عام

عبرتان في تحولات المسيري

  • د. عبد الله بن محمد القرني

يشير عبدالوهاب المسيري رحمه الله عند حديثه عن تحولاته الدينية إلى أمرين لهما دلالتهما العميقة، أحدهما في سبب ضلاله وتحوله إلى الإلحاد في أيام شبابه، والآخر في سبب هدايته وعودته إلى الإيمان بعد تجاربه الواسعة في دراسة جذور وإشكالات الفلسفات المادية.

فأما شكوكه فقد بدأت معه مبكرا وهو في سن السادسة عشرة ، وكان من أهم الأسئلة الملحة عليه في تلك السن هو السؤال عن الخالق للكون، وعن المبرر لوجود الشر في العالم ، وكان المخرج الوحيد عند المسيري بعد أن عجز عن حل الإشكال هو أن يسأل مدرس الدين عن ذلك ، لكن جواب الشيخ لم يكن مقنعا له، بل صدم بقوله بأن جواب السؤال عن خالق الشر هو فوق مستوى العقل.

وهنا ترسخ عنده الإشكال أكثر مما كان ، وتوهم أن الشيخ لم يعرف الجواب لا لقصور عنده وإنما لأن الدين الذي يمثله الشيخ عنده ليس فيه الحل لإشكاله ، وكان هذا مبررا كافيا عنده ليتحول عن إسلامه ويعلن عدم التزامه بالشعائر الدينية، وأنه لن يصلي ولن يصوم إلى أن يجد إجابة عن أسئلته.

والعبرة فيما حصل للمسيري في هذه الواقعة أن حالته قابلة للتكرار مع تكرار أسبابها، فمن حصلت له بعض الشكوك في أصول الاعتقاد فإن أكثر ما يعزز عنده النفور من الدين هو مقابلة أسئلته بمجرد النهي عن الخوض في تلك المسائل، أو ربما مجابهته بالتقريع والزجر، لأن ذلك يقوي عنده الوهم بأن السبب ليس هو عجز بعض المشايخ وطلاب العلم عن الإجابة عن أسئلته ، وإنما لأن الإسلام نفسه قائم على تسليم غير مبرهن، ومن هنا يترسخ الشك في نفوس الشباب الذين تعرض لهم مثل هذه الإشكالات، ولو أنهم وجدوا من يتلطف معهم ويبين لهم الحق بأدلته لكان لهم موقف آخر.

وهذا يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الشبهات والإشكالات التي يواجهها الشباب تحتاج إلى إعادة النظر في أساليب مواجهتها، وأن ما يكرره البعض من أن الشكوك في توحيد الربوبية لا تعرض إلا للنادر القليل من الناس هو إنكار لواقع يشهد بخلاف ذلك في عصرنا، بل إن الشبهات في هذا الأصل قد أصبحت رائجة ومتداولة في بعض مواقع النت ووسائل الإعلام المشبوهة.

ومما تجب مراعاته في هذا الباب أن يعلم أنه إذا كانت الحقائق الشرعية وأصول الاعتقاد ثابته لا تتغير فإن أساليب الردود على المخالفات العقدية وما يجد من شبهات على أصول الاعتقاد فهي بطبيعتها ظرفية، وقد لا تتكرر تلك المخالفات على الوجه التي هي عليه في ظروف أخرى.

ومثال ذلك أنه قد جدت في عصرنا شبهات كثيرة تستند إلى نظريات علمية لم تكن معروفة من قبل ، فلابد عند الرد عليها من اعتبار خصوصيتها وأن ما رد به العلماء قديما على بعض الشبهات في عصرهم قد لا يكون من المناسب الاعتماد عليه في الرد عليها في عصرنا، بل لابد من التجديد الدائم في مواجهة النوازل مع الثبات على أصول الدين ومحكماته وما يدل على ذلك من معاني النصوص الشرعية.

وأما عن عودة المسيري إلى الإيمان فقد ذكر أنها كانت متدرجة على مدى ربع قرن، وكان السؤال الملح الذي يبحث عن إجابته خلال كل هذه المرحلة الصعبة من حياته هو التبرير لما يجده في نفسه من أن الإنسان مقولة مستقلة عن قوانين الطبيعة، وأن هذا يتنافى مع التفسير المادي للإنسان تنافيا كليا.

وقد عانى المسيري كثيرا أثناء رحلة البحث عن مخرج من المأزق المادي، وكان يشعر دائما بالتوتر بين خياري التفسير المادي أو التفسير الإنساني المتجاوز له، وحتى المواقف العاطفية التي يجدها الإنسان الطبيعي عادية ولها تفسير مفهوم وواضح كانت تؤرقه وتؤكد عنده قصور المادية عن تلبية مطلبه المعرفي، فكما يقول لا يوجد معنى مادي لحبه لزوجته ولا لعاطفته تجاه ابنته الأولى حين ولدت، وأنه لا يمكن تفسير تلك العواطف بأنها مجرد نتاج لبعض الأنزيمات والغدد، بل لابد أن يكون لها بعد إنساني خارج عن نطاق المادة.

ومع أنه كما يقول عن نفسه بأنه يخيل إليه أنه لم يقاوم أحد الإيمان الديني أكثر منه بسبب نزعته العقلية الحادة إلا أنه انتهى أخيرا إلى أن ما يسميه الإنسان المتجاوز لقوانين المادة هو أكبر شاهد على وجود الله تعالى.

والعبرة من هذه الحالة الصعبة التي مر بها المسيري أثناء رحلة البحث عن الإيمان أنه لا يوجد تفسير يتوافق مع إنسانية الإنسان التي هي حقيقة الفطرة التي خلق الله الناس عليها إلا في الإسلام، وهذه نعمة ينبغي أن يشكر الله عليها من هداه إلى الإسلام ولم يمر بمثل ما مر به المسيري من الحيرة والاضطراب قبل أن يتبين له الحق.

والإنسانية في حقيقتها إنما هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وربط المسيري بين الإنسانية والإسلام يؤكد أهمية الربط بين الحقائق الشرعية والفطرية، وبيان أن الوحي قد جاء بموافقة وتكميل النزوع الفطري لتمييز الحق وتصديقه وإرادة الخير والعمل به، فيجتمع للمسلم نور الوحي مع نور الفطرة، وأن هذا هو الأصل في الإنسان ما لم تنحرف فطرته فيلزم تقويمها بهداية الوحي.

وكل هذا قد دل عليه قول الله تعالى :” فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها “، وماجاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال :” إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا “، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”.

والملاحظ على الدراسات الشرعية عن الفطرة أنها تقف في الأغلب عند حدود بيان دلالات النصوص الشرعية، والترجيح بين أقوال العلماء في معانيها، ولا تجاوز ذلك إلى تنزيل الحقيقة الشرعية للفطرة على طبيعة النفس الإنسانية في جوانبها المختلفة، ولا إلى البناء على تلك الحقيقة في نقد ما يسمى بالعلوم الإنسانية، وما تحتف به نظرياتها المتباينة من انحرافات خطيرة، نتيجة الاعتماد على النظرة المادية للإنسان ، والتي تقوم في الأساس على أنه محكموم بقوانين الطبيعة، وهي بهذا تفتقر إلى إدراك خاصية الروح الإنسانية ، ومالها من أشواق ومطالب لا يمكن أن تتحقق إلا وفق الفطرة التي خلقها الله عليها والوحي الذي يهديها ويحميها من الزلل والانحراف عما خلقت له.

ولو تم سلوك هذا السبيل لأمكن تصحيح بوصلة كثير من العلوم والمعارف، وإخراجها من ضيق النظريات المادية إلى سعة الهدايات الربانية، وهذا ليس خاصا بعلوم محدودة وإنما هو توجه مختلف من الأساس يبنى عليه تصحيح المسار في جميع العلوم بلا استثناء، حتى العلوم التي قد يظن أنه لا صلة لها بهداية الوحي الموافق للفطرة السليمة.

وإذا كان المركز الذي تدور عليه كتابات المسيري هو الكشف عن إنسانية الإسلام، فإن ما قدمه من جهود في هذا الاتجاه كما تحتاج إلى الاستثمار واستكمال ما بدأ به، فهي تحتاج كذلك إلى الفحص والتقويم، لأنه مع كل ما وصل إليه من نتائج مهمة لم تكن له الخبرة الكافية بالعلوم الشرعية، بل هو من جملة المفكرين الذين تحتاج جهودهم إلى دراسة ونقد وفق المعايير الشرعية.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى