عام

ما بعد الفن الساخر: شبكة التلفاز المفضلة لدى ترامب

"ما يذاع على شبكة OAN هو الحقيقة المطلقة بالنسبة لأتباع ترامب، وأباطيل خيالية لغيرهم!"

  • ديفين جوردن
  • ترجمة: عمر الخولي
  • تحرير: سعيد الشهري

شبكة One America News هي القناة الإخبارية الكبْلِيَّة[1] المفضلة لدى “دونالد ترامب”، ويرجع هذا غالبًا إلى موافقة الشبكة “ترامب” على كل شيء تمامًا. وكل يوم يفعل “ترامب” ما يجذب انتباه الشبكة ومن ثم يبدأ نشاطها. ترامب -بالنسبة لهم- نصف عقل مدبر ونصف مصدر إلهام. ولتدرك عمق ولاء الشبكة لترامب؛ إليك هذا العنوان المنشور على موقع الشبكة في نهاية مارس عندما كان ترامب لا يزال في مرحلة إنكاره لوجود فايروس كورونا:

 “يعالج الرئيس حالات الطوارئ على نحو جيد في فترته الرئاسية الأولى”

صحيح! على نحوٍ جيد جدًا! علينا في الحقيقة منحه فترة ثانية في الحال، أليس كذلك؟!

وبين الفينة والأخرى، يقع بين “ترامب” وشبكة “فوكس نيوز” Fox New ما يشبه مشاحنة الحبيبين، وهذا عندما يتودد بشدة إلى ال OAN عن طريق إعادة تغريد مدحهم له والسماح لمراسليها بالحديث في مؤتمراته الصحفية ليومين على التوالي. ولنضع هذه العلاقات في مصطلحات الجرائد الشعبية المألوفة لترامب؛ يمكننا القول بأن ترامب يعامل الOAN كعشيقة، ويعامل “فوكس نيوز” كطليقة مستقبلية!

بدأ بث قنوات شبكة الOAN  عام ٢٠١٣، أي أنها سبقت رئاسة ترامب، وأن صعودها ليس إلا ردة فعل للـ “ترامبية” أكثر منه توسعًا في الرؤية الكونية اليمينية المحاصَرة والمذعورة التي كانت في السبب الأول في وصوله إلى سدة الحكم. وإليك أربعة نماذج لهذه الرؤية:

 في عام 2018 وبعد فترة طويلة من بيان زيف حادثة “بيتزاجيت” التي ادُعي فيها تورط “هيلاري كلينتون” مع عصابة سرية في العمل في جنس الأطفال انطلاقًا من مطعم بيتزا بواشنطن = عينت ال OAN “جاك بوسوبيك” – أحد أكبر داعمي نظرية مؤامرة بيتزاجيت – كمراسل على الهواء مباشرة. وجديرٌ بالذكر تراجع بوسوبيك عن الإيمان بنظرية بيتزاجيت مخبرًا الواشنطن بوست عام 2016 أن البث المباشر الذي كان يفحص فيه أمر مطعم البيتزا لم يكن إلا مطعم بيتزا تسير الأمور فيه بشكل طبيعي.

وفي عام 2018، بدأت موجة مهاجرين في التقدم ببطء من وسط أمريكا متجهة نحو الشمال، وغطت الشبكة هذا الحدث – المعروف باسم “قافلة المهاجرين” – كأنه إعصار من الدرجة الخامسة!

وقد أشارت الشبكة إلى اغتيال “سيث ريتش” – موظف اللجنة الوطنية الديمقراطية – كأنه اغتيال سياسي، وربط أصحاب نظرية المؤامرة على الإنترنت هذا الأمر بما تم تسريبه من البريد الإلكتروني الخاص باللجنة الوطنية الديمقراطية.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت الشبكة في دعم النظرية التي تدعي أن فايروس كورونا طُوِّر في مختبر صيني للأسلحة البيولوجية بدون أي دليل يُذكر. وبعدها بقليل نقلت صحيفة “النيويورك تايمز” أن مسؤولي الحكومة كانوا يضغطون على أجهزة المخابرات للتحقيق في هذا الأمر حتى بعد دحض هذا الادعاء في صحف الجرائد الأولى!

مؤخرًا، أخبرني “تشارلز هيرنج” – رئيس شبكة ال OAN – عبر البريد أن: “سرنا الأكبر والمميز لل OAN عن غيرها ­­من الشبكات الإخبارية هو أن نَجم برامج أخبار OAN هي الأخبار نفسها لا مقدمها”.

والآن، لدينا من ناحية: حقيقة أن مذيعي البث المباشر لا يحبون شيئًا أكثر من أن يُقال لهم أن سبب اختيارهم ليس موهبتهم، ومن ناحية أخرى: “هيرنج” على حق! في ال OAN، ما يُلقيه المقدم أهم بكثير من كيفية إلقائه له.

إن مشاهدة ال OAN تعني معايشة رئاسة ترامب بالطريقة التي كان ليغطيها ترامب نفسه. لقد بنى شبكة إخبارية من اللاشيء، كما فعل مع حكومته، وكذلك عيّن فيها مجموعة من المديرين الهواة! وقد شاهدت ال OAN لساعات طويلة، وطوال مشاهدتي إياها كانت تشتاق نفسي إلى مهارة واحترافية “فوكس نيوز”. ولكن في عصر الحقائق البديلة؛ لا تحتاج شبكة الأخبار إلى حسن الأداء والاحترافية لتكون مصدر خطر؛ يكفي المقدم أن ينظر إلى الكاميرا ويقرأ ما كُتب له عليها[2].

تزكية ترامب المعتادة لل OAN حولتها إلى ضجة إعلامية لمدة وجيزة، وتم وصف تغطيتها للأحداث بأنها “سريعة الوتيرة”، والذي قد يكون وصفًا صحيحًا إن قارناها بقناة تعرض احتراق خشب الكريسماس في المدخنة! فأثناء متابعتي لل OAN أدركت تدريجيًا أني كنت أشاهد فيلم Anchorman لا قناة إخبارية! كل شيء جاد ومؤدَّى على عُجالة وبدون عناية، كل شيء – وبشكل واضح جدّا – سخيف بلا معنى! ال OAN آلة نوستاليجا[3]، في مظهرها وأدائها؛ فهي مألوفة.. مُطمئِّنة.. هي TCM[4] شبكات الأخبار الفضائية.وكأنها قد تم إنشاؤها لأعضاء جيش الماجا الأمريكي المسنين الباحثين عن الراحة من خلال تلقي الأخبار على النحو الذي اعتادوا عليه قديمًا: نفس الأخبار السارة، نفس الأخبار السيئة، نفس الأعداء الضبابيين، حتى الكوابيس تأتيهم مُغلَّفة في بطانية دافئة! عنف عصابات في أول النشرة، وصغار الباندا في آخرها. ال OAN هي ما بعد الباروديا؛ هي الحقيقة المطلقة لأتباع ترامب، وقمة السريالية لمن دونهم!

أُطلقت ال OAN منذ سبع سنين في الرابع من يوليو، حين كان ترامب في مرحلة متقدمة في طور ميلاده السياسي. ويقع مقر الشبكة الرئيسي في مجمع مكاتب cul-de-sac في سان دييجو، المدينة التي -بالإضافة إلى كونها المكان الذي صُوِّر فيه فيلم Anchorman- هي أيضًا القاعدة القديمة لشركات مؤسس ال OAN والمليونير ورب الأسرة المُسِن “روبرت هيرنج” والد “تشارلز هيرنج”. بنى “روبرت” ثروته كمُصنِّع لوحات الدوائر الكهربائية ، وقد حصل في عام 2000 على أرباح تُقدر بمائة وعشرين مليون دولار من شركتين. واقتحم روبرت وابنه عالم التلفاز عام 2004 بقناة Wealth TV المسماة حاليًا بـ AWE (A Wealth of Entertainment)، وهي قناة كبْليَّة أبرزت برامج كـ : “Cheese Chasers” و “Dream Cruises”. وبدأ أيضًا “روبرت” في التبرع بالمال لخلفيته المحافظة، ففي عام 2005 أصبح موضع الأخبار عندما عرض مليون دولارًا على زوج “تيري شيافو”، وهي فتاة أمضت سنوات في غيبوبة بينما يتقاتل زوجها ووالداها في المحكمة حول اتخاذ قرار إنهاء حياتها من عدمه، عرض عليه هذا المبلغ إن وافق على إبقائها على قيد الحياة، وهو ما رفضه الزوج. وعندما رأى آل “هيرنج” أن فوكس نيوز أصبحت متساهلة ووسطية للغاية؛ أطلقوا شبكة “One America” لمنافستها.

لا يكشف “روبرت هيرنج” كثيرًا عن نفسه، حيث يظهر فقط في المقابلة السريعة التي يجريها في جريدته المحلية San Diego Union-Tribune من حين لآخر. مع ذلك، ومنذ أن بدأت جائحة فايروس كورونا؛ فقد لزم “هيرنج” التغريد عنها بانتظام. وفي العشرين من أبريل، نشر هيرين عن الهيدروكسي كلوروكين، الدواء المضاد للملاريا الذي وصفه ترامب كعلاج لفايروس كورونا (COVID-19) ويدَّعي الآن تناوله بنفسه! نشر هيرين عن هذا الدواء برغم انعدام أي دليل على فعاليته في معالجة فايروس كورونا، وبرغم الأدلة المستجدة على إمكانية تسببه في ضرر، حيث قال في تغريدته:

“كان الرئيس ترامب أول من أخبرنا عن دواء الهيدروكسي كلوروكين، والآن، هناك العديد من الأخبار عن أُناس استعملوه وشُفوا بنسبة 100%. إذن، ماذا حدث لتجارب الدواء في نيويورك؟ أين النتائج؟ لمَ لا يدفع الأمر المزيد من الأطباء؟ ولمَ لا يُسمَح للناس باستخدامه؟!”

لا يوجد حرفٌ صحيح في هذه التغريدة! ولا حتى الجزء المتعلق بكون ترامب أول من أخبرنا عن الدواء. “روبرت” فقط ألقاها هناك؛ ثم اختفى خلف حسابه في تويتر.

وكصاحبها؛ لا تكشف ال OAN الكثير عن نفسها. ففي مجموعة إعلامية من صفحتين على موقع الشبكة تفخر الشبكة بأنها “وبسرعة أصبحنا قناة الأخبار الفضائية الرابعة في الولايات المتحدة”، ولكني لم أجد مصدرًا صحفيًا واحدًا على هذا الادعاء! ومن الملفت للنظر أيضًا أن مذيعي الشبكة يبدو وكأنهم قد كتبوا سِيَرَهم بأنفسهم، وعلى الأرجح نسخوها من صفحاتهم الشخصية على Tender! فعندنا “إيمي فِن”، البالغة من العمر 23 عامًا، وفقًا لموقع anchorswiki .com هي شخص محب للترحال (لا سيما إلى “دوبلين” في “آيرلاندا” – المكان المفضل لدى إيمي في العالم كله!). هي أيضًا – وبجانب الترحال – تحب الاستماع إلى موسيقى الروك الكلاسيكية، وتحب أخذ حمام شمس على شاطئ البحر! وقد مشّطتُّ موقع الشبكة بأكمله، وضغطتُّ على كل تبيوبٍ فيه حتى صَدَف أن ضغطتُّ على صفحة تُدعى “العلاقات التابعة”، ووجدت هناك – تكرمًا منهم – عنوان بريد “تشارلز هيرنج”الإلكتروني المباشر متاحًا لمشاهدي ال OAN؛ فراسلته ورد عليَّ بالآتي:

“شبكة ال OAN هي شركة عائلية صغيرة”، وذلك بعد إخباري إياه عن دهشتي عند إيجاد معلومات الاتصال الخاصة به على موقع الشبكة. وأردف: “يبذل فريقنا قصارى جهده فيما لديهم من مراجع، وكثير من طاقم عمل ال OAN يؤدي أكثر من دور، بما فيهم أنا”. وفي بريد آخر كتب “تشارلز”: “سعيد بمتابعتك لنا على ال Roku (وشكرًا لك على ال 4.99 دولار مقابل هذه الخدمة) ستحصل على تصور جيد عن القناة بمشاهدتك إياها بدلًا من قراءة آراء حولها من صحافة متحيزة تُقِر بعدم مشاهدتها للقناة مطلقًا. وأخيرًا، دعني أعرف كيف يمكنني أن أساعدك”.

في الواقع، يمكن لكل من يملك هاتفًا خلويًا مشاهدة “One America” من خلال مقاطع على اليوتيوب أو من تطبيق الشبكة أو من خدمة البث Roku؛ ولكن غالب مشاهدي الشبكة – كترامب – يشاهدونها عن طريق التلفاز. ولمشاهدة الشبكة عبر التلفاز عليك أن تعيش في المكان المناسب، ويرجع ذلك إلى قلة مُشغلي كابلات التلفاز في الولايات المتحدة التي تحمل كابل ال OAN. ويُقدّر عدد مستخدمي التلفاز الكَبْلي في الولايات المتحدة بحوالي 35 مليون أسرة، أي أقل من ثُلُث إجمالي جمهور التلفاز الأمريكي. ولا يزال العدد المحدد لمشاهدي ال OAN مجهولًا؛ فعائلة “هيرنج” لا تشارك في دراسات “نيلسين” (Nielsen) المسحية وترفض مشاركة بيانات المشتركين. ولكن، ووفقًا للبيانات الشحيحة التي أتاحتها شركة “Comscore” وبعض المحادثات مع محللي الصناعة؛ فهناك 34.5 مليون أسرة على الأقل من الأسر المستخدمة للكابلات لا تشاهد ال OAN.

وأنت كلما بحثت عن مصدر لعدد مشاهدي ال OAN؛ كلما ظهر لك قلة هؤلاء المشاهدين! يقول “إثان زوكِرمان” – أحد رواد الويب 2.0 وأستاذ الإعلام والسياسة العامة في جامعة ماستشوستس في أمهيرست – : “إذا ما نظرت في مجموع ما لدينا من إحصائيات في عام 2020 = تجد ال OAN حاضرة، ولكن ما أدهشني أنها ليست حتى ضمن الألف الأولى! ولكن يبدو أن هدف الشبكة أن تكون شبكة تلفازية فقط بدلًا من أن تكون منصة إعلامية متعددة الوسائط”. ومن البدهي أيضًا أن مقاطع الفيديو على قناة اليوتيوب الخاصة بالشبكة تحتوي على آلاف قليلة من المشاهدات.

ويتم أحيانًا مقارنة ال OAN بشبكة “Breitbart News” اليمينية، ولكن ما تتبناه الأولى يمثل نموذجًا على النقيض تمامًا لما تتبناه الأخيرة تحت رئاسة “ستيڤ بانون”، حيث تحرص الأخيرة بشدة على استغلال وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى النقيض، وبرغم حداثة نشأتها؛ فإن الOANتبدو وكأنها من عصر ما قبل الإنترنت!

وقال لي “زوكِرمان” حيال هذا الأمر: “تبنت “بريتبارتBreitbart” – وبشكل جدي – فكرة أن تكون مشاركة في كل أشكال وسائل الإعلام؛هم أرادوا الظهور في مقاطع مرئية، أرادوا أن ينتشروا كالنار في الهشيم، ولا أظن أن ال OAN تلعب نفس اللعبة”.

وقد كان “تشالرز هيرنج” – صاحب ال OAN – على حق، حتى تفهم ال OAN عليك أن تستوعب كل ثانية من البث، من مقاطع الويكيميديا لأقراص الدواء على خطوط الإنتاج إلى إعلانات نظارات شمسية عسكرية. ومن ثمَّ تضطر أن تفكر فيما حدث في العالم ليتم إنتاج مثل هذه الرؤية المغلقة للعالم الحديث؛ رؤية نصف مطمْئِنة و نصف مذعورة، وكأن العجزة الغاضبين مصابون بمتلازمة ترومان[5]؛ يشعرون في كثير من الأحيان أن هناك يد خفية تدبر الأمور.

في السابع عشر من أبريل، ومباشرةً بعدما تشاجر ترامب مع شركة 3M المصنعة للأقنعة الواقية؛ عرضت ال OAN مقطعًا عن ممرضة من منطقة سان أنطونيو صنعت قناعًا طبيًا للوجه، والذي – وفقًا لجملة المذيع الافتتاحية – “يعمل حتى أفضل من قناع N95 الخاص بشركة 3M”. تباهت الممرضة بمعدل ترشيح قناعها البالغ 99.5% (والذي – إن صحَّ كلامها – قد يكون أفضل من قناع شركة 3M) وبأنها صنعت حتى الآن ستماْئة منهم. الفكرة من عرض ال OAN للمقطع تبدو وكأنها كيد بـ 3M، ففي بعض الفواصل الإعلانية اللاحقة؛ حضَّ إعلانٌ المشاهدين الذين عانوا من مشاكل سمعية بسبب سدادات أذن معيبة (من إنتاج 3M) على الانضمام إلى دعوة قضائية جماعية ضد شركة 3M… صدفة؟! ربما! على الرغم من أن في “أمريكا” ال OAN لا توجد مصادفات.. كل شيء نتاج مؤامرة!

ومما لاحظته أثناء متابعتي لل OAN أن كل مذيعيها لديهم شبهٌ غير عادي من مذيعين أكثر شهرة في فضائيات أخرى. يقدم “أليكس سالفي” – صاحب النظارة والوجه الطفولي – برنامجًا من برامج ساعة الذروة يُدعى After Hours، والذي يبدأ في العاشرة مساءً. ولكن قبل أن تأتيك أي فكرة شريرة حيال البرنامج؛ لا تقلق، الأمر أشبه بمشاهدة إنتاج مدرسةثانوية لبرنامج ” All In With Chris Hayes”. ثم عندنا “جراهام ليدجر” الذي قضى نحو خمسة عشر عامًا يقدم الأخبار المحلية في “KFMB-TV” الواقعة في “سان دييجو”، والذي يعني بدوره أنه وقبل الانضمام إلى “WealthTV” و “One America” كان “ليدجر”كـ”رون برجندي” بطل الفيلم الأمريكي Anchorman. يمكنك أن تقضي يومك بأكمله غاضبًا بشأن موضوع أمن الحدود،بينما لا تزال هائما على وجهك نائمًا في صحراء كلمات ليدجر.

من ألين الآراء المتعصبة للصحافة اليمينية هو أن النساء البيض ذوات الشعر الداكن لا يحتَجن لأن يكنَّ غاضبات طوال الوقت؛ فهذه وظيفة الشقراوات! “ليز ويلر”(الشقراء) مقدمة برنامج “Tipping Point” في التاسعة مساءً هي صورة جافة قليلًا من “ميجان كيلي” ذات هواية الحط من قدر الليبراليين.

وإن كان”ليدجر” ما هو إلا محاولة من ال OAN لإعادة إحياء النسخة الأصلية من ال “Anchorman”؛ فإن “ويلر” هي تصور مُحافظ لـ ” ڤيرونيكا كورننجستون” – حبيبة “رون بارجندي” (بطل الفيلم)، ومقدمة أخبار غريمه له.

ال OAN حافلة بهذه النماذج؛ يبدو “باترك هاشن” الذي يقدم نشرة أخبار ال OAN الليلية في الخامسة مساءً (آخر وقت الظهيرة في الواقع!) قلقًا أثناء تقديمه، كصورة ثَمِلة من “ديفيد موير”. وقد أتقن “جون هاينز” (الذي يستضيف العديد من كبار ضيوف ال OAN كـ “ديفين نونز” نائب كاليفورنيا، و “أليكس أزار” وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية) أسلوب “كريس والاس” الرزين، حتى في إمالة “والاس” الرزينة لرأسه.مع ذلك؛ فإن “والاس” وُلد محقِّقًا، بينما يتم تمرين “هاينز” على إمالة الرأس. وذات مرةٍ، شاهدته محدقًا عينيه حوالي خمس دقائق متواصلة مشجعًا “نونز” أثناء حديثه عن معمل أسلحة “مشبوه فيه بدرجة عالية” في “ووهان”، وعن علاقات منظمة الصحة العالمية المزعومة بالحزب الشيوعي الصيني.

مع ذلك؛ فإنك إذا ما صادفت ال OAN في هذا العالم؛ فغالبًا لم يتم هذا بسبب “ليدجر” أو “هاينز” أو “هاشن”، ولكن ما يُعطي ال OAN هذا الصيت هو سبب جوهري وحيد، وهو استمرار ترامب في اختيار مراسليها في مؤتمراته الصحفية. والآن قد ظهر نمط معين لهذا الأمر؛ يختار ترامب مراسل ال OAN، ثم يسأله المراسل سؤالًا محيرًا؛فيلتفت كل من في غرفة المؤتمر ليرى من هذا الذي سأل سؤالًا كهذا، ثم يشكره “ترامب” على هذه “الفرصة الذهبية”!

ولأسابيع، سعى “ترامب” في محاولة تحميل الصين مسؤولية الوباء من خلال إشارته إلى فيروس كورونا على أنه “الفيروس الصيني” أو “فيروس ووهان”، مما أدى إلى اتهامه بالعنصرية الخفية تجاه الصين. ولكن حصل ترامب حينها على دعم نافع من كبير مراسلي ال OAN في البيت الأبيض “شانل ريون” (وهي أمريكية من أصل كوري، ويُلقب أبيها بـ “ريان”)، حيث كان سؤالها أقرب إلى دفاعٍ استباقيّ في صيغة سؤال: “سيدي الرئيس، هل تعتبر مصطلح “الطعام الصيني” مصطلحًا عنصريًا لأن منشأ هذا الطعام الصين؟”

ويبدو فعلًا أن “ريون”بارعة في هذا الأمر(التحايل).فوفقًا لتحقيقات الديلي ميل؛ غيرت “ريون” لقبها من “داين-ريان” إلى “ريون” قبيل أن تقدم على تصريح البيت الأبيض الأمني (وهي لحظة غريبة لتغيير الاسم). وقد أعلنت الجريدة – الديلي ميل – أن والد “ريون” – “دان ريان”–اتخذ اسم: “كريستوفر بريبوث” و”دان ريان” و”دانفورد نمي ديان-ريان” و”مايكل ديفيد ريان” و”ديفيد مايكل ريان”. ومن الممكن أن السبب وراء تغيير اسمه مرات عديدة هو أنه – ووفقًا لمقولة الديلي ميل – اتُّهِم مرارًا في عمليات احتيالٍ عقارية.

الأخبار العاجلة مكلفة للغاية، وبالنسبة لعائلة “هيرنج” ولل OAN فهي مبالغ فيها أيضًا. وقد قال “تشارلز هيرنج” أن عائلته تضخ عشرات الملايين من الدولات في ال OAN، ولكن بالنسبة لعملية إخبارية محلية؛ فهذا الرقم كحلقة في فلاة! وخلال كل الساعات التي قضيتها في مشاهدة One America خلال الوباء؛ لم أر أي دليل على وجود كاميرا ثانية في الاستوديو! لم أرَ مراسلًا ميدانيًا واحدًا يأتي بخبر من مكان آخر غير البيت الأبيض! ومن المُلاحظ أيضًا أنه على بعض المذيعين الذكور ألا يرتدوا ثيابهم بأنفسهم!على أي حال، لِمَ يعرضون الأخبار العاجلة في حين أن بإمكانهم تكرار ما كان عاجلًا يومًا ما!

وقد سألت “تشارلز” مرةً عما يعتبره أبرز نقطة في تاريخ ال OAN كشبكة إخبارية – وهي فرصة ذهبية بالنسبة لي – ولكنه لم يستغل هذه الدعوة المفتوحة للتباهي؛ فقد أجابني بأن: “أبرز نقاطنا هي ببساطة تأديتنا لمهمتنا، وهي عرض أخبارٍ محلية وعالمية موثوقة. إن امتلاك طاقم عمل يعرض قصص إخبارية عاجلة ومهمة هو دائمًا نقطة بارزة لأي منظمة إخبارية”. بالتأكيد هي نقطة بارزة كما ذكر “تشارلز”، ولكنه لم يذكر أيًا من تلك القصص الإخبارية!

ظننت أن تشارلز قد يُروِّج لتغطية الشبكة القوية للانتخابات الرئاسية لعام 2020، وبشكل خاص تغطيتها لـ “جو بايدن”. فقد لاحظت وجود فكرة مبهمة وراءالمقاطع الكثيرة التي شاهدتها، ولنرى عزيزي القارئ إن كنت تستطيع اكتشافها: “تعثر جون بايدن في مقابلة أخرى اليوم…”، “القلق بشأن تدهوره الإدراكي في ازدياد..”، “زلات بايدن في استمرار، وهذا حسب أشرس نُقَّاده” (نعم، حتى أشرس نقاد “بايدن “كانوا على استعداد لإبداء آرائهم)!بهذا الأسلوب؛نجح المذيعون في تحقيق الهدف المنصوص عليه مخلوطًا ببعض المرح.. والشفقة!وهم بالكاد تمالكوا أنفسهم عند عرض مقطع لـ “بايدن” يشير فيه إلى فايروس كورونا بـ “فايروس اوهان”.

وقد حاولت الحصول على بعض الإجابات الأخرى من “تشارلز”خلال مراسلاتي معه، واعتمادًا على معرفتي بفحوى تغطية ال OAN للوباء؛ سألته إن كان يعرف – شخصيًا – أحدًا أُصيب بفايروس كورونا. ولسبب ما، لم يُرِد “تشارلز” أن يجيب علانيةً. وسألته أيضًا عن نماذج لأوقات اضطرت فيها ال OAN إلى تصحيح عملها لأني لم أجد نماذج كثيرة بنفسي. فكان رده: “نحن ومع الأسف نرتكب أخطاء بشكل متكرر، أغلبها صغيرة جدًا وتُصحَّح بسهولة، وقد قمنا أحيانًا بالتصحيح على الهواء مباشرة”. ومن التصحيحات التي وجدتها بنفسي: تغريدة لهم عن إزالة خبرٍ عن تهمة خيانة زوجية. في هذه التغريدة، كررت الشبكة الاتهام الأصلي وأشارت إلى إزالتها لما سبق نشره ريثما تصل إلى مصادر أخرى! تشارلز على حق في مقدار ما تُخطئ فيه ال OAN، لكنه ليس كذلك في مقدار ما تُصحِّح ال OAN هذه الأخطاء.

لا تزال”One America” – برغم جمهورها الضئيل – أداة مفيدة للمروجين الأجانب والمحليين وبدون وعي الشبكة بذلك حتى. فنظرية المؤامرة التي تظهر فقط في آلة دعائية روسية كمثال، أو على لسان عضو كونجرس قد ذهب عقله= لا يمكنها الانتشار بتوسع كتلك التييتبناها بعض أنواع الإعلام الأمريكي مهما كانت سخيفة.

ويتطلب هذا الأمر بعض الخطوات لينجح، فعلى سبيل المثال: يمكن لضيف ما أن ينظَّر – منذرًا بالسوء – حول مخططات صينية ما، وما على المُحاور إلا أن يجلس أمامه مذهولًا من منطقية هذا الطرح، بدون حتى أن يسأله أكثر الأسئلة بداهةً. حسنًا، لننظر سويًا في هذا الطرح: “طور العلماء فايروس كورونا في مختبر أسلحة بيولوجية صيني” ثم ماذا؟! أطلقوه على شعبهم؟! أم خرج هو صدفةً؟! أم انسكبت أنبوبة اختبار؟! شيء من هذا القبيل؟! بعيدًا عن أي تحقيق نقدي لهذا المشهد؛ يؤدي التلميح دوره.

خلال فترة أوباما الرئاسية، طمأن الليبراليون أنفسهم بأنهم قد سخروا وحطوا من قدر نوع معين من برامج الأخبار حتى اختفى من الوجود وأن العقلانية قد انتصرت، وظلت النخب الساحلية لسنوات تموت ضحكًا مما يفعله “جون ستيوارت” و”ستيفن كولبرت”، حين قاموا بارتداء زي الصحفيين وحولوا طقوسًا مألوفة في الحياة الأمريكية إلى نكتة ليلية. ولكن خلال الفترة الرئاسية الثانية لأوباما، عاد بندول ما بعد الحقيقة بشدة من اليسار إلى أقصى اليمين، من “الباروديا”إلى “البروباجاندا”[6]، من عقيدة أوباما إلى الترامبية.

من الممكن أن تكون الOAN الشبكة الإخبارية المفضلة إلى دونالد ترامب، ولكن هذا لا يعني أنه يسهر طوال الليل مشاهدًا لها، وإن كان هناك ما يمكن أن نتفق أن ترامب يعلمه حيال الشبكة هو أنها تعرض شيئًا جيدًا. وفي الحقيقة لا يمكنني تصور ترامب متحليًا بأدنى قدر من الصبر تجاه مستوى ال OAN الإنتاجي.

وما قاله لي “زوكرمان” – المحلل الإعلامي – أن: “مفتاح النجاح في هذا المجال هو أنه عليك أن تبدو كشبكة إخبارية بحقٍ لتحظى ببعض التأثير، وهذا ما تفعله “Breitbart News” على نحو غاية في البراعة”، وأردف: “يحتاج الأمر بشدة إلى تلميع وتمييز المحتوى، وعندما تملك شبكة القدرة على هذا وتكون مزعجة في آن واحد؛ هنا يمكنها أن تمتلك قوة تأثير”. تملك ال OAN الصفة الأخيرة، ولكنها أغفلت سابقتها. أكمل “زوكرمان”: “إن لم تملك هذه الأمور ستفشل، حتى وإن كان المحتوى غاية في الاستفزاز”.

أتساءل في كثير من الأحيان أثناء مشاهدتي لل OAN حول مدى خطورتها، ومدى الحذر الذي يجب أن نكون عليه تجاهها، ومستوى التهديد التي تمثله. لا تزال لائحة مُعلني “One America” في حالة هزيلة؛ تأمين أجهزة منزلية، دعاوى قضائية ضد أعداء “ترامب”، مجموعة مختارة من أعمال “ويليام شاتنر” الفنية! لم تستمر الشبكة كل هذه المدة إلا بسبب أنبوب الأكسجين الذي يوفره لها “ترامب”، ولكن ماذا بعد ذهاب “ترامب”؟! “One America” ليست “Fox News”، عائلة “هيرنج” ليست عائلة “موردُتش”؛ سيحل محلهم بديلٌ غيرهم. ويمكن أن يكون لدى هذا البديل أداء أفضل، يمكن أن يكون بديلًا حاذقًا في استخدام عباءة الصحافة لإبلاء الثقة في الصحافة، ويمكن أيضًا أن يكون البديل على علاقة بترامب.

ووفقًا لتقارير حديثة، بدأت المؤسسة الاستثمارية المملوكة بواسطة عائلة “تومي هيكس الابن” – المستثمر والرئيس المشارك للجنة الوطنية الجمهورية وصديق “دونالد ترامب” – في البحث عن خيارات ممكنة لشراء ال OAN، وكتب إليّ “تشارلز هيرنج” حول هذا الأمر معترضًا على سؤالي إياه عن هذه الإشاعات: “لم نُنشئ ال OAN لبيعها، ولا نزال متحمسون للمستقبل. نعم نبحث عن أي فرصٍ للتطوير، ولكن هذا لا يعني أننا نريد بيع مؤسستنا”.

في هذه الحالة، وفي الوقت الحاضر، لنقر جميعًا بالآتي:ال OAN ليست أهلًا للمشاهدة.

اقرأ ايضاً: ثلاثة طرق لمساعدة الأطفال على التفكير بصورة نقدية في الأخبار


* الباروديا أو المحاكاة الساخرة (Parody) هواتجاه أدبي وفني يُحاكى فيه أسلوب شخص أو عمل بشكل ساخر بهدف النقد، وقد انتشر هذا الاتجاه بشدة في إعلام أمريكا ما قبل ترامب.(المترجم)

[1] نسبة إلى التلفاز الكبلي، وهو الذي يبث القنوات من خلال تلقى الإشارات من الكابلات المحورية، على عكس الصورة المعروفة للتلفاز الفضائي. (المترجم)

[2] الأصل: (teleprompter)، وهو جهاز يُستخدم خصوصًا في برامج الأخبار ليقرأ منه المقدم، ويُترجم إلى “المُلقِّن” أحيانًا. (المترجم)

[3] النوستاليجا: الحنين إلى الماضي. (المترجم)

[4] TCM اختصار Turner Classic Movies، وهي قناة فضائية أمريكية تعرض أفلامًا كلاسيكية. (المترجم)

[5] متلازمة ترومانThe Truman Show Delusionهو خلل نفسي(غير معترف به رسميًا) تم اقتباس اسمه من فيلم أمريكي يُدعى “The Truman Show”، يتحدث الفيلم عن شخص طبيعي اكتشف بعد ثلاثة عقود من عمره أن حياته تُسجل بالكاميرات وتُعرض في برنامج “The Truman Show” منذ أن كان في رحم أمه.في هذا الخلل يتوهم الشخص أن حياته تشبه حياة بطل الفيلم، أي أن حياته تُسجّل وتُعرَض وأن هناك من يتحكم فيها. (المترجم)

[6] نشر المعلومات بطريقة موجهة أحادية المنظور، وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص، وهي مضادة للموضوعية في تقديم المعلومات. (المترجم)

أعجبني المقال

المصدر
theatlantic

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى