الدين

عاجل بشرى المؤمن

  • أ.د. عبد الله بن محمد القرني

يقول الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)} [سورة يونس: 62، 64].

إذا كانت البشرى للمؤمنين في الآخرة هي دخولهم الجنة، وكان هذا المعنى ظاهرًا بحيث لا يحتاج إلى بيان، فإن مما يحتاج إلى بيان ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات من البشرى للمؤمنين في الحياة الدنيا، مما هو في حقيقته من عاجل ثوابهم، ومما يثبتهم الله به على إيمانهم.

وقد ذكر الإمام ابن جرير في معنى ما يكون للمؤمنين من البشرى في الحياة الدنيا ثلاثة أقوال؛ أولها: الرؤيا الصالحة بحسن العاقبة ودخول الجنة يراها المؤمن أو ترى له، والثاني: بشرى الملائكة للمؤمن عند الموت برحمة الله له، والثالث: ما وعد الله به المؤمنين في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل، وقد أفاض الإمام ابن جرير في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والآثار عن السلف لهذه الأقوال، ثم ختم ببيان أن البشرى في الآية تعم هذه المعاني كلها، ولا تخص معنى دون آخر.

ولعله يدخل في عموم الرؤيا الصالحة التي فيها البشارة للمؤمن في الحياة الدنيا ما استنبطه بعض العلماء من قول النبي صلى الله عليه وسلم:”من رآني في المنام فسيراني في اليقظة[1] من أن من حصل له ذلك كان من أهل البشارة بالموت على الإيمان، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وإنما تكون الرؤية في حال اليقظة في اليوم الآخر، لا ما يدعيه بعض المبتدعة من رؤيته صلى الله عليه وسلم في الدنيا يقظة بعد موته، ويظنون أن ذلك هو المراد بالحديث.

ومما يضاف إلى الأقوال السابقة في معنى البشرى للمؤمن في الحياة الدنيا ما يكون من محبة الصالحين للمؤمن وثنائهم عليه، مع أنه لم يسع لذلك ولم يطلبه، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:”تلك عاجل بشرى المؤمن[2].

وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} [سورة مريم:96]، وفي بيان دلالة الآية على هذا المعنى يقول الشيخ السعدي رحمه الله: “هذا من نعمه على عباده الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، أن وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي محبة وودادا في قلوب أوليائه وأهل السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم، وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل، ولهذا ورد في الحديث الصحيح: “أن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض[3]، وإنما جعل الله لهم وداً لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه “.

ومما يدخل في عموم البشرى للمؤمنين في الحياة الدنيا ما وعدهم الله به أن يحييهم حياة طيبة، كما في قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة النحل: 97].

وحاصل الحياة الطيبة أن يجد المؤمن في نفسه طمأنينة وقناعة ورضا وسكونا وراحة بال وسرورا وبعداً عما يشوش عليه قلبه وحسن توجهه إلى ربه، وأن ييسر الله أموره ويهيء له الخير حيث سلك، وأن يبعد عنه المنغصات والملهيات، وما يدوك فيه أهل الدنيا من المشاحنات، وأن يرزقه الله رزقا حسنا من حيث لا يحتسب، ويبارك له في علمه وعمله وأهله وماله، ويختصر الإمام ابن كثير ذلك كله بقوله: “والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت”.

ومع ما تقدم فإنه ينبغي لمن رزقه الله حياة القلب ونور البصيرة ألا يغتر بما قد يحصل له من هذه البشارات فيفتر عن السير في طريق العبودية، وأن يجمع مع حسن الرجاء الخوف من سوء الخاتمة، وأن يوقن أنه لا راحة تامة للمؤمن إلا بحسن الخاتمة ودخول الجنة، وتأمل خشية عمر رضي الله عنه أن يكون قد عده النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين، وإلحاحه على حذيفة رضي الله عنه أن يخبره هل عده النبي صلى الله عليه وسلم منهم أم لا، هذا مع عظيم مكانته وأنه أفضل الصحابة رضي الله عنهم بعد الصديق رضي الله عنه.

وتأمل حال الإمام أحمد وقد قيل له: ما أكثر الداعي لك، فقال: أخاف أن يكون هذا استدراجا، بأي شيء هذا؟[4]، فلم يقف نظره عند الرجاء بأن يكون دعاء الناس له ومحبتهم إياه من عاجل البشرى له، وإنما تجاوز ذلك إلى النظر إلى نفسه بعين التقصير في حق الله تعالى، وهذا معنى قوله:”بأي شيء هذا “.

والأصل الجامع في هذه المقامات أن المؤمن الذي رزقه الله القلب الحي ونور بصيرته لا يميل إلى الرجاء وحده ويهمل جانب الخوف، ولا يميل إلى الخوف وحده ويهمل جانب الرجاء، وإنما يعلم أنهما كالجناحين للطائر، وأن الطائر إذا انكسر أحد جناحيه سقط، وأنه لا نجاة له إلا بأن تجتمع له حقيقة الأمل في ثواب الله والخشية من عقابه.


[1] رواه البخاري:6993، ومسلم:2266

[2] رواه مسلم: 2642

[3] رواه ابن حبان:364

[4] سير أعلام النبلاء، للذهبي (11/210)

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى