العلم

كيف بدأ الكون؟

السؤال الأساسي في علم الكونيات

  • ستيف ناديس
  • ترجمة: طارق الرفاعي
  • تحرير: بلال الخصاونة

السؤال يفترض ابتداءً أن الكون حقيقةً كان له نقطة بداية، ولكن، يمكن للمرء أيضاً أن يفترض أن الكون أزليّ (لا بداية له) وأبدي (لا نهاية له). وفي ضوء هذه الفرضية، لن تكون هناك بداية للكون على الإطلاق – مجرد حالة دائمة التطور – ونحن فقط نعيش لمحة منها فقط.

“لدينا دليل قوي على حدوث الانفجار العظيم، لذا، فإن هذا الكون الذي نعرفه قد بدأ تقريباً منذ 14 مليار سنة، و لكن هل هذه هي البداية الحقيقة للكون؟ أم أن هناك شيئاً آخر كان قبله؟” يتساءل أليكسندر فيلنكين – عالم الكونيات في جامعة تافتس – بوسطن – الولايات المتحدة الأمريكية. يبدو أن هذا النوع من الأسئلة لا يمكن الإجابة عليه بشكل تام لأنه في كل مرة يقترح شخص ما حلاً ممكناً، يمكن لشخص آخر الاستمرار في طرح السؤال المزعج: وما الذي حصل قبل ذلك ؟

لكن الآن يقول فيلنكين أن لديه أدلة مقنعة على أن للكون بداية محددة – على الرغم من أنه لا يستطيع تحديد الوقت بشكل دقيق. بعد 35 عاماً من البحث في الماضي السحيق، يقول: لقد وجدت أنه قبل كوننا لم يكن هناك شيء، لا شيء على الإطلاق، حتى الزمن نفسه لم يكن موجوداً.

مدة حياته المهنية -بما في ذلك أكثر من عشرين عاماً أدار فيها معهد توفتس لعلم الكونيات- أصدر خلالها سلسلة من الأفكار الجامحة و المبهرة، وعلى الرغم من أنه لا يبدو عليه ذلك إطلاقاً، فالأستاذ البالغ من العمر 64 عاماً يتمتع بلطف بالغ و دماثة وتواضع، حتى أنه يرتدي ملابس بألوان محايدة لا تلفت الانتباه إليه.

على الرغم من أسلوبه الهادئ، فإن فيلنكين يمتلك قدرة إبداعية ساعدته باستمرار على إزاحة الضباب عن كثير من المعضلات التي لا يمكن تخيلها. وأكسبته انتصاراته احترام العلماء في جميع أنحاء العالم. يقول عالم الكونيات في ستانفورد أندريه ليندي: “أليكس، مفكر أصيل عميق، قدم مساهمات مهمة وعتيقة حول مفاهيمنا عن نشأة الكون”.

لكن هذه المهنة الرائعة لربما لم يُكتب لها أن تكون كذلك. ولد أليكس في الاتحاد السوفييتي عام 1949 ونشأ في خاركيف الأوكرانية، وقد تعلّق بعلم الكونيات في المرحلة الثانوية بعد قراءته عن الانفجار العظيم في كتاب السير آرثر إدينجتون. يقول فيلنكين “إن الهوس بأصل نشأة الكون لم يتركني أبداً، شعرت أنه إن كان بإمكانك العمل على جواب هذا السؤال، والذي قد يكون الأكثر إثارة للاهتمام على الإطلاق، فلماذا تختار العمل على أي شيء آخر ؟”

بصفته طالبًا جامعيًا بجامعة خاركيف الوطنية، يقول فيلنكين إنه نُصح “بدراسة بعض الفيزياء الحقيقة” بدلاً من متابعة شغفه الأول: علم الكونيات. على الرغم من أنه كان طالباً ممتازاً، لم يتمكن من الدخول في أي برنامج من برامج الدراسات العليا في الفيزياء لأنه -حسب شكوكه- مدرج من وكالة المخابرات الروسية ضمن القائمة السوداء لرفضه أن يصبح مخبراً حكومياً. بدلاً من ذلك اضطر فيلنكين لامتهان العديد من الوظائف البسيطة المملة. لفترة من الوقت كان يدرّس البالغين في المدارس الليلة، لكنه ترك هذا العمل لأن مسؤولياته شملت الذهاب إلى بيوت الغائبين عن المدرسة – وقد كان العديد منهم مدمنين على الكحول -محاولاً إعادتهم من جديد إلى المدرسة، وهي مهمة لا يحسد عليها.

كان حارسًا ليليًا لمدة عام ونصف تقريبًا في حديقة حيوانات خاركيف لحماية الحيوانات (التي يتم اصطيادها أحيانًا بحثًا عن الطعام)، أُعطي بندقية لا يعرف كيف يستخدمها، ولحسن الحظ لم يضطر إلى إطلاق النار. عندما كان لديه وقت خلال تلك الليالي الطويلة، درس فيلنكين الفيزياء، تضمّن ذلك قراءة أعمال ألبرت أينشتاين التي جمعت في أربعة مجلدات. بعد ذلك طرد من هذه المهمة الوضيعة عندما قرر شخص ما – ربما بناءً على اختياره لمواد القراءة – أنه كان مؤهلاً أكثر من اللازم!

وجد فيلنكين أن فرص توظيفه مازالت قائمة، فقرر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. لكن الخروج من الاتحاد السوفييتي يتطلب خطة دقيقة ومفصلة لليهود أمثاله. كان الاتحاد السوفييتي يسمح لليهود بالذهاب إلى فلسطين (الدولة الجديدة) بأعداد صغيرة، ولكن كان يجب على المرء أن يضمن دعوة من الأقارب الإسرائيليين أولاً، لكن فيلنكين لم يكن لديه أقارب فعليين هناك، لذا اتصل بصديق يعرف بعض الأشخاص هناك ووجد شخصاً بالنهاية – غريب بالنسبة له – لطيف بما يكفي لكتابة رسالة عنه.

بعد وصول الرسالة، انتظر لمدة عام للحصول على التأشيرة، ولكنها لم تأت بثمن يسير. قبل أن يغادر فيلينكن وزوجته، كان على والديهما الموافقة على خطوتهما، على إثر ذلك فقد والدا زوجته وظيفتهما في المختبر وقد كان والده أستاذا جامعيا، وللأسف فقد وظيفته لاحقاً. المحطة التقليدية للذهاب إلى وجهتهم  كانت فيينا، ومن فيينا ذهب فلينكين وزوجته وابنته ذات العام إلى روما، وصلوا في عام 1976 وقابلوا المسؤولين في القنصلية الأمريكية في روما، وبعد انتظار دام ثلاثة أشهر، منحو في النهاية تأشيرة للولايات المتحدة الأمريكية.

عودًا إلى الانفجار العظيم

في خريف عام 1977، تولى فلينكين منصب باحث ما بعد الدكتوراه في Western Reserve، حيث المكان الذي من المفترض أن يدرس فيه الخصائص الكهربائية للمعادن المسخنة، ومع ذلك، وجد الوقت الكافي للتنظير حول دوران الثقوب السوداء ومجالاتها المغناطيسية الغامضة.

بعد مرور عام، حصل على إجازة حظه عندما عرضت عليه جامعة تافتس وظيفة زائر لمدة عام واحد. لقد خاطر فلينكين بالعكوف على علم الكونيات، وهي المنطقة التي كانت تعتبر هامشية في ذلك الوقت.

حقيقةً، هذا سيتغير قريباً، ففي أواخر عام 1979، قدم طالب فيزياء ما بعد الدكتوراه في ستانفورد يدعى آلان جوث، تفسيراً للقوة المتفجرة وراء الانفجار العظيم، أحدث نظرية جوث قفزة فكرية في فيزياء الجسيمات، والتي رأت أنه عند الطاقات العالية جداً – أعلى بكثير مما يمكن الوصول إليه في المختبرات – فإن حالة خاصة من المادة ستقلب الجاذبية رأساً على عقب، مما يجعلها دافعة بدلاً من جاذبة ![1]

يمكن لحيّز من الفراغ يحتوي على جزءٍ صغير من هذه المادة غير الاعتيادية أن يرتد بعنف داخله حتى ينفجر حرفياً. اقترح جوث أن انفجاراً هائلاً من هذا النوع آثار الانفجار الكبير وسرعان ما وسع الكون إلى درجة تضاعف حجمه 100 مرة على الأقل. ومع ذلك، فإن طفرة النمو المتسارع هذه – التي تسمى التضخم الكوني – لم تدم طويلًا، فهي لم تستمر سوى جزء صغير من الثانية لأن المادة المتضخمة تلاشت بسرعة، تاركة وراءها أشكالًا مألوفة أكثر من المادة والطاقة التي تملأ الكون اليوم.[2]

حلّت الفكرة في وقت واحد عددا من الألغاز في علم الكونيات، ووأوضح من أين جاء “الانفجار العظيم” وكيف أصبح الكون كبيرًا جدًا. كما أوضح التضخم السريع في كل اتجاه لماذا الكون الذي نلاحظه الآن متجانس للغاية، ولماذا تكون درجة حرارة إشعاع الخلفية التي خلفها هذا الانفجار موحدة في كل رقعة من السماء في جزء من 100000. كما أعاد التضخم تنشيط علم الكونيات، مما منح المنظرين مثل فيلنكين الكثير للتفكير فيه – وقليلا من الاحترام للبدء في دراسة ما يحب.[3]

القصة التي لا نهاية لها

بحلول عام 1982، بعد عامين من الاقتراح اللامع لجوث، كان لفلينكين إدراك خاص: عملية التضخم الكونية يجب أن تكون أبدية! مما يعني أنها يجب أن لا تتوقف مطلقاً، قد يتوقف التضخم فجأة في منطقة ما في الفضاء، مثل التي نسكنها نحن الآن، ولكن  التضخم سيستمر في مكان آخر بلا شك، مما يعني سلسلة لا متناهية من الانفجارات العظيمة! كل انفجار قد يكون مسؤولاً عن ولادة كون “جيب” منفصل، والذي يمكن تصويره على أنه فقاعة متوسعة، واحدة من الفقاعات ­­­­­­-التي لا حصر لها- تطفو داخل: “الأكوان المتعددة” كما يطلق عليها أحياناً.

كما تصوّرها فيلنكين، فإن الطبيعية الأبدية للتضخم نابعة من خاصيتين متضادتين من الوقود الكوني: مادة الجاذبية الطاردة التي تسببت بتمدد الكون بسرعة من ناحية، فقد كانت المادة غير المستقرة تشبه إلى حد كبير المواد المشعة، وبالتالي كان محكومًا عليها بالتحلل. ومن ناحية أخرى، توسعت المادة بشكل أسرع بكثير من الانحلال، و لذلك، على الرغم من أن الانحلال قد يوقف التضخم في مناطق معينة، فإن التوسع الجامح سيستمر في مناطق أخرى.

نموذج تكاثر الفقاعات

رون كيلي

لتقريب ولتوضيح الصورة، يقترح فلينكين النموذج البكتيري، فنرى أن البكتيريا تريد الاستمرار في التكاثر والنمو، بينما تحاول الأجسام المضادة قتلها والحد من نموها، فإذا كان تكاثر البكتيريا أكثر بكثير من استجابة الأجسام المضادة لها= فسوف تتكاثر بسرعة وتنتشر على الرغم من إحباط تكاثرها في بعض الأوساط. في كلتا الحالتين، فإن النتيجة النهاية هي التضخم (أوالنمو البكتيري)، ولا ينتهي تماماً في كل الأماكن في آن واحد، بل يستمر دائماً في جزء من أجزاء الأكوان المتعددة.

لتقديم فكرة أفضل عن هذه الظاهرة، تعاون فلينكين في عام 1986 مع طالب دراسات من جامعة تافتس هو موكوندا أريال على محاكاة حاسوبية أظهرت كيف يبدو الكون المتوسع إلى الأبد. في المحاكاة، بدأت المناطق المتضخم أوالفقاعات صغيرة ونمت بثبات، في حين امتدت المساحة بين الفقاعات أيضاً. كل فقاعة – تمثل كوناً صغيراً مثل كوننا – كانت محاطة بفقاعات أصغر، والتي بدورها كانت محاطة أيضاً بفقاعات كونية أصغر.

الطريق إلى الخلود

في عالم فقاعات فلينكين، كان التضخم – بحكم تعريفه – أبدياً في المستقبل. بمجرد البدء لن يتوقف مطلقاً، ولكن هل كانت البداية أزلية أيضاً من جهة الماضي؟ هل كان هناك وقت لم يكن فيه الكون متوسعا ؟ وإذا كان الكون يتوسع دائماً، فهل هذا يعني أن الكون أزلي؟ (ليس له بداية).

ولمعالجة هذا السؤال، انضم فيلينكين إلى عالم الرياضيات جوث في جامعة لونغ آيلاند أرفيند بورد. وباستخدام دليل رياضي، قدموا حجتهم بأن أي عالم آخذ في التوسع مثل عالمنا يجب أن يكون له بداية. كانت التجربة الذهنية التي طرحوها على هذا النحو: تخيل كونًا مليئًا بالجسيمات، ومع توسعها بثبات، تتسع المسافة بينها، ويترتب على ذلك أن المراقبين المنتشرين في هذا الكون المتسع سوف يبتعدون عن بعضهم البعض إلى أن احتلوا في النهاية مناطق متفرقة من الفضاء. إذا صادف أنك أحد هؤلاء المراقبين، فكلما كان الجسم بعيدا عنك، كلما بدا لك أنه يتحرك أسرع.

فلنجرب هذا… الآن أطلق مسافرا عبر الفضاء بسرعة ثابتة، ولنقل أنه تجاوز الأرض بسرعة 100000 كم/ث، ولكن عندما يصل إلى المجرة الثانية التي تبتعد عنا بسرعة و لنقل 20000 كم/ث فسيبدو أنه يتحرك بسرعة 80000 كم/ث للمراقبين هناك؛ وبينما يواصل رحلته الخارجية، ستظهر سرعة المسافر أصغر فأصغر للمراقبين الذين يمرون به. الآن لنعد الفيلم إلى الوراء، هذه المرة، ستظهر سرعة المسافر أسرع وأسرع في كل مجرة متتالية.

إذا افترضنا أن التضخم أبديّ في الماضي – أنه لم يكن له بداية – فإن مسافر الفضاء سيصل في النهاية إلى سرعة تتجاوز الضوء. أظهرت حسابات قام بها فلينكين وجوث وبورد أن هذا سيحدث في فترة زمنية محدودة. ولكن وفقًا لقوانين النسبية، من المستحيل لأي جسم كبير (ماكروسكوبي) أن يصل إلى سرعة الضوء، ناهيك عن تجاوزها. يقول فلينكين: “لا يمكن أن يحدث هذا”، “لذا عندما تتبع تاريخ مسافر الفضاء هذا في الماضي، ستجد أن تاريخه يجب أن ينتهي”.[4]

حقيقة أن رحلة المسافر إلى الوراء تصل إلى طريق مسدود تعني أن هناك مشكلة من وجهة نظر منطقية مع افتراض كون دائم التوسع يعتمد عليه هذا السيناريو بأكمله. وبعبارة أخرى، لا يمكن أن يكون الكون يتوسع دائمًا. لا بد أن توسعه كان له بداية، ويجب أن يكون للتضخم – وهو شكل متفجر بشكل خاص من التوسع الكوني – بداية أيضًا. بهذا المنطق، كان لكوننا أيضًا بداية منذ أن نتج عن عملية تضخمية أبدية للمستقبل وليست للماضي.

شيء من لا شيء

يطرح كوننا “الحادث” هذا السؤال المقلق: كيف بدأتُ؟

جواب فيلنيكن لم يتم تأكيده على الإطلاق، و من الممكن أن لا يؤكد أبداً، لكنه مازال أفضل حل سمعه حتى الآن[5]: ربما نشأ عالمنا الرائع والمذهل من تلقاء نفسه!، تتعارض هذه العبارة “الهرطقية” الغريبة مع الفطرة السليمة والتي تدحض هذه الفكرة تماماً عند حديثنا عن ولادة الكون، و الذي على ما يبدو أنه حدث بطاقات عالية لا يمكن فهمها. هذا السؤال كان يراود القدماء أيضاً، كما عند الفيلسوف الروماني لوكريتيوس الذي جادل منذ أكثر من 2000 عما بأنه “لا شيء من لاشيء”.

بالطبع لوكريتيوس لم يسمع أبداً بميكانيكا الكم ولا نظرية التضخم الكوني، “نقول عادةً أنه لا يمكن خلق شيء من لا شيء، لأننا نعتقد أنه سينتهك قانون حفظ الطاقة” ويتابع فيلينكن “وهو مبدأ مقدّس في الفيزياء الحديثة، والذي ينص على أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكن تتحول من صورة لأخرى، فكيف يمكنك إنشاء كون مع المادة التي فيه في حين أنه لم يكن هناك شيء قبله؟!”

يقول فيلينكن: “الطريقة التي يتحايل بها الكون على هذه المشكلة هي أن طاقة الجاذبية سالبة”. هذه نتيجة حتمّية للحقيقة المثبتة رياضيّاً أن طاقة الكون المغلق صفر: طاقة المادة موجبة وطاقة الجاذبية سالبة، وعند جمعهم نحصل على الصفر،”لذا، فإن نشوء كون مغلق من لا شيء لا ينتهك أي قوانين”[6].

تظهر حسابات فيلنكين أن الكون الذي نشأ من لا شيء من المحتمل أن يكون صغيرا، بل بالفعل هو أصغر بكثير من البروتون. إذا كان هذا النطاق الدقيق يحتوي فقط على القليل من مادة الجاذبية الطاردة، فهل هذا يكفي للتأكد من أنه سيشعل عملية لا يمكن إيقافها للتضخم الأبدي مما يؤدي إلى الكون الذي نعيش فيه اليوم؟ إذا كانت هذه النظرية ممكنة، فنحن ندين بوجودنا المتواضع إلى اللاشيء حرفيا.[7]

إحدى مزايا هذه الصورة، إذا كانت صحيحة، هي أن النشوء التلقائي لكوننا يعطي نقطة بداية محددة للأشياء. يبدأ الوقت في لحظة الخلق، ويحل الأسئلة التي لا تنتهي حول “ما الذي حدث قبل ذلك؟”.

ومع ذلك، لا يزال التفسير يترك لغزًا كبيرًا دون معالجة. على الرغم من أن الكون، في مخطط فيلنكين، يمكن أن يأتي من لا شيء (لا مكان لا وقت لا مادة)، إلا أن شيئا ما كان موجودًا مسبقًا: أي قوانين الفيزياء. تحكم هذه القوانين لحظة الخلق من لا شيء التي تؤدي إلى نشأة كوننا، كما أنها تحكم التضخم الأبدي، الذي يتولى المسؤولية في أول نانو ثانية من الزمن.

ويثير هذا بعض الأسئلة غير المريحة: أين كانت قوانين الفيزياء موجودة قبل وجود عالم يمكن تطبيقه عليه؟ هل هم موجودون بشكل مستقل عن المكان أو الزمان؟ “إنه لغز كبير، من أين جاءت قوانين الفيزياء؟” نحن لا نعرف حتى كيف نتعامل معها”، هذا ما اعترف به فيلنكين. “ولكن قبل ظهور التضخم، لم نكن نعرف حتى كيفية التعامل مع الأسئلة التي حلها التضخم لاحقًا. من يدري، ربما سنتجاوز هذا الحاجز أيضًا”.

يقول هاري كالاهان في فيلم Clint Eastwood Magnum Force، “يجب على الرجل أن يعرف حدوده”، لكن عمل فيلنكين هو شهادة على تجاوز الحدود التقليدية. إذا ثابرنا في مواجهة  الشكوك، كما يميل فيلنكين غالبًا، فقد تظهر أفكار مثيرة للاهتمام وغير متوقعة، تمامًا مثل ظهور الكون من العدم.[8]

سد الثغرات

الثغرة الأولى

لتعزيز فرضيته، درس فيلنكين أكوانًا نموذجية أخرى، وأزال الثغرات التي تتعارض مع فكرة الظهور الكوني الواضح. في ورقة عام 2012 مع طالب الدراسات العليا في جامعة تافتس أودري ميثاني، فحص فيلنكين نموذج الكون “الدوري” الذي بحثه الفيزيائيون من بول شتاينهاردت من جامعة برينستون، والآن في معهد بيريميتر.

في هذا النموذج، لا يوجد انفجار عظيم ولا بداية واحدة. بدلاً من ذلك، يمر الكون باستمرار من خلال دورات متذبذبة من التمدد والانكماش والانهيار والتمدد من جديد. لكن النموذج هذا (الكون الدوري) تلتقطه مصيدة القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يقول أن الأنتروبي (الفوضى)[9] لنظام مغلق سيزيد حتماً بمرور الوقت.

نموذج الكون الدوري يتمدد وينكمش و هكذا دواليك

على سبيل المثال، يتطلب تشييد قصر من الطوب المزخرف جهدا كبيرا، حيث إن أكوام الطوب المتناثر نتيجة خراب الطبيعة وعقود أو قرون من الإهمال، وغبار الطوب المتناثر بفعل الرياح والمياه= هي صور فوضوية ولا يمكنها وحدها بناء قصر. إذا تُرك من تلقاء نفسه، فإن النظام – حتى الكون الفقاعي – سيتحول بشكل طبيعي إلى هذه الحال. لا نرى غالبًا قصرًا من الطوب يعيد تجميع نفسه تلقائيًا من الغبار المتناثر.

إذا كان كوننا هنا منذ الأزل وحافظ على حجم مستقر، لكان قد استسلم أيضًا للقانون الثاني. والذي كان من الممكن أن يزداد اضطرابه بشكل لا مفر منه إلى درجة أن الكون سيكون الآن ضبابيًا، لا يمكن تمييزه. ولكن هذا ليس ما نراه على الإطلاق. بدلاً من ذلك، نرى كونًا مليئًا بالبنى الكونية الكبرى: المجرات، وعناقيد المجرات، وعناقيد من العناقيد تسمى العناقيد الفائقة، وعناقيد من العناقيد الفائقة تسمى خيوط المجرات، بعضها يمتد عبر مليار سنة ضوئية أو أكثر.[10]

تأثير مبدأ الانتروبي على فرضية الكون الدوري

 

لهذا السبب، يستبعد فيلنكين صورة الكون الدوري ما لم يفترض المرء أنه بعد كل دورة من التمدد والانكماش، ينتهي الكون إلى حد ما أكبر مما كان عليه عندما بدأ. سوف يتركنا هذا الشرط مع كون آخر متسع، وهذا يعني أن نظرية فيلنكين-جوث-بوردي الأصلية ستظل سارية: يجب أن يكون للكون المتوسع باستمرار بداية واحدة.

الثغرة الثانية

هناك ثغرة أخرى محتملة هي سيناريو “البيضة الكونية”، وهو نموذج الكون الذي طوره عالم الكونيات في جنوب إفريقيا جورج إليس. وفقا لهذا الرأي، يمكن للكون أن يظل إلى الأبد في تكوين مستقر، بحجم ونصف قطر ثابتين، حتى يبدأ فجأة وبشكل استثنائي بالتمدد، مثل البيض التي تفقس بعد مرحلة حضانة طويلة.

نموذج كون البيضة

المشكلة في هذا الافتراض، وفقًا لفيلنكين وميثاني، هي أن الكون “المستقر” الصغير ليس مستقرًا على الإطلاق. في وقت ما خلال مرحلة الانتظار الطويلة، سينهار إلى العدم قبل أن يصل إلى الفترة التوسُّعية – هذا إن كانت قوانين ميكانيكا الكم سارية.

ميكانيكا الكم، الفرع الفيزيائي السائد لوصف كيفية عمل الأشياء على المقاييس الذرية (الميكروسكوبية)، والتي تم اختبارها بشكل جيّد وكانت غريبة بشكل رائع! تعتقد ميكانيكا الكم أنه إذا كانت هناك حتى أصغر فرصة لحدوث شيء، مهما بدا الأمر سخيفًا، فمن المؤكد أن يحدث هذا الشيء إذا انتظرت لفترة كافية.

كما اتضح.. فإن الصيغ الفيزيائية الكمومية، تتنبأ بفرصة ضئيلة (ولكنها ليست صفرية) لانهيار سيناريو البيضة الكونية وتلاشي الكون. وعند هذه النقطة سوف يختفي الكون السابق تماماً. بالنظر إلى فترة زمنية لا حصر لها والتي يدعو إليها هذا السيناريو، فإن مثل هذا الانهيار سيكون لا مفر منه – على الرغم من أن احتمالات حدوث هذا الانهيار في أي وقت صغيرة – مما يعني أن الكون لا يمكن أن يكون موجودا إلى الأبد.

في الواقع، يقول فلينكين: من بين جميع الأفكار التي فكرنا فيها حتى الآن من أجل كون بلا بداية، لا يبدو أن أياً منها يعمل، لذا فإن الإجابة على سؤال ما إذا كان للكون بداية، هي نعم – على الأرجح -.

اقرأ ايضاً: لغز نشأة الحياة لن تتم الاجابة عنه في مختبرات الكيمياء


[1]  في الواقع النموذج المشهورو المعتمد اليوم هو: الطاقة المظلمة وهي التي تدفع الكون للتوسع من حينها للآن. ووصف الظلام يعني جهل طبيعتها.

[2]  هو يُعرّف ما يسميه الفراغ الزائف و هو فراغ (خلاء) يحوي اقل قدر ممكن من الطاقة (تقلبات كمومية)، باستعمال ظاهرة التنفيق الكمومي يقترح صاحب النظرية انفجار ذلك الفراغ الأولي (تسرب جسيمات للوجود وترك أضدادها في العدم) لينتج فراغ حقيقي منخفض الطاقة متمدد ومتجانس.

[3]  وطرحت في الوقت نفسه إشكاليات لم يُجب عليها، إذ كيف تشكلت المجرات و العناقيد المجرية و البنى الفائقة وفق هذا النموذج؟ بل النموذج يقضي ان الكون غبار متناثر متجانس الكثافة ولا فرصة لتخلّق النجوم، تسمى هذه المعضلة: إشكالية الخروج الرشيق!

[4]  هذا كله تحت شرط صحة نظرية النسبية وصلاحية تطبيقها بمختلف البيئات الجاذبية، ولاحظ احترازه باشتراط الجاهرية للجسم! لأن دعوى جوث تخالف النسبية، ففي تلك المرحلة تمدد الكون بأسرع من الضوء(inflation=التضخم)! وهم يريدون تأويل ذلك بتشرذم الكون لفقاقيع كونية متمددة يفصلها عن بعضها العدم المحض.

[5]  هذا الجواب أفضل فقط لأنه يستبعد الاحتمالات اللاهوتية من خلق الكون، وليس لأنه جواب “علمي”؛ فهو لا يعدو كونه تخرصات محضة. (المراجع)

[6]  من قال أنه “لا شيء من لاشيء” لم يقل ذلك لأنه ينتهك قانون حفظ الطاقة، بل لأن أي عقل سليم لن يقبل بحقيقة أن شيئا لم يكن موجودا ثم خرج من العدم إلى الوجود من تلقاء نفسه، لأن معنى أنه “لم يكن موجودا ثم وجد” = أنه لا يمكنه إيجاد نفسه بذاته، لأنه لو كان يقدر على إيجاد نفسه من لاشيء فكيف كان معدوما؟ وثمة مغالطة أخرى وهي أن “اللاشيء” الفلسفي مختلف عن “اللاشيء” الفيزيائي، اللاشيء الفيزيائي هو شيء بالمعنى الفلسفي فهذه الطاقة “شيء” وليست “لاشيء”، للمزيد راجع كتاب “شموع النهار”. (المراجع)

[7]  كما أُشير أعلاه، اللاشيء عند القوم هو الفراغ أو الخلاء وهو يحوي تقلبات كمومية للمادة والطاقة وليس عدماً محضاً! ومتى ما وُجد تعريف فيزيائي له فهو شيء! لا لاشيء!

[8] معرفة السبب المؤثر المؤدي لنتيجةٍ ما يختلف عن محاولة معرفة لم هو سبب؟! فالأول مجال بحث الفيزياء، و الثاني لا سبيل لها إليه.

[9]  اللاانتظام في النظام (disorder in the system)

[10]  في علم الكونيات تسمى هذه إشكالية البنى الكونية الكبيرة (large scale structure problem) وهي أحد أسباب اقتراح وجود المادة المظلمة التي تساهم جاذبيتها في تشكيل هذه البنى.

أعجبني المقال

المصدر
discovermagazine

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى