تقارير ودراسات

نحن لسنا ما نعتقد أننا عليه

الإسلام في أوروبا: الآخر المرعب

  • إتش. اي. هيلير
  • ترجمة: أشجان عزيز
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: نايفة العسيري

إن كتابًا جديدًا عن قلق الغرب المتزايد هو ترياق مرحب به لمعالجة فوبيا الإسلام المزعجة، ولكن يمكن أن يذهب أبعد من ذلك ويفضح المفاهيم الخاطئة عن [نحن] و[هم].

هناك أمر غريب باعث على الارتياح عن تلك الجماعة التي تبدو مستغرقة بفكرة أنها في أزمة، في جميع أنحاء ما يعرف  بالغرب، كان هناك العديد من الكتب والمقالات والنقاشات العامة التي تلفت الانتباه إلى فكرة وجود أزمة ثقافية في الداخل. يجب أن يتْبَع هذه الظاهرة التأملُ الذاتي، ومُساءلة النفس، واسترجاع الماضي.

بشكل عام، شهد العقد الماضي شيئًا مختلفًا: فقد كان الحذر المحيط بالأزمة  يستدعي كثيرا ثنائية “نحن” نهاجم ونتشاكل “معهم”، وهو ما كان يقود دائمًا إلى اقتراحات مثل “حالة المسلمين في أوروبا يجب أن تكون أكثر صعوبة وصرامة” كما صرح  الناقد اليميني المتشدد (دوغلاس موراي). ناهيك عن نظريات المؤامرة التي تلقي تبعة علل العالم الحديث على أولئك الذين يبدون مختلفين عن “نحن” – يقصد الأوروبيين البيض – أو الأسوأ من ذلك اعتبار “الآخر” هم من يصلون بطريقة مختلفة عنا “نحن”.

يواجه الغرب – بالطبع- تحديات العصر الذي يتغير فيه الناس تغيرات سريعة بشكل كبير وبشكل مختلف عن الماضي، العصر الذي تتنافس فيه مفاهيم المعنى والفضيلة، عصر تطور التقنية السريع وتأثيرها بالمقابل على سرعة تطور المجتمع، كل هذا يقودنا إلى مفهوم التأثيرات الذي يبين لنا كيف تبني هذه الجماعات والمجتمعات تصوراتها عن نفسها وعن روابطها المشتركة.

والسؤال هو: كيف تتصدى هذه المجتمعات تلك التحديات وتوجد الحلول لرأب الصدع بدلًا من  تجاهله “حماية لأنفسنا”؟، منذ متى أصبحت “أنفسنا/نحن” بناءً أسطوريًا بالكامل؟

يبحث الكتاب الجديد للكاتب البريطاني (بن رايان) الذي عمل حتى وقت قريب في مركز أبحاث ثيوس المهتم بالسياسة والدين، هذا السؤال، وكتابه بعنوان: “كيف خسر الغرب: تراجع الأسطورة والبحث عن قصص جديدة”حيث تناول بصراحة القلق الغربي، ورأى أن ما يعتبره البعض هو “الغرب” ليس إلا أسطورة وصلت إلى ذروتها وبدأت في الانحدار الذي سيؤدي إلى اندثارها كفكرة.

 

(الوقت ينفد من أوروبا للحفاظ على الاتفاق الإيراني .

بعد بدء عملية حل النزاع، لدى القادة الأوروبيين وقت محدود لتقديم عرض ذي معنى لإيران …)

 

وفقا لرايان: الأوروبيون أنفسهم هم المسؤولون عن هذه المشكلة؛ لأن النخبة منهم لم يقتنعوا بالصياغات الحالية لما يعنيه أن تكون غربيًا، لذا فشل الغرب في تقديم أطروحة مقنعة بشكل كامل، ومع ذلك يفترض رايان، بأن هناك فرصة لإنقاذ الغرب من مصاعبه، فقط متى استطاع الغربيون معًا من بناء أسطورة جديدة لهم والمضي قدما في القرن الحادي والعشرين.

يعرّف (رايان) الغرب كفضاء فكري بدلًا من وحدة جغرافية. ووفقًا لنموذجه فإن الغرب كمنظومة فكرية يقوم على ثلاث ركائز: “الإيمان بنقطة النهاية الأخلاقية؛  القيم الجمهورية الثلاث (الحرية متمثلة في الليبرالية، المساواة، التضامن)؛ والعالمية”.

وقد أشار (رايان) إلى أن هذه الثلاث ركائز في أزمة حقيقية، ومع ذلك فإن الموقف ليس ميؤوسًا منه تماما.

في القسم الأخير من كتابه بعد ما بين ما حدث لكل ركيزة من هذه الركائز، أوضح رايان كيفية إعادة بنائها وتجديدها، التي تُعد أمرًا ضروريًا، لأن النموذج الغربي يبقى هو الأمل الأفضل لمستقبل النظام العالمي الذي وجد جذوره في الأخلاق والفضيلة .

بالرغم من خلفية رايان اللاهوتية السياسية، والتي تظهر بجلاء في كتاباته، إلا أن وظيفته كمستشار للشؤون الداخلية للكنيسة في إنجلترا جعلت القراء يتوقعون نقاشًا شرعيًا للأخلاقيات والقيم العليا، بدلا من التركيز الكلي على المجال السياسي.

هذا عنصر مهم في النقاش حول مستقبل الغرب أيضًا، والذي تطرق له رايان من حيث بيان مركزية المسيحية في تشكيل الهوية الغربية. بهذا الخصوص، فهو لا يرى النصرانية كدعوة للتشجيع على الاختلاف كما فعل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، كما أنها ليست نوعًا من الموضة العلمانية القبلية كما فعل موراي، بل اعتبرها مصدرًا للفضائل الحسنة واعترافا لما اعتبره جذورا لتاريخ الغرب.

الكثير مما كتبه رايان يعد نقطة بداية جيدة. فهو يتأمل ويحلل ويحاول أن يكون شاملًا، معتمدًا على الكثير من المفاهيم المدنية للوطنية بدلا من الاستناد إلى القومية العرقية، أو القومية المتأصلة في الهوية الدينية. وهذا التوجه أعطى القراء الأمل بمستقبل أفضل. وفي ذات الوقت، يأمل بعض القراء لو أن رايان ذهب أبعد وأعمق وكتب نقدًا أكثر وأعمق.

وعندما يتعلق الأمر بتصور أنفسهم كغريبين (نحن)، فعلى مر التاريخ كان العالم المسيحي يضع نفسه دائما في مواجهة ضد مسلمي البحر المتوسط (هم)، سواء كانوا عثمانيين أوعربًا.

في الواقع، البناء للهويات الوطنية في الجزء الغربي من أوروبا وأماكن أخرى مثل أستراليا وأمريكا ، قائم على النظر إلى المسلمين بطريقة خاصة، وعادة ما نظرة سلبية. وعندما تأخذ هذه المجتمعات في عين الاعتبار كيفية مضيها قدما في القرن الواحد والعشرين، فإن هذه العقبة تتطلب عملية إعادة تفكير شاملة .

ولكي تكون إعادة التفكير هذه ذات معنى فهي لا تحتاج إلى بناء أساطير جديدة للمستقبل، بل إلى إعادة اكتشاف الماضي. وهذا المشروع هو ما حاول المجلس البريطاني تحقيقه من خلال مشروعات مثل “أوروبا التي تجمعنا” أو “مستقبلنا المشترك” والتي  كشفت عن الكم الهائل من الأدلة التاريخية التي أظهرت أن المسلمين والإسلام لعبوا أدوارًا تاريخية أكبر في الداخل الغربي مما كان مفهومًا حتى الآن.

في الوقت الذي يزعم فيه أمثال أوربان اليميني المتطرف في المجر أنهم يدافعون عن القيم المسيحية، فإن قياداتهم تنفذ سياسات الكراهية ضد الأجانب بشكل واضح. من المهم جدًا تجاوز هذه العرقية والأخذ في الاعتبار حقيقة أن هذا هو أساس المستقبل المستدام. في الواقع أولئك الذين يقطنون العالم المسيحي ويتشبعون بالثقافة المسيحية بحاجة إلى أن يعرفوا بوضوح أن لديهم خيارات مناسبة، وأن لديهم نموذجًا يحتذى به من أمثال غابور إيفاني -وهو وزير مسيحي مجري حارب الشيوعية في سبعينيات القرن الماضي، ويواجه الآن رهاب الأجانب لدى أوربان- بدلا من أوربان.  ربما لا يعد إيفاني مثاليا؛ لكنه شكل من أشكال تضامن المسيحية مع المضطهدين بدلاً من الترويج للكراهية العرقية ضد “الآخر”، و هو بالضبط ما تحتاج إليه أوروبا.

مثل هذا الفهم من الممكن أن يساعد الغربيين على التمسك بقيم الشمولية والتعددية، ويساعدهم في الوقت نفسه على الاستجابة لمخاوف  بعض الناس حول هذا العصر الحديث متعدد الثقافات. يعرف رايان ذلك، لكن أركانه الثلاثة لا تزال محددة بشكل ضيق للغاية، وجميع هذه الركائز تدمرت بالفعل على يد أفضل العقول الفكرية في الثقافة الغربية، بسبب تناقضاتها الداخلية، ليس فقط من حيث الأفكار ولكن من حيث الحقائق التجريبية أيضًا.

وأخيًرا، هل قيم [الحرية الليبرالية والمساواة والتضامن] هي حقًا ما دافع عنه الغرب من حيث ارتباطه مع الأقليات في الداخل، والشعوب المستعمرة في الخارج؟ إذا كان الغرب يتطلع لمستقبل أفضل، فيجب أن يتخطى المثقفون القراءات السطحية والتي لا يمكن الدفاع عنها لتاريخهم ويبحثوا عن أفكار أفضل. يجب أن يتجاوز المثقفون القراءات الضعيفة والساذجة لتاريخهم ويبحثوا عن أفكار أفضل.

إن رايان واضح بشكل مثير للإعجاب حول مخاطر الأيديولوجيات الأخرى التي تظهر كأنها دافعت عن الغرب، بما في ذلك نظرية [الاستبدال العظيم] التي تدعم الخطاب القومي الأبيض الحالي.

لكن ريان استطاع تحديد مشكلات بعض هذه النظريات بشكل أكثر وضوحًا. عندما وصف المحلل الأكاديمي المقيم في المملكة المتحدة  إريك كوفمان: “ما الذي يجعل ثقافة الأغلبية أكثر مرونة مما يعتقده البعض؟ لدرجة تجعل كل ما هو [أبيض] يتوسع وينتشر كغالبية سكانية تستطيع الاختلاط  والزواج”، والسؤال الأهم: هل يجب وصف هذه الثقافات بأنها بيضاء حقا؟

بالأحرى، ربما يجب على رايان أن يأخذ برأي النقاد مثل جوناثان بورتيس، فقد تجاوز اقتراح كوفمان بإعطاء الأفضلية للمهاجرين من خلفيات عرقية وثقافية مختلفة الذي من المفترض أن يكون سهل الاستيعاب. يقترح بورتيس على الحكومة البريطانية أن تدعو إلى “نهج أكثر إيجابية لتأثيرات الهجرة على المجتمعات والخدمات على المستوى المحلي، من خلال تعزيز التكامل وتوجيه التمويل إلى المناطق التي توجد فيها ضغوط ناتجة عن النمو السكاني”.

وبهذا الخصوص ، ربما لم يفكر رايان خارج الصندوق كثيرًا كما أراد ، على الرغم من أنني أشك في أن حجته سوف تتوافق تمامًا مع بورتس. لكن أن تكون أكثر وضوحًا له ما يبرره، نظرا للهجة اللاذعة الحالية في النقاش المحلي البريطاني .

نفس التأثير ظهر عندما وصف رايان الإسلام كوافد جديد للغرب: “باختصار، إن المهمة التي تواجه الغرب فيما يتعلق بالوافدين الجدد والإسلام هي في الأساس تمثل تحدي هذا الكتاب: العثور على سردية ورؤية أخلاقية يمكن من خلالها لأناس مختلفين أن يجتمعوا، وإيجاد طريقة لخلق هذا الرابط الجماعي دون خيانة القيم الغربية الجوهرية”. هذا هدف نبيل، لكن المشكلة الوحيدة هي أن الإسلام ليس بوافد جديد.

يقول: “قبل عقد من الزمن، وضعت كتابًا بعنوان” مسلمو أوروبا: الآخر الأوروبي” الذي تضمن فحصًا لتاريخ الإسلام الأوروبي الطويل”.

ولكن يمكن للمرء أن يكتب موسوعة تركز فقط على تاريخ المجتمعات والشخصيات الأوروبية المسلمة، سواء كانوا في إسبانيا والبرتغال قبل العصر الحديث أو في إمارة صقلية أو في العديد من مدن شمال وغرب أوروبا التي أصبحت مسلمة. إن تأطير الإسلام كوافد جديد يقيد على الفور نطاق المناقشة المطلوبة، ويؤدي هذا التأطير إلى التركيز على إنقاذ النماذج البالية بدلاً من البحث عن نموذج جديد للغرب.

 

هناك صدعان سوف يحسمان مستقبل الغرب:

الأول مرتبط بمشكلة [التجذر]، هناك أناس من أمثال ديفيد جودهارت -الذي ترك الوسط اليساري وانضم إلى جوقة الأصوات المناهضة للهجرة في اليمين- يعرفهم على أنهم [مبهمون] بعكس من يدعون آنفسهم بأنهم [هنا والآن]، و من وجهة نظره؛ فهم عالميون ليس لديهم ولاء حقيقي لمكان ما. كما أنه مرتبط بالقلق بشأن Blue Labour، وهي حركة داخل حزب العمل البريطاني تعطي الأولوية للتركيز على ما يعنيه أن تكون إنجليزي وبريطاني (على الأقل في مفهوم Blue Labour لكليهما) والتي تسعى إلى استعادة بعض الشعور بالوطنية إلى اليسار.

هناك بالفعل مدرسة فكرية متطورة تأخذ فكرة المصلحة المشتركة والعديد من أولويات ما يسمى بالوطنية التقدمية على محمل الجد -إنها موضوع لأعمال العلماء من مثل طارق مودود من جامعة بريستول، وهو موضوع كتبت عنه. في الواقع، يناقش العديد من الكتاب إعادة صنع المواطنة المشتركة والهوية الوطنية ، وليس إنهائها. ولكن في الآونة الأخيرة ،  اخترق النقاش حول “التجذر” بمفاهيم التيارات المتعصبة عن الأجانب غير البيض ، مما أدى إلى حلول مقترحة مثل حلول موراي – التي هي في الأساس معادية للمهاجرين. يحتاج الغرب إلى أفكار أفضل من تلك.

يجب على أي وطنية تقدمية أن تشمل جميع المواطنين وأن تمنحهم جميعًا السلطة المناسبة في تحديد معنى الشمول. ولا يجب قهرهم على نتاج هذه المناقشة، ولكن يجب إعطاؤهم القدرة على تحديد شروط وأطر هذا النقاش.

يتعلق الصدع الثاني بالدين ، حيث إن معظم الأقليات الدينية في الغرب تأتي من مجموعات عرقية ليس لها أغلبية. الخوف من الإسلام هو المكان الذي تلتقي فيه كل هذه المخاوف: فهو دين عالمي، ينظر إليه على أنه يمثل جميع محن العالم القادمة [علينا]، وعادة ما يجذب انتباه واهتمام الكتاب حول هذه القضايا الكبرى -مثل الكاتب المسيحي البريطاني جون ميلبانك- لتقديم تأكيدات متعصبة ومشينة، كما فعل عندما وصف المغنية الأيرلندية سينيد أوكونور بأنها “خائنة للحضارة” عندما اعتنقت  الإسلام.

وتظهر مشكلة الدين في كتاب رايان كثيرا، فأراد القراء المزيد، في النهاية ، ينشأ موضوع الدين دائمًا عندما يناقش النقاد والمثقفون التعثر الظاهر للغرب: إما أن يقدموا تفسيرًا متعصبًا للمسيحية (مثلما فعل أوربان وآخرون) لدعم جوهر متجدد في قلب الحضارة الغربية، أو شيطنة صورة الإسلام  لخلق “آخر” يجب على الغرب “نحن” أن يقهره بكل قوته. إنه شيء يلمح له رايان، ولكنه لا يذهب بعيداً بما يكفي.

كما ذكر رايان، وصف عالم الاجتماع روجرز بروبكر هذا الموقف “بأن المسيحية العلمانية كثقافة هي مسألة انتماء أكثر منها مسألة إيمان”. كما يصف الموقف بأنه  “نحن مسيحيون لأنهم مسلمون على وجه التحديد، وإلا فإننا لسنا مسيحيين بالمعنى الحرفي للكلمة”.

هنا، نشيد برايان لأنه لاحظ ذلك بشكل صحيح: “هذا يوضح الكثير عن انعدام الأمن في الغرب فيما يتعلق بعمق وعالمية قيمه، أكثر مما يخاف من التهديد الحقيقي الذي يشكله المسلمون الغربيون. ليس انعدام اليقين بشأن من هم المسلمون، ولكن انعدام الثقة في من هم الغربيون”. لكن  يبدو أن رايان لم يدرك تمامًا أن المسلمين ليسوا جزءًا من القصة الغربية الحالية فقط، بل لقد كانوا جزءًا من قصة الغرب منذ نشأته.

ومع ذلك، فإن كتاب رايان يعتبر قراءة محفزة للتفكير على الرغم من أنه لا يصل  بحجته إلى استنتاجات منطقية في مواضع معينة، خاصة  فيما يتعلق بتصحيح الأخطاء حول الخطابات السائدة، من [نحن] ومن [هم].

إن تصحيح هذا الخطأ لا يعني ببساطة إعادة بناء أسطورة وطنية جديدة للتجمع حولها، لكن الغربيين صاغوا رواية جديدة تبدد التهميش التاريخي لــ [هم] من أجل إنشاء ما كان دائمًا أسطوريًا في [نحن]. والمطلوب هو فكرة جديدة لـ [نحن] تظهر بشكل قوي وحقيقي، مبنية على القيم والمبادئ التي ستتمكن الشعوب الغربية من الالتفاف حولها بطريقة متماسكة لأجيال قادمة.

اقرأ ايضاً: “العلمانية” كلمة فرنسية تعني معاداة المسلمين

أعجبني المقال

المصدر
foreignpolicy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى