الفلسفة

كن كالشجر: لا يتعجل التعافي من الصدمات

  • بيروندا مونتغمري
  • ترجمة: أسماء أحمد
  • تحرير: آسية بنت رياض الشمري

أثناء تنزّهي في فصل الشتاء أتأمل هندسة جذوع الأشجار التي ظلت متوارية عن الأنظار من خلف أوراق الأشجار في الصيف والربيع، أو خلف حلّة الأوراق البهيّة في الخريف. فمع تساقط الأوراق لاستقبال فصل الشتاء واستعدادّا لبدء عملية منظمة لشيخوخة الأوراق تظهر الهياكل المخبوءة.

أثناء الشيخوخة الخريفية تُوقف الشجرة النمو النشط، وتستعيد العناصر الغذائية من أوراقها. تحدث هذه العملية ابتداءً بتكسير الكلوروفيل الأخضر الذي يحفّز عملية البناء الضوئي في النباتات لتستخدم الطاقة الضوئية، ومِن ثم تتحوّل المركبات المعقدة إلى أحماض أمينيّة وسكريات مُذابة، والتي تُخزن لتستهلكها الشجرة في ربيعها التالي. وعندما يُعاد امتصاص العناصر الغذائية تُسقِط الشجرة أوراقها. ويتكون في نهاية الورقة حاجز طبيعي -يُعرف بطبقة الانفصال-يحرر الورقة من الشجرة. فإذا اختفت الأوراق اتضح مرأى الجذع طيلة فصل الشتاء، ونالت الشجرة قسطًا من الراحة.

مقارنة بألوان الخريف الساحرة، أو حيوية نضارة واخضرار الصيف صرت أتفهم سكون الشتاء، فمن وجهة نظري تتجلى قوة الجذع وخبرته وعمره عند تساقط أوراق الشجرة. حيث يظهر النطاق الكامل للشجرة شاهدًا على عمرها. ورغم سبات الأشجار متساقطة الأوراق وتركيزها العميق على رعاية وحماية نفسها من الظروف القاسية؛ إلا أن الدروس التي تمنحها لنا تكون أكثر فعالية شتاءً، ومُغايرة للدروس السائدة في الفصول الأخرى.

يعلمنا النبات العديد من الدروس: دروس في إرشاد ومساندة الآخرين، دروس في المرونة، وأخرى عن التبادلية في الزراعة المتعددة والتنوع. إحدى هذه الدروس البليغة  تظهر عند تتبع الدلائل العضوية للفحص الدقيق لهيكل شجرة مكشوف، فإن نَسَق التفريعات، وبراعم الشتاء النادرة، ووجود الندوب أو الجروح تُكَوّن جميعها السجل التاريخي للشجرة. يعقب سنوات الخصب أو النماء زيادة في أنواع البراعم المختلفة، وتباين في استعداداتها لتكوين الخشب لأن للإطار البيئي تأثيرًا على مدى نماء الفروع واستطالتها؛ كما يتأثر بنيان الشجرة بحالة السنين التي عاشتها.

 لقد وجدت نفسي شديدة التأثر بما يمكننا تعلمه من كيفية تعافي الأشجار وصمودها الحتمي أمام جروحها البادية لا سيما إذا كانت الجروح مُتعمَدة أثناء التشذيب أو نتيجة لكارثة طبيعية والتي تظهر جلية خريفًا وشتاءً. فإذا وُجد ضرر أو تلف بدأت الأشجار عملية مضنية من التعافي والشفاء. فلا تتجاهل الأشجار الصدمة والشيخوخة لتسترد عافيتها فحسب، فلو أنها فشلت في استجابتها النشطة أو زادت عن الحد قد تمرض طويلًا حتى الموت. لذا عند حدوث الجرح تتأهب الأشجار لمرحلتين من الاستجابة الوقائية، أولاهما: مرحلة كيميائية طبيعية سريعة، يتبعها مرحلة تكيّف طبيعي بطيء طويل الأمد. تحدث الاستجابة الكيميائية السريعة كمحاولة فعالة للحد من ضرر الآفات المنجذبة إلى السكريات والمواد الكيميائية النباتية (الفايتو كيماويات) التي كشفها الجرح. أما المرحلة الثانية الأبطأ: هي اندمال الجرح والتئامه طبيعيًا.

توفر بعض المواد الكيميائية الناتجة من الاستجابة الكيميائية حماية فعالة للنباتات، فتعمل كمركبات مضادة للميكروبات أو مضادة للفطريات لمنع ظهور المرض في الجرح المفتوح فيفسد. وكما تحفز الأشجار آليات كيميائية وقائية، تنتج أيضًا خشب الجرح (الكالوس) كأنسجة ضامّة ليّنة تتكون على سطح الجرح المفتوح ليلتئم الجرح ببطء فوق الأنسجة التالفة لينتهي المطاف بعزل الإصابة، وتٌكوّن حاجزًا وقائيًا طويل المدى كاستجابة مناعية لمسببات الأمراض (جينات الكائنات الممرضة). وبالنسبة للنباتات التي تنهج هذا النهج ينتج الشفاء من الإغلاق كحل لمرحلة الانتقال أو الحدث الصادم.

يتوافر الأكسجين أثناء عملية الشفاء في جرح الشجرة المفتوح ليسهل إتمامها. وإذا سبق أوان إغلاق الجرح فقد يكون كارثيًا، لأنه من الأفضل أن ندع الشجر يُتابع مساره الطبيعي. ودرس نباتي آخر، تظهر استجابة الشجرة لجرحها المفتوح في تطهير وإغلاق صحي لما بعد الصدمة من خلال حماية الجرح من العدوى، وزيادة الأكسدة متبوعة بتغطية الجرح بأنسجة واقية طويلة المدى. إن تغطية الجرح قبل الأوان لمجرد مواراة الضرر عن الأنظار دون الحرص على التعامل معه مباشرة بتطهيره ومداواته يؤدي إلى تفاقم التلف بدلًا من التماثل للشفاء، ويضر بعملية إعادة التكوين والنمو والازدهار.

يحافظ التئام الجرح بشكل طبيعي على الصحة العامة للشجرة، ويؤدي إلى نمو أغصان جديدة وأوراق تغذي الثمار أو البذور. على الدوام، أتعلم من الشجر ضرورة وجود توازن دقيق أثناء السعي للتعافي من الصدمة. ولابد من إغلاق الطريق أحيانا لوقف المرض، والانهيار، والخسارة. وفي أحايين أخرى يجب اختيار الوقت المناسب لسلوك طريق يسمح باستمرار غاية الإنسان المنشودة، وتأثيره، وعمله.  وُجدت بعض السبل لنتجنبها، وأخرى لنلتمسها ونكتشفها.

لطالما ظننا أن الاستجابة المتوقعة للصدمة تكون باتباع طريق المسامحة الفورية للعودة السريعة للوضع الطبيعي. رغم أن هذا ممكن أحيانا لأن للصفح مزاياه إلا أن هناك طرقًا بديلة للتعافي والتخطّي قائمة على الإنهاء وإعادة توجيه الطاقة. إن التئام جروح الأشجار بإغلاق الأنسجة أو عزلها الوقائي وما ينشأ من مسارات حيوية جديدة تتضمن أنسجة اللحاء التي تنقل السكر، وطبقات أنسجة الخشب المُنفذة للماء يسمح باستمرار عمل الشجرة لتحقيق هدفها الأساسي. يٌظهر نموذج التئام الجروح ضرورة إغلاق بعض المسارات، والتماس سبل أخرى للبقاء على قيد الحياة. لقد وجهتني هذه الدروس للمُضي قدمًا في حياتي الشخصية والعملية على حدٍ سواء.

في لحظاتي الفردية تتجذر هذه الدروس وتترسخ بعمق في وعيي. يمكن مواجهة الاضطرابات الخطيرة كالوباء العالمي بوسائل متعددة: كالرغبة في العودة إلى الحياة الطبيعية، والحاجة إلى إعادة النظر في استجاباتنا لصدمة المرض والموت. يدعونا التفكير في الدروس الفريدة المستفادة من استجابات الشفاء للصدمات والانتقال في الأشجار إلى التساؤل عن أفضل السبل التي يمكننا من خلالها ضمان الاستجابات السريعة لمنع الضرر أثناء وجود جرح مفتوح ،والاستجابات بعيدة المدى التي تعمل على الإغلاق وإيجاد مسارات جديدة ومبتكرة؛ بدلًا من توقف الحياة في محاولات لإعادة الوضع الطبيعي لما قبل الصدمة. فيا من تريد مُعلمًا تأمل دروس أشجار الشتاء مُتعلمًا ثم مُطبقًا!.

أعجبني المقال

المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى