عام

الوقود الأحفوري إلى أين؟

  • بيل ماكيبين
  • ترجمة: الجوهرة الخماش
  • تحرير: محمد قناوي

الحاجة إلى تنظيف هذه الآبار يمكن أن توفر عملًا مستمرًا للعمال الذين حفروها على وجه الخصوص، مما يسمح لهم بالمُضي قُدماً نحو المستقبل.

تموت صناعة الوقود الأحفوري ببطء، ولكن ليس بسبب التأثير العابر لفيروس كورونا الذي أدى إلى انخفاض الطلب مؤقتًا فحسب؛ بل هو تحت تأثير العديد من المسببات طويلة المدى بحسب مايقوله الاقتصاديون.

جاء في بلومبرج الأسبوع الماضي أن مرافق الغاز الطبيعي تعاني من احتقار المستثمرين لها، فهم يريدون استثمار أموالهم في الكهرباء المتجددة،  ولكن السؤال الرئيسي المطروح هو: ما مدى بطء احتضار هذه الصناعة؟ أنحن بحاجة ماسة إلى تسريع المسار الحالي لمواكبة تغير المناخ الطبيعي؟!

كما أنه ليس من السابق لأوانه البدء في التساؤل عما ستخلفه هذه الصناعة إن لم يكن الكوكب شديد الحرارة.

وعلى ما يبدو أن الإجابة واحدة، وهي وجود عدد كبير من الثقوب في الأرض توازيها ثغرات أكبر في الميزانيات الحكومية، فمن الجليّ أن شركات النفط والغاز في الدول التي تُعرف بالولايات القضائية حول العالم قد فشلت في الاستصلاح أو حتى سد الآبار القديمة التي لم تعد تنتج بكميات تجارية، فهذه الخصوم (الالتزامات) غير الممولة هائلة جداً.

لنأخذ مقاطعة ألبرتا في كندا على سبيل المثال: حيث قدرت منظمة ألبرتا للطاقة علنًا أن المقاطعة تواجه ١٨.٥ مليار دولار من تكاليف آبار النفط والغاز التي يجب إيقاف تشغيلها، لكن المراجعة الداخلية لشركة AER تُظهر أن التكلفة المقدرة يمكن أن تصل إلى أربعين مليارًا حتى سبعين مليارًا، منها  7000 بئر اُستنفدت بعد نقطة الربحية.

كما أن هنالك ثلاثة وتسعين ألف بئر أخرى خاملة، وسبعة وسبعين ألفًا سُدت بالفعل، لكنها تنتظر الجزء الأكثر تكلفة في تنظيف الموقع.

إن العديد من هذه الآبار تيتمت بعد أن أفلست الشركات التي تملكها، والبعض الآخر بعد أن خلّف ندوباً في المناظر الطبيعية لا يزال يُسرب الغازات الدفيئة، مثل: الميثان في الغلاف الجوي، مما يجعل الحياة صعبة على المزارعين الذين يتوجب عليهم العمل في محيطهم.

لدى سلطات ألبرتا ما يقارب مائتان وستة وعشرون مليون دولار “من ودائع الضمان لدفع ثمن التنظيف إذا أعلنت هذه الشركات إفلاسها”.

الصورة تبدو نفسها حول العالم؛ فقد نشرت مبادرة  The Carbon Tracker (متعقبو الكربون)، وهي مؤسسة بحثية مقرها لندن= ورقةً الشهر الماضي تُشير فيها إلى “التزامات سحب الأصول” وهو ما ستدفعه شركات النفط لتفكيك آبارها القديمة وإزالتها بكفاءة، كما تعتبر التكاليف المتعلقة بالتزامات سحب الأصول كبيرة

على الرغم من صعوبة تحديدها؛  نظرًا لأن “الشركات غير مطالبة بالإفصاح عن المعلومات ذات الصلة، ونادرًا ما تفعل ذلك.”

ولكن في أوروبا، مثلاً وفي عام ٢٠٠٦ بلغت هذه الالتزامات البيئية نصف التزامات ديون الشركات المبلغ عنها.

لطالما كانت فرضية العمل أن التكاليف ستُدفع من عائدات العمليات المستقبلية: حفر بئر جديد، ثم يُخصص جزء من الربح لتغطية آخر بئر. لكن هذا الافتراض لم يعد منطقيًا، وذلك لأن تغير المناخ يجبرنا على إبقاء النفط والغاز في الأرض، كما أنه من المرجح أن يتوقف تدفق الإيرادات لعملية التنظيف هذه.

ويخلص التقرير إلى أن وضع المسئولية على عاتق دافعي الضرائب أصبح خطراً من الصعب تجاهله. علاوة على ذلك، فإن حجة الصناعة تدعو للتساؤل عن سبب السماح بنشاط النفط والغاز في المقام الأول، إذا كان المشروع لا يستطيع دفع تكاليف إنهائه”. هي فكرة جيدة، ولكن ستصبح عبئًا على قطاع الوقود الأحفوري المتأخر بالفعل، حيث سيبدأ المستثمرون في طرح المزيد من الأسئلة الاستقصائية.

في الأسبوع الماضي قدم مارك أولالدي وريان مينيزيس، في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، صورة واضحة جداً لمدينة لوس أنجلوس وحدها حيث اتضح فيها أن بها ما يقرب من ألف بئرٍ مهجورة. وإذا لم يتم سدها وتنظيفها، فإن العديد من هذه الآبار المهجورة ستستمر في تعريض الناس للغازات السامة وتعقيد إعادة التطوير كما أنها تشكل تهديدات قد تكون نادرة ولكن خطرها يكمن في حدوث الانفجارات.

لو قامت الدولة بالتنظيف، فسيكلفها ذلك عشرات الملايين من الدولارات، ويالها من مفارقة! إدارة الإطفاء بالمدينة ليس لديها إلا مفتش واحد فقط للآبار ويعمل بدوام كامل.

إذا كان هنالك جانب مضيء في كل ذلك، فهو أن الحاجة إلى تنظيف هذه الآبار يمكن أن يوفر عملًا مستمرًا للعمال الذين حفروها على وجه الخصوص، مما يسمح لهم بالمُضي قُدماً نحو المستقبل.

قام ناشطان كنديان هما: ريجان بويشوك، مؤسس (ريكلايم ألبرتا) ومشروع الإفصاح عن الالتزامات في ألبرتا، وآفي لويس، المؤسس المشارك والمدير الإستراتيجي لـ (ليپ) بتحديد ما سمياه “الفرصة الملحمية”.

وكتبا أن أي حكومة “جادة في إحداث الطفرة التالية في صناعة النفط” ستجبر الشركات التي جنت أرباحًا بمئات المليارات من الأراضي الكندية على استخدام عائدات آبارها الناضجة والمتهالكة لضمان عملية التنظيف، وخلق “عقود من التوظيف الكامل” في ألبرتا.

وسيكون ذلك الأقرب لنهاية سعيدة، فلا يزال بإمكان صناعة النفط حفظ الكوكب.

 

لنستمع أكثر

هذا الأسبوع، أجريت مقابلة مع فان آر. نيوكيرك، وهو كاتب في ذا أتلانتيك، حول سلسلة البودكاست الجديدة “فلودلاينز” (التحذير من الفيضانات) والتي صدرت هذا الأسبوع، وهي تتكون من ثمانية أجزاء تلقي نظرة على ما خلّفه إعصار كاترينا، وفي نفس الوقت أيضًا هي نظرة على اللحظة التي برز فيها كل من تغير المناخ وعدم المساواة التي أثارت مخاوف الكثير من الأمريكيين.

وكأن كارثة كاترينا تنذرنا بشأن تغير المناخ، وأيضًا تخبرنا  من هو المهم، ومن ليس كذلك في بلدنا؟ أعتقد أن عددًا لا بأس به من الأمريكيين صُدموا عندما اكتشفوا أن الكثير من مواطنيهم ليس لديهم سيارات؛ لذلك لم يتمكنوا من الفرار ببساطة.

هل هناك لحظة أهم من تلك التي نكتشف فيها عمق عدم المساواة في أمريكا؟!

أعتقد أن كاترينا وانكسار السدود كانت لحظة مماثلة، على سبيل المثال، لكارثة قصعة الغبار، من حيث إعادة لفت انتباه الناس إلى عدم المساواة في أمريكا.

فبعض الانتقادات لسيادة الأبيض (والعنصرية البيئية) التي نعتبرها شبه قياسية اليوم، كانت تعتبر هامشية أو تآمرية قبل إعصار كاترينا.

وفي تقدير الأمم المتحدة سنرى مليار لاجئ بسبب المناخ هذا القرن. وبالنظر إلى دروس شتات كاترينا، ما الذي يتوجب علينا التفكير به عندما نقرأ أرقامًا كهذه؟

الدرس المستفاد من إعصار كاترينا هو أننا نشهد بالفعل تحركات جماهيرية للناس داخل الولايات المتحدة على هامش الكوارث المناخية.

كرر إعصار ماريا في عام ٢٠١٧ ذات الأمر، لذلك يجب على قادة الدول أن يخططوا بالفعل لتحولات كبيرة ودائمة في عدد السكان بسبب الكوارث المفاجئة والاستنزاف على المدى الطويل.

سيعيد الكثير من الناس التفكير في معنى “الوطن”، لكن الشيء الآخر الذي يجب أن تعلمنا إياه كاترينا أن الوقت ربما حان لإعادة التفكير في أمر اللاجئين أيضاً.

لا ينبغي أن يكون الدافع وراء الالتزام الأمريكي تجاه ضحايا تغير المناخ هو التضحيّة، أو العمل الخيري فقط.

بدلاً من ذلك، هؤلاء الضحايا لديهم دعوى ضد بقيتنا، وضد سياسة الحكومة الأمريكية، وضد أولئك الذين قد يستفيدون من نزوحهم، وضد من هم منّا يزيدون من حرارة العالم ويقللون من احترامه؛ لذا نحن ملزمون أخلاقياً بتسوية هذه القضايا،  ذلك ماكان عليه الحال خلال إعصار كاترينا، وسيتكرر مع كل كارثة مرتبطة بالمناخ في المستقبل.

في إحياء ذكرى الكارثة وقفت تحت ذلك الجدار الجديد في منطقة لور ناينث وارد ( الحي التاسع السفلي) في نيو أورليانز، وأحسست بمشاعر مختلفة من الحزن والغضب على الأحداث التي كانت وراء ذلك إلى الخوف، في أحسن الأحوال، عمّا اذا كان الجدار الجديد سيُثبت أنه ملائم لمواجهة المد المتصاعد دائمًا.

ماذا سيكون شعورك فيما لو كنت هناك، وما في رأيك هو شعور سكان هذا الحي منذ فترة طويلة؟

لقد قضيت الكثير من الوقت في العام الماضي قريباً من الحي التاسع السفلي ومع أشخاص لهم جذور هناك.

وفي رأيي أن أمرًا مثل (بلاك أتلانتس) يُشعر الناس بالفخر الشديد والحنين إلى الماضي، بطريقة ما، أكثر قوة من ذاكرة معظمهم عن الوطن.

يُعرف هذا المكان بأنه غير آمن ولكن يعُرف أيضًا بالفخر، حيث قام أبناؤه ببناء شيء خاص بهم وهذا أمرٌ مهم لمجتمع لم يُسمح له في كثير من الأحيان بامتلاك أشياء خاصة به.

عندما أقف بجانب الحائط أفكر في قوة ذاكرتهم ومدى خسارتهم، قد كانت مشاعري جياشة.

 

مدرسة المناخ

هنالك تقرير جديد ينذر بالسوء، ولكنه سيساعدنا على فهم الرياضيات الأساسية لتغير المناخ، فالعلماء الذين درسوا على مدى الثلاثين عامًا الماضية ثلاثمائة ألف شجرة في الغابات الاستوائية المطيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والأمازون= أفادوا أن قدرة الأشجار على امتصاص الكربون من الغلاف الجوي تتضاءل على ما يبدو، ووجدنا أن أحد أكثر تأثيرات تغير المناخ إثارة للقلق قد بدأت بالفعل. قال سايمون لويس، أستاذ في كلية الجغرافيا بجامعة ليدز بإنجلترا، وأحد كبار مؤلفي البحث، لصحيفة الغارديان: “هذا قبل عقود من أكثر النماذج المناخية تشاؤمًا.”

وعلى نفس المنوال هنالك تقرير ولكنه أكثر تفاؤلا:  هل يمكن للمزارع واسعة النطاق لشجيرة جنوب إفريقيا أن تساعد في امتصاص الكثير من ثاني أكسيد الكربون؟

بسبب معدل النمو الملحوظ لنبات سبيكبوم (رجلة الصبار الخضراء المفترشة) فإن معدل التقاط الكربون يمكن أن ينافس معدل التقاطه في الغابات الاستوائية، بحسب عالم دراسات النبات من بي بي سي.

 

لوحة النتائج

من الصعب وصف هذا بالفوز أو الخسارة، لكنه بالتأكيد أمر بالغ الأهمية:

أعلنت المملكة العربية السعودية أنها ستزيد الإنتاج وتخفض أسعار النفط بنحو عشرة في المئة، وبحسب الأخبار،فهذا ليس إلا جزءًا من المعركة ضد الروس للحصول على حصة في السوق وسط انخفاض الطلب، وهو ما أدى إلى أكبر انخفاض في يوم واحد في أسعار النفط الخام العالمية منذ ثلاثة عقود على الأقل.

بالنسبة لسائقي السيارات، قد يعني ذلك دفع دولارين أو أقل مقابل جالون من الغاز، ولكن بالنسبة للأشخاص القلقين بشأن المناخ، فإن هذا سلاح ذا حدين، فالنفط الرخيص يعني أننا سنستخدم المزيد، فالمتوقع استمرار الطلب القوي بالفعل على السيارات ذات الدفع الرباعي.

من ناحية أخرى، فالسعر المنخفض يجعل من الصعب على العديد من المنتجين حفر آبار جديدة، لا سيما المنتجين ذوي التكلفة العالية، مثل المنتجين في رمال القطران الكندية.

كانت آيڤيس آخر معقل لصناعة النفط، حيث يقاتلون ضد حركة سحب الاستثمارات، ولكن في الأسبوع الماضي أعلنت جامعة براون عن أول سحب كامل للأموال التي تركز على الوقود الأحفوري.

يعلم الناس أن هذا القطاع يحتضر، كما أنه استثمار طويل الأجل سيئ، وقالت رئيسة براون، كريستينا باكسون، للصحيفة الطلابية: “إنها تحمل مخاطر كبيرة على المنحة.”

وأعقب الإعلان بعد بضعة أيام تعهد مماثل من ويسليان، ولكن في حين أن براون تقوم بالفعل ببيع تسعين في المائة من أسهمها، قال ويسليان إن العملية قد تستغرق حتى عام ٢٠٣٠، مما أثار ردود فعل متباينة من الطلاب النشطاء الذين أشاروا إلى أن أزمة المناخ تحدث الآن.

 

ولأولئك الذين يتابعون الجهود المبذولة لوقف تمويل الوقود الأحفوري، أُصدر بيان من قبل البنك السويسري (يو بي إس) التي قالت إنها تنضم إلى مؤسسات أخرى لم تعد مهتمة بتمويل الفحم الحراري، أو رمال القطران، أو مشاريع النفط البحرية في القطب الشمالي، ولا سيما خطط إدارة ترامب لفتح محمية القطب الشمالي الوطنية للحياة البرية.

سؤال مثير للاهتمام على نحو متكرر: من سيكون على استعداد لتأمين التنقيب تحديداً فيما يسمى سيرينجيتي الأمريكية؟

اقرأ ايضًا: كيف سيعيد التغير المناخي تشكيل أمريكا؟

أعجبني المقال

المصدر
newyorker

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى