التربية والتعليم

هل اختفاء (أنا) الكاتب ضروري للموضوعية؟

  • بيتر إلرتون
  • ترجمة: عبد الله السماني
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: ناريمان علاء الدين

إن استخدام كلمة (أنا) في الكتابة الأكاديمية، أي الكتابة بصيغة المتكلم، له تاريخٌ مضطرب. بعضهم يقول إنها تجعل الكتابة أقل موضوعية، ويرى آخرون أنها ضرورية لدقة الكتابة.

ينعكس ذلك على الكيفية التي يُمَرّن بها الطلاب على الكتابة، خصوصًا طلاب المدارس الثانوية. كثيرا ما يتفاجأ الأساتذة الذين أعمل معهم أنني أدعو أحيانا إلى استخدام صيغة المتكلم في مجالات تدريسهم، سواء في المقالات أو في الاختبارات التي يؤديها الطلبة في المواد الأخرى.

في العادة فإن دور المؤلف في الكتابة الأكاديمية هو شرح حجته بموضوعية وبلا عاطفة، وهدف تلك المحاولة هو التأكد من أن رأي الكاتب ليس منحازًا لطرف على حساب آخر.

في كتابهما واسع الانتشار :(عناصر الأسلوب)؛ يحض المؤلفان سترنك ووايت الكتَاب على الاختفاء لدرجة ألا يلاحظهم القارئ: “اكتب بطريقة تجذب انتباه القارئ إلى معنى المكتوب وجوهره، لا إلى طبع الكاتب ومزاجه”

يبدو هذا الكلام منطقيا وعلميا، وبالرغم من ذلك فإن هناك اتجاه متزايد نحو تضمين الكتابة بأسلوب المتكلم داخل الوسط الأكاديمي.

هناك أوقات يكون فيها استخدام صيغة المتكلم أكثر فائدة من تركه، بل وأكثر دقة أيضا. سأقدم في ما يلي ثلاث فئات تكون فيها الكتابة بصيغة المتكلم أكثر فعالية من الكتابة باستخدام صيغة الغائب.

1.عندما يعرض الأكاديمي وجهة نظره أو حجته من منظور شخصي

في الأعلى كنت أستطيع القول “هناك ثلاث فئات” عوضا عن “سأقدم ثلاث فئات”.العبارة الأولى تقدم إدعاءً باكتشاف حقيقية موضوعية ما، بينما في الثانية أقدم فهمي الشخصي بعبارة تسلك نهجا أكثر صدقا من الناحية الفكرية، وأكثر قابلية للمسائلة.

باستطاعتي أيضا القول “هناك ثلاث فئات واضحة”، لكن هذا فيه تجاهل لحقيقة أنها واضحة بالنسبة لي أنا،وستكون تلك محاولة لتضمينها موضوعيةً أكثر مما تستحق.

في سياق مشابه، تتفادى تقريرات على شاكلة “إنه بالإمكان المجادلة” أو “لقد تقرر أنه” المسائلة مستخدمة أسلوب المبني للمجهول. من الأفضل بكثير أن تقول “سأجادل بأن” أو “لقد قررنا أن” ثم تنتقل إلى محاكمة الحجة أو تبرير القرار.

تحمُّل المسؤولية عن منطقنا ومواقفنا أمر مهم ثقافيا بقدر أهميته من الناحية الأكاديمية، ففي بيئة ديمقراطية يُتوقع منا أن نكون مسؤولين عن أفكارنا وخياراتنا، وهو ما يجب أن ننتهجه ضد أنواع الادعائات المجهولة التي تنتشر بسهولة عبر حسابات مزيفة في وسائل التواصل الإجتماعي.

تجدر الإشارة أن مجلة نيتشر – يمكن القول بأنها إحدى أفضل المجلات العلمية في العالم- تحث المؤلفين على تجنب صيغة المجهول. وقد جاء في دليل الكتابة الإرشادي الخاص بالمجلة:

تفضل مجلة نيتشر أن يكتب المؤلفون بصيغة البناء للمعلوم كما في: “لقد أجرينا التجربة” فقد دلت التجارب أن القراء يرون أن المفاهيم والنتائج تكون أوضح إذا كتبت بطريقة مباشرة.

2.عندما يكون منظور المؤلف جزءًا من التحليل

تُقر بعض التخصصات كتخصص الأنثروبولوجيا بأنه يجب التركيزعلى إظهار من يقوم بالبحث وسبب قيامه به عند عرض البحث.

إن اختفاء المؤلف – بما يحمله من نظريات ومنطلقات ثقافية وغيرالثقافية- يمكن أن يؤدي إلى تسرب هذه النظريات وتأثيرها على البحث دون فحص. هذا بإمكانه أن يؤدي إلى ما يسمى “أزمة التمثيل”، وذلك عندما يكون الظاهر أن تفسير النصوص والآثار الثقافية الأخرى بمعزل عن أي موقف تأويلي للمؤلف، مما يعطي إحساسا زائفًا بالموضوعية.

وكما علّق الفيلسوف توماس ناجل، فإنه لا توجد “وجهة نظر لا تقف على تحيز سابق”.

الفلسفة أيضا تؤكد على صيغة المتكلم، فقد قدم رينيه ديكارت استنتاجه الشهير “أنا أفكر إذًا أنا موجود”. كما استعماله لصيغة المتكلم في ” تأملات في الفلسفة الأولى” لم يكن فقط مجرد تقرير عن رحلته في أغوار ذاته، بل كان أيضا دعوة إلى القارئ كي يفكر بنفسه.

3.عندما يريد المؤلف أن يبرز منطقه

الحالة الثالثة مثيرة للاهتمام في التعليم بوجه خاص. دائمًا ما أقول لتلاميذي في مواد العلوم والتفكير النقدي والفلسفة أن العبارة التي تشعل غضبي هي “أعتقد بقوة…”. بمعايير الإقناع المنطقي، هذا ليس مفيدا مالم تمضوا بعدها وتخبروني لماذا تعتقدون ذلك، أريد معرفة فيمَ تفكرون وكيف تفكرون.

لكي أجعل تفكيرهم موضوع دراستي ومحور التغيير يجب أن يجعلوا “أنفسهم” موضوعًا لكتابتهم.

أفضل للتلاميذ أن يكتبوا شيئا مثل “لست مقتنعا بمقالة داوسن لأن…”.  بدلا من “مقالة داوسن عارضها دي فريس، الذي يقول…”. أريد أن أفهم تفكيرهم وليس فقط التأكد من أنهم يعرفون استخدام حجة دي فريس. وبالطبع آمل أن ينخرطوا فعلا مع دي فريس، لكن عندها أريدهم أن يحددوا أي حجة وجدوها أكثر إقناعا وما هي أسبابهم التي جعلتهم يقتنعون. مجرد بسط اعتراض دي فريس هو تحليل جيد، لكننا نحتاج من التلاميذ أن يُقيِّموا ويبرروا، وهنا يكون موقف المتكلم أكثر فائدة.

ليس من الصائب دومًا القول أن قطعة يجب أن تكون بصيغة المتكلم أو صيغة المخاطب، هناك أسباب لاستدعاء موقف المخاطب في مناسبات كما هناك أسباب لعدم فعل ذلك. لا ينبغي أن نفكر في مقالة ما أنها كُتبت من منظور المتكلم لمجرد أن صيغة المتكلم استعملت مرة في المقال.

نحتاج أن نكون أكثر دقة في تعاطينا مع هذه المسألة وأن نحسن تقدير متى يجب على المؤلفين الاختفاء ومتى عليهم إبراز صوتهم.

المصدر
theconversation

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق