989)»- قد  فعلوا ذلك بسخاءٍ من خلال تحليل زلاتٍ شائعة للسان (مثلًا؛ «اليسار Left» بدلًا «اليمين Right» و«Wish» بدلًا من «Fish»)، وذلك في حالات يغدو التعبير فيها سريعًا ومفتقرًا إلى الاحساس بمعنى الاكتشاف. وإمكانيّة دراستها لن تبزغ إطلاقًا ما لم يكن ثمةً طريقة مشابهة للتحقيق في الحالات المُستعصية.

ومع ذلك، فإن المُجازفة باستجلاءِ هذه الحالات من شأنه أن يُلقي النور على ما نواجهه في التعبير من تحديات هي أشد عمقًا، ومن شأنه أيضًا أن يُغيّر فهمنا لأنفسنا وعلاقتنا بأفكارنا، وأن يعاوننا في تطوير أفكارنا في المساعي الإبداعية الأخرى. ومع أننا ألِفنا هذه الحالات، إلا أنها تطرح بعض الأسئلة الأساسيّة: ما الغايةُ من استيضاح الفكرة؟ ما الذي جعل أفكارنا الأوليّة مُبهمة؟ وكيف يمكننا أن نوجد فكرةً واضحةً ذات صلة بالمعنى الواقعي الذي تشير إليه؟ هذه الأسئلة تمسُّ قضايا ضروريّة تدور في فلك العلاقة بين الفكر واللغة، وبين العقل الواعي واللاواعي.

طريقنا نحوها يُستفتح بمُلاحظتين تبدوان متناقضتين مع بعضهما البعض.

المُلاحظة الأولى هي أن التعبير عن أفكارنا في الحالات المُستعصية هي طريقتنا في اكتشاف ما نفكر فيه.  اقتبس الفيلسوف دانيال دينيت عام 1991 طرفةً لـ آي إم فورستر: «أنّى لي أن أعرف ما أفكر به حتى أبصر ما أقوله؟»، مؤكدًا على أننا: «في أحوال جمّة نكتشف ما نفكر فيه … من خلال تأملنا في ما نقول».  وسواء ألفيتُ في مثالي الاستهلاليّ علةً حقيقيةً للغضب من الإجراء الحكومي؛ إلا أني أشعر أنني ظفرتُ بشيءٍ من الحكمة فيما يخص الانزعاج الذي أصابني.

 الملاحظة الثانية -المتناقضة على ما يظهر- هي أن التعبير عن أفكارنا في الحالات المُستعصية يعد عملًا مفيدًا لا يتمثل ببساطة في خلق الكلمات بصورةٍ آليّة وتلقائيّة. الكلمات التي نتفوّه بها حالما نُصدم بأفكارنا (مثلًا؛ «ما أشنع هذا الأمر!»، «يا لها من فوضى!») قد لا تعكس ما نفكر فيه إطلاقًا؛ إذ قد تغشانا بسبب العادة، أو لأنه يجري ذكرها على ألسنةِ الآخرين كثيرًا، أو لمجرد تولعنا بالصورة التي تتجلى بها.  نوّه جورج أورويل بخطورة الانصياع للاسترسال الطائش لمثل هذه الكلمات، كما حذر في كتابه «السياسة واللغة الإنجليزية» (1946) من أن العبارات الرنّانة التي تتقافز بسرعة ستؤلف جملك عنك، -بل أيضًا ستفكر بدلًا منك، إلى حدٍ معلوم- وعند الضّرورة ستنهضُ بالمهنةِ الجسيمةِ المُتمثلةِ في مواراة المعنى جزئيًا حتى عن نفسك.  لكي نُصيب النجاح في تعابيرنا؛ فإننا نحتاج إلى تقليص تعابيرنا الغامضة، بينما نتّقي الكلمات التي تُغير شيئاً مما نفكر فيه أو تُغطيه بستار.

 إنَّ ما نزاوله في هذه العملية من انتقاءٍ دقيق لا يتّفق مع الجهالة الذي نأمل منه أن يداويها. والغرضُ من التفتيش عن الكلمات -في الحالات المُستعصية- هو توضيح ما نفكر فيه؛ والوضوح الذي نسعى إليه يشمل فيما يبدو المعرفةُ القائلةُ أن فكرةً معينةً تلوح في أذهاننا.  في ذاتِ الوقت، انتقاؤنا للكلمات يحمل معنى عندنا، ولذا يبدو أننا يجب أن ننتقيها لسبب مُقنع.  بيد أنه من الصعب أن نعرف كيف نحظى بسببٍ لقبول أو رفض الكلمات إذا لم نكن نعلم حقًا ما الفكرة التي نحاول التعبير عنها.

 قارن: أثناء وصفِ صورةٍ أو ترجمةِ عبارةٍ إلى لغةٍ أخرى، تتبيّن الصورة أو العبارة بجلاء في عقولنا ونتلمّس من الكلمات ما يناسبها. ليس بمقدورنا اختيار الكلمات المناسبة ما لم نعرف ما تَصفه الصورة أو تقوله العبارة.  لذلك، إذا كان مُبتغانا هو التعبير عن فكرة مُحددة؛ فطريقةُ اختيار السُبُل الملائمة لتحقيق مُبتغانا غير واضحةٍ في حال كنا نجهل ما نفكر فيه.  ليس باستطاعتنا الحكم على كلماتنا بالصحةِ دون مقارنتها بفكرتنا، ولا يمكننا مقارنتها بفكرتنا ما لم نعرف الفكرة التي نحاول الإفصاح عنها.  يُشير جان بول سارتر إلى هذه المفارقة -التي يُمكننا أن نُسمّيها «مفارقة التعبير»-، في «الوجود والعدم» (1943):

هذا فعلًا ما أدركه علماء اللغة وعلماء النفس … لقد اعتقدوا أنهم عثروا على تسلسل يتعلق بصياغة الكلام؛ فلزامٌ على المرءِ كي يتكلم أن يعرف ماهيّة فكرته.  لكن كيف يمكننا أن نتيقّن من أن هذه الفكرة حقيقة جليّة وراسخة في مفاهيمنا بغير أن نفصح عنها بكل دقةٍ؟

 وحتى إذا عثرت أقدامنا صدفةً بالتعبير الصحيح -مثلًا؛ من لسان صديق أو في منتدى للمناقشة على الإنترنت- كيف نتبيّن أنها تُعرب عمّا يدور في خلدنا؟

لحل هذه المفارقة قد يقول المرءُ أن اللغة ليست مجرد أداةٍ للتعبير عن الأفكار؛ لكنها كذلك وسيلةٌ لتطويرها. إن عمليةَ التعبير تكشف غالبًا عن قُصور وخلل يعتري تفكيرنا؛ فالأفكار حالما ننطق بها أو ندوّنها قد تتراءى لنا أقل إقناعًا مما ظهرت أول مرة. وساعةَ نحاول التعبير عن هذه الأفكار يتّضح اضطرابنا.  يمكن لهذه التجربة المشتركة أن تستهوي المرء بسذاجةٍ لأن يظنّ أن التراكيب -في الحالات حيث التعبير فيها عسير- التي آل بنا المطاف إليها تُضيف شيئًا جديدًا لأفكارنا الأوليّة.  إن إبانةِ ما نفكر فيه -وفقًا لهذا الرأي- قد لا يكمن في التعبيرعن فكرتنا المتأصلة، بل في توطيدِ عزمنا بشأن أمرٍ ما؛ وذلك عن طريق خلق فكرةٍ أكثر ثباتًا وتماسكًا.  إذا لم تكن بُغيتنا توليد كلمات تتسق مع أفكارنا، فلا يبدو أن ثمة تناقضًا في شرح كيف بمقدورنا أن نميّز الكلمات المناسبة للتعبير عن أفكارنا.

 على أنّ الأمور ليست بهذه البساطة. ففي حينِ أن اعتبار عميلة التَّوصل للوضوح عمليةٌ لبناء الأفكار -مما قد يعالجُ في بعض الحالات مُشكلة التناقض- إلا أنه في أحسن تقدير لا يُقدّم إلا نصف الصورة فقط.  ربَّما تكون أفكارنا أدقّ مما يمكننا التعبير عنه بكل يُسر.  كتب عالم الرياضيات ويليام ثورستون -الذي حصل في عام 1982 على ميدالية فيلدز لمساهماته الرائدة في الطوبولوجيا الهندسية-: «هناك أحيانًا عامل هامّ مساهمٌ في الإطالةِ أثناء ترجمةِ الرموز القابعة في ذهني إلى شيء يمكن إيصاله إلى الآخرين». في أثناء ذلك -ووفقًا لما كتب عالم الرياضيات نيكولاس جودمان في عام 1979-:

 «من أشقّ الأمور التي تُواجه عالم الرياضيات هي عندما تلوح في باله فكرة، غير أنه في الوقت الحاضِر عاجزٌ عن التعبير عنها… في أحيان شتّى تتبدى هذه الأفكار بادئَ ذي بدءٍ باعتبارها صوراً بصرية أو حركية.  وقتما تتضح الأفكار لدى عالم الرياضيات، فإنها تغدو أكثر رسمية، ولعله يكتشف أنها تُنبئ عن بُنية داخلية هائلة، وهي بَعدُ -إذا جاز التعبير- لم تتحول إلى رموز لغوية”

وتغصُّ كتابات نيتشه برثائياتٍ كان دافِعُها قصور اللغة عن احتواءٍ شاملٍ لأعزّ أفكاره في كلمات. لا حاجة للمرء أن يكون ذو رؤية رياضية أو فلسفية ليُصيبَهُ هذا الإحباط.

في المفارقة يتردد صدى لغز سقراط: كيف باستطاعتنا الاستقصاء عن أمرٍ نجهل كنهه؟

إن تفكيرنا -كما توضح علوم العقل والعلوم المعرفية أكثر فأكثر- لا يخطو في مسارٍ واحد فقط كالحاسب التسلسلي؛ بل إنه مُقسم إلى ضروبٍ من الوسائل أو أنماط  من التفكير التي تتصل ببعضها البعض بطرق معقدة وغير واضحة. قد تكون طبيعة التَّفاعل ذات التعرجات مسؤولة عن الفجوات الواقِعة داخل العقل، كما أخبر بذلك جُملة من الكتاب والمفكرين. إن اللغة بمعاييرها المميزة وقيودها الخاصّة ما هي إلا نمط واحد للتفكير.  ومع أنها تُزودنا -وعلى نحوٍ فريد- بنظرةٍ بعيدةٍ عن أفكارنا؛ إلا أنها محضُ أداة عاجزةٍ عن تصويرها بدقة. ثمّة أنماط أخرى يمكن أن تعرض لنا وجوهًا من الواقع وتتصل مُباشرةً بعواطفنا، إلا أنها أقل إذعانًا للتفكير والتعبير الواضِحَين.  إن المُتحدث غيرِ المتعاون (واللئيم) هو فقط من يَعدُّ عراقيلنا أثناء التعبير آية على افتقارنا إلى أي شيءٍ ذي معنى لنقوله.

النطاق الذي يقع بين الحالات التي نستهلّ فيها بأفكار محددة والحالات التي نبني فيها أفكارًا أثناء عملية التعبير يتَّسع لطائفة حافلة بالمساعي الإبداعية. من جانبٍ واحد، هناك رسامون -مثل جاكسون بولوك وجيرهارد ريختر- يُقللون من التحكم الواعي في لوحاتهم التجريديّة اللونيّة مما يُتيح للفرشاة -مع الحظّ- أن تفرض النتيجة النهائيّة. على الجانب الآخر، هناك الذين يُخضِعون حتى أصغر تفاصيل عملهم لرؤيتهم المبدئية.  شبَّه ستيفن كينج عملية تأليف رواياته بعملية التنقيب عن أحفور كان حاضرًا مُسبقًا عندما ابتدأتْ الكتابة.  ووصف مارسيل بروست الوحدات الموسيقية التي أرشدت فينتويل -ملحن مقطوعة «Swann’s Way»

(1913)- بأنها «أفكار حُجبت في الظلال … منفردة تمامًا عن بعضها البعض، متفاوتة في القيمة والأهمية».

قد تكون الحالات التي نستخدم فيها اللغة لبناء الأفكار منيعةً ضد مفارقة التعبير؛ لأنها لا تنطوي على اكتشاف ما كنا نفكر فيه.  إلا أن هذا يدعنا مع الجانب الآخر من النطاق: كيف نعرف أفكارنا المبهمة دون أن ندرك ماهيّة هذه الأفكار؟ تبرز مفارقةٌ وثيقة الصلة في مجالات إبداعية أخرى نشرع فيها بأفكار مُتكاملةٍ نسبيًا أو «أحافير» تُنير طريق عملنا.  بدون الإطلاع التامّ على الحفرية التي نسعى للكشف عنها، لا نستطيع أن نُدرك ما إذا كان استنتاجنا يتَّسق معها. غير أن معرفة ما نسعى إليه بدقة من شأنه أن يستنزف الإبداع والتشويق المتأصل في عملية التنقيب، قد نستعين أيضًا في بقيّة العمل بآخرين.  يتردد في المفارقة صدى لغز سقراط القديم حول سؤالٍ في «مينو» أفلاطون: كيف باستطاعتنا الاستقصاء عن أمرٍ نجهل كنهه؟ وفي حال كنا نعلم؛ فما الغاية من الاستقصاء؟

إن الحل وراء لغز سقراط  يكمن في التوازن بين السؤال والتّذكر؛ وهي عمليةٌ تبعثُ الروح في المعرفة المكتسبة مسبقًا ولكن المغمورة.  حتى ولو اتضح أن جواب المشكلة المفترضِ حلها غير مرضٍ؛ إلا أنه يُمثل مفتاحًا لحل مفارقة التعبير. أثناء استكناهِ أفكارنا بتعاونٍ من اللغة فإننا لا ننطلق من فراغ معرفي.  إذ مثلما نتمكن من استكشاف الجغرافيا الكاملة لجزيرةٍ ما عن طريق الإحاطةِ بإحداثياتها ومن ثمّ نبحر لها، نستطيع أن نعرف الكثير عن فكرة ما من خلال الاستفادةِ من نوعٍ معين من المعرفة بها.  إن المعرفة التي نستفيد منها ليست المعلومات المحددة التي يجدها المرءُ في الكتب المدرسية، بل هي شكل من أشكال المعرفة الضمنية، وهي أشبه بالمعرفة عن طريق التّجربة.

يمكننا أن نتصرف بأسلوبٍ أفضلٍ مع ماهية هذه المعرفة والكيفية التي تسمح لنا من خلالها أن نستبين الكلمات الصائبة بالقياس على أشكالٍ بسيطة من أشكال التعرف. خذ مثلاً تعرفنا على الألوان. إذ أننا عندما نرى ظلًا لأحد الألوان فربما نعلم أن اللون هو لوننا المُفضل؛ لون بين الأحمر والأبيض؛ لون طيور النُحام وأزهار الكرز وما إلى ذلك.  ومع هذا، فإن ما تحت تصرفنا من أجزاءٍ من المعلومات الواضحة تكون أقل تحديدًا من أُلفتنا الخفيّة باللون والتي اكسبتنا إيّها تجربتنا معه.  قد يتطابق وصفنا الصريح للون مع درجة مختلفة تمامًا من اللون الوردي؛  ومع ذلك  يمكن أن تُصبح تجربتنا مع اللون أكثر ثراءً من وصفنا، وتظل تُمكّننا من التفريق بين الظلين.

 إن إدراكنا للكلمات التي تتوافق مع أفكارنا لا يعتمد -كتعرفنا على الألوان- على منطق المعلومات البيّنة.  وفي كلتا الحالتين يتأتَّى الإدراك من تجربة فوريّة.  وكما نستطيع إعادة التعرف على اللون من خلال الاستناد على أثر تجربتنا فيه، فإننا نستطيع أن نستشفَّ فكرةً في الكلمات التي تُعبر عنها عن طريق الاعتماد على «بصمتها»؛ الأسلوب الفريد التي تَسِمُ به تجربتنا.  ونظرًا لأن إدراكنا قائمٌ على تجربةٍ لا معلومة واضحة، فإن تخيّلنا المُبدئي (الواضح) للفكرة من شأنه أن يصبح ضئيلًا ومضللًا بين حينٍ وآخر. ومع ذلك وعلى عكس الألوان بمقدور كلماتنا أن  تُباغتنا بإزالة الحجب عن أكوامٍ من الثراء والتنوع في أفكارنا التي استترت عنا من قبل.

قد تُشكل علينا التناقضات الكائِنة بين تخيلنا لما نبحث عنه وما نكتشفه في نهاية المطاف، ولكنها في الواقع شائعة في حالة الذاكرة المُختصة بالتعرف على الأشخاص والأشياء. مثلًا؛ تأمل في محاولة تذكر اسمٍ لممثل، عندما نشرع في التذكر قد نشعر أن الاسم يبدأ بحرف التاء: «إنه توماس أو شيء كهذا…»، ولكن حالما يتّضح الاسم الصحيح فإننا ندرك أنه يبدأ بحرف الدال بدلاً من التاء: «آها! إنه دانيال داي لويس!». في حالاتٍ شبيهة بهذه، من الأحسن لنا أن نتخلى عن  توقعنا للاسم. وبالمثل؛ فمما يُعيق سبيل التقدم هو محاولة قولبة الكلمات تبعًا لظنونا بخصوص ما ينبغي أن يكون، وهذه عظة تتكرر في الميادين الإبداعية الأخرى.

إن فهمَ الكيفية التي تُنتج التجربةُ بها شكلاً من أشكال المعرفة الضمنية والكيفية التي تؤدي بها هذه المعرفة إلى فهمٍ واضح يمكن أن يغير بصورةٍ جوهريّةٍ طريقتنا في التفكير في أنفسنا وعلاقتنا بأفكارنا.  رأينا كيف أن تصورنا الواضح لأفكارنا يُساهم مساهمةً قاصرةً في الحالات المُستعصية، إذ يبدو أن تجاربنا المباشرة مع الأفكار تقود الطريق.  ولكن إذا كانت الأسباب والمقاصد والغايات الواضحة التي نُميّز بها لا تُرشد اختيارنا للكلمات، فقد نخشى من أن الآلية التي وصفتُها لا تترك متّسعًا لنا. ومع هذا لا تزال ثمّة وسيلة حاسمة نتمسّك بها في هذه العملية.

تأمّل هذه الحالة المُشابهة: التعبير العاطفي. فعلى عكس التغييرات الجسدية اللاإرادية التي هي جزءٌ من المشاعر (كالاحمرار والتعرق  والارتعاش)، فإن تعبيراتنا عن المشاعر (كالقفز من الفرح  والمسح على شعرِ طفلٍ في حنان) تبدو في أحيان كثيرة أمورًا نفعلها عن قصد، حتى لو لم تكن نتيجةً لنوايا أو أسبابٍ مسبقةٍ واضحة. تتناقش الفيلسوفة روزاليند هورستوس عام  1991 -في وصفها للتعبير العاطفي- بشأن أن العديد من الأفعال المعبِّرة عن المشاعر لا يمكن تفسيرها البتة من جهة الأسباب؛ قد أسمح لنفسي بتحطيم إناء في لحظةِ غضب، غير أني لا أقرر عمدًا أن أفعل ذلك لأجل أن أفصح عن حالتي الذهنيّة بصورة مُثلى.

وكذلك فإن الإفصاح عن اعتراضي على الإجراء الحكومي في المثال الاستهلاليّ لا يتضمن حجةً واضحةً بشأن ما يجب أن تكون عليه الصياغة. إن مساهمتي الواعية في العملية هي في بادئ الأمر جزءٌ من عملية «التجريب حتى الإتقان»؛ حيث أحاول أن أبعث الروح  في عملية تعبيرعفويّة  ثم أدعها تكبُر. ومثلما أن عملية التعبيرعن المشاعر تتحكم بها العاطفة بطريقة مباشرة؛ فإن العملية التي أحاول استدعائها يتحكم بها ذهني بطريقة مباشرة أيضًا.

ومع ذلك وبعيدًا عمّا نفعله بلا وعي، فإن صياغة الأفكار تستلزم الدقة والمرونة والاهتمام والرعاية.  إن الإفصاح عن اعتراضي على الإجراء الحكومي هو بجلاء أمرٌ أفعله بنفسي وليس أمرًا مفروضًا عليّ.  ولئن كانت هذه العملية خاضعة للذهن؛ إلا أن الذهن في نفس الوقت خاضعٌ لي. هناك سمة مثيرة للاهتمام تخصُّ انخراطنا في التعبير؛ إذ بمجرد أن تسير العملية قُدمًا بإمكاني أن أنغمس فيها وأرى نفسي وأنا أفعلها عن قصد. الكلمات التي أقولها تخرج عمدًا لكن ليس هذا معناه أنها تُختار عن عمد؛ بل المعنى أنه لا يعيقها رقابة أو كبتٌ داخلي. يمدُّنا هذا الفهم للتعبير بمخرجٍ من المفارقة عن طريق استيضاح الكيفية التي نتمكن من خلالها التعرف على الكلمات التي تعبر عن أفكارنا، وليس هذا فقط؛ بل وأيضًا استدعاؤها بفعاليّة دون الاعتماد على أي معرفة صريحة تتعلق بما نفكر فيه.

سواء أكان المرء يتقبّل هذا الحل أم لا، فإن المفارقة تزوّدنا بأداة لتفحص عملية التعبير بطريقة منهجية. يقف التّفحص في مفترق اهتمامَين أساسِييَن؛ طبيعة المعرفة وطبيعة القوّة والنفس. إن الوصول إلى فهم هذه العملية ليس مجرد تمرين فكري؛ بل سعي عملي لمحاولة الكشف عن مبدأ الكيفية التي نتعرف بها على العالم وعلى أنفسنا. إذا كنا نجهل دعائم ردودنا؛ فإنها ستتحكم بنا، واستيضاح الأفكار التي تدفعنا إلى التفوّه بهذه الردود يمكن أن يقود إلى الانعتاق. إن النضال النظري بشأن تحويل معرفتنا المُبهمة مع هذه العملية إلى فهم جليّ يقع في ميدان التحقيق الحالي؛ هذه الكلمات هي نتاج هذه العملية نفسها.

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى