عام

لماذا أصبح التحليل النفسي هواية لدى الجميع؟

فوضى الخطاب النفسي

  • كوزمو لاندسمان
  • ترجمة: مصطفى هندي

هل تحولنا إلى مجتمع من المحللين والأطباء النفسيين الهواة؟

لقد صرنا جميعًا حاذقين في لغة العلاج النفسي، وسرعان ما نقوم بتشخيص أصدقائنا والآخرين، وحتى المقربين منا لم يسلموا من محاولة تصنيف عللهم النفسية. ليس من المستغرب إذن أن قام الأمير هاري بهذه العملية مع زوجته ميغان ماركل، في سلسلة من خمسة أجزاء حول الصحة العقلية ستذاع قريبا على شبكة Apple TV، والتي شارك في إنتاجها أوبرا وينفري.

وبعد فحص الحالة الذهنية لزوجته التي راودتها “أفكار انتحارية” أثناء حملها، يقدم الأمير هاري هذا التشخيص: “الشيء الذي منعها من متابعة هذه الأفكار، هو إدراكها مدى المأساة والظلم الذي كنت سأتعرض له بعد كل ما حدث لأمي [الأميرة ديانا]؛ حيث كنت سأضطر مرة أخرى لفقدان امرأة عزيزة عليّ، لكن هذه المرة سأفقد معها طفلي”.

هذا تشخيص سطحي إلى حد ما؛ حيث يعرف أي شخص مطلع على حقيقة الانتحار أن الانتحار هو فكرةٌ تنشأ في مكان مظلم داخل نفس الفرد، بعيدًا عن أي اعتبارات لما هو ظالم أو عادل بالنسبة لأحبائه.

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية، فإننا نحب جميعًا أن نلعب دور “أبو العريف”، أو المتعالم الذي يظن أنه يعلم كل شيء. ستسمع دائما عبارة “على طيف” كذا وكذا من الأمراض؛ حيث تُشخَّص الأمراض والعلل النفسية وتناقش في حفلات العشاء، تمامًا كما لو كان كل المشاركين حاصلين على رخصة مزاولة العلاج النفسي. لذا فإن ممارسة التشخيص النفسي الذي يُظهِر أن كل شخص تعرفه واقع “على طيف” المرض الفلاني= انتشرت في كل مكان، حتى أنني لأتساءل: هل ثمة أي شخص ليس “على طيف” مرضٍ نفسي ما هذه الأيام؟

تسمع مصطلحًا هنا وهناك، وتومئ برأسك بالموافقة، دون أن يكون لديك أدنى فكرة عما يعنيه حقًا؛ وإذا سولت لك نفسك بأن تطلب توضيحًا لن تسمع إلا عبارات مثل: “…كما تعلم عزيزي، إنه يعاني من إحدى اضطرابات طيف التوحد…”؛ أو “إنها تفعل ذلك لأنها مصابة بالتوحد”.

لكن ألا يجب أن نكون أكثر حرصًا عند إطلاق هذه التشخصيات على من حولنا؟ بالطبع بعض الناس لديهم بالفعل متلازمة أسبرجر [من أطياف التوحد]، وهذه ليست مزحة بكل تأكيد؛ لكنني لاحظت أن “التوحد” أصبحت كلمة يطلقها عامة الناس على الأشخاص – وخاصة الذكور المراهقين – الذين هم فقط خجولون جدًا، أو يفضلون العزلة الاجتماعية والانسحاب من التجمعات.

مصطلح شائع آخر هو النرجسية؛ فكل شخص أعرفه مقتنع بأن كل شخص يعرفه لديه نوع أو آخر من النرجسية. لدي صديقة لا تتحدث إلا عن نفسها، وعن حياتها المهنية، وأطفالها الرائعين؛ وفي نفس الوقت ترمي -بانتظام- صديقتها المقربة السابقة بأنها تعاني من “نرجسية مطلقة”، لأنها تحدثها دائمًا عن نفسها وعن حياتها المهنية وأطفالها الرائعين!

نعم، يتحدث الناس عن أنفسهم طوال الوقت، ثم يقاطعون ذلك ليسألوا سؤالا اعتياديا هو: “..وكيف حالك؟”، وذلك قبل العودة بسرعة إلى موضوعهم المفضل: أنفسهم.

هذا مثير للسخط؟ نعم. هل هذه هي النرجسية؟ لا؛ فالانشغال بالنفس ليس هو النرجسية. النرجسي هو الشخص الذي تحول انشغاله بنفسه إلى هاجس ذاتي؛ إنه يطلب اهتمامك وحبك وتفانيك المستمر، ولا يعطيك شيئًا في المقابل. لقد لاحظت أنه عندما تنتهي العلاقة بين اثنين بشكل سيئ، فبالنسبة لكل طرف ليس ذلك بسبب سلسلة معقدة من العوامل التي يتحمل فيها كلاهما درجة معينة من المسؤولية. لا، بل ما يقال عادة هو أن العلاقة لم تنجح لأنه أو لأنها “نرجسي/نرجسية”. فالقول بأنك فشلت في علاقتك مع شخص نرجسي يبدو أكثر جدية – وأكثر تعقيدًا من الناحية النفسية – مما لو قلت أنك وقعت مع شريك أحمق مثلًا.

لا يقتصر الأمر على إلصاق الأمراض النفسية بالأشخاص الآخرين بشكل اعتباطي، ولكن يسعد الأشخاص بتشخيص أنفسهم ببعض هذه الأمراض؛ فقد قال لي أحد الأصدقاء “أنا عصابي”؛ وقال آخر: “أنا مصاب بالتوهم المرضي hypochondriac”، ولدي ثلاثة أصدقاء مصابون بالوسواس القهري، واثنان يعانيان من الاضطراب ثنائي القطب، وآخران يعانيان من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وآخر مدمن جنس.

قد يكون لديهم بالفعل مثل هذه الحالات، ولكن – باستثناء المصاب بالعصاب – لم يشخِّص أيًا منهم طبيبٌ أو معالجٌ مؤهل. يبدو الأمر كما لو أنهم ذهبوا إلى مركز تسوق الأمراض العقلية، ولم يُرضِ غرورَهم سوى الأمراضُ ذات الأسماء الجذابة؛ لذا فإن ما كان يُطلق عليه اسم الشعور بالحزن أو البؤس – وكان يُعتبر جزءًا طبيعيًا من الحياة – يسمى الآن بـ “الاكتئاب”، وصار يحتاج إلى العلاج بالأدوية. لسوء الحظ، لا يعرف الفرق بين هذا وذاك سوى الأشخاص المصابون بالاكتئاب “الحقيقي” الذي يعيقهم عن متابعة حياتهم بشكل طبيعي.

لقد صارت التشخصيات النفسية – التي وُضعت أول ما وضعت لتسهيل العلاج – تخضع لنفس نزوات الموضة، تمامًا كما لو كانت أسماء لعلامات تجارية برّاقة. منذ حوالي خمس سنوات، مازحني أحدهم قائلا إن كونك ثنائي القطب قد أصبح موضة شائعة كما كان الحال في السابق؛ فالأشخاص الذين يتعرضون لتقلبات مزاجية جذرية، لم يعد بالإمكان القول إنهم يعانون من تقلبات الحياة العادية؛ بل يقولون إنهم “ثنائيو القطب” ويفتخرون بذلك. ثم جاء دور الوسواس القهري، وهي حالة ارتبطت ذات مرة في ذهن الجمهور بهوارد هيوز المجنون بلحيته الكثيفة. وفجأة بدأ الأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري بالظهور في كل مكان! سألت أحد الأصدقاء ذات مرة لماذا يعتقد أنه مصاب بالوسواس القهري، فقال لي: “في كل مرة أذهب فيها إلى الحمام، يجب أن أغسل يدي. أشعر أنني مكره على ذلك”، فقلت: “لا، إنها العادة!”.

يجب أن أوضح أنني لا أتحدث عن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية خطيرة تسبب معاناة رهيبة؛ أنا أشير هنا إلى أقلية صغيرة من الطبقة المتوسطة والعليا الذين يعيشون في المدن. إنهم أحفاد البرجوازية الراقية في أوروبا، الذين اعتبروا -في القرن التاسع عشر- ظروفًا مثل الاكتئاب أو الاضطرابات العصبية علامةً على الإحساس الراقي، والعقلية الإبداعية. لقد كانوا يزورون بانتظام المصحات الأوروبية، والمنتجعات الصحية الأنيقة خارج لندن، حيث يمكنهم التباهي بأمراضهم بين الناس العصريين. أما في القرن العشرين، عندما أصبح التحليل النفسي سائدًا، توجهوا إلى مراكز الاستشارات النفسية: مركز فرويد في فيينا، ويانج في زيورخ.

أعرف العديد من الأشخاص الذين يتعاطون الأدوية أو يخضعون للعلاج، وهم أشخاص لديهم وظائف جيدة، وأصدقاء، وحققوا درجات مختلفة من النجاح، ومع ذلك فهم غير سعداء للغاية. أحد التفسيرات الواضحة لذلك هو تأثير الإغلاق المصاحب لأزمة كورونا على صحتنا العقلية. لكن الناس كانوا بائسين قبل الجائحة، وبعد هذا التعليق لكافة الأنشطة، أراهن أنهم سيكونون بائسين مرة أخرى بعد زوال الجائحة. في الحقيقة، لا أعرف أي شخص يصف نفسه بأنه سعيد، أو حتى أنه راضٍ. وينطبق هذا بشكل خاص على الشباب، الذين لا تكون السعادة بالنسبة لهم متماشية مع السائد، أو لا تمثل بالنسبة لهم شيئًا يجذب الانتباه. إن إرث الرومانسية في القرن التاسع عشر، والثقافة الشعبية ​​في القرن العشرين تعني أن الأشخاص السعداء هم أناس مزيفون، “أناس سعداء من الخارج فقط”، على حد تعبير REM. وعلى النقيض من ذلك، يُنظر إلى الألم على أنه علامة على الأصالة ونقاء الروح.

إن إغراء الانضمام إلى موكب الجرحى والبائسين، وإطلاق المصطلحات النفسية لرفع مستوى الدراما التي تثيرها الأمراض الشائعة= صار منتشرًا أكثر من أي وقت مضى؛ إنه يمنح معاناتك – مهما كانت صغيرة – أهمية اجتماعية، ويضفي على حالتك سلطة أخلاقية، لا توفرها لك الكلمات العادية التي تعبر عن محنتك.

ومن ثَمّ، لم يعد كافيًا أن تكون غير سعيد أو مكتئب بعمق؛ الآن تحتاج معاناتك إلى سرديّة تضم الأفكار الانتحارية؛ فالتفكير في الانتحار – الذي ينتاب الكثير من الناس، والذي غالبًا ما يكون تفكيرا عابرًا – ليس مثل أن تكون لديك أفكارًا انتحارية؛ فهذه الأخيرة تجعل بؤسك يبدو أكثر أهمية ويثير المزيد من التعاطف.

أنا لا أحاول التقليل من شأن وضع أولئك الذين يعانون من صحة نفسية سيئة؛ لكن هذه قضية مهمة للغاية ولا ينبغي أن تكون مادة يستخدمها النشطاء والمشاهير – وبالتأكيد أفراد العائلة الملكية – الباحثون عن الاهتمام.

اقرأ ايضًا: الأزمة الأخرى في علم النفس

أعجبني المقال

المصدر
spectator

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى