عام

اقتفاء الأثر بين علم النفس والأدب

  • هشام الخالدي
  • تحرير: عبد الله الفهد

لطالما كان الأدب بريد الروح، رسول الحرف ومؤتمن الفؤاد، سماء النفس التي تُشرق فيها الشمس ويهطل منها المطر، ليلها الملبّد بالظلمة، المتوشح بالنجوم، السافر عن خلجاتها تحت ضوء القمر، الأدب للنفس كقمة جبل عالية تكشف مشارب النفس وسواقيها، فيه تستقر المعاني الخالدة، وهو المفتاح لفهم الدوافع الكامنة خلف الأصوات البعيدة.

إن عظمة الأدب من عظمة النفس الإنسانية التي تَولّد منها، فهي الرحم الذي تولدت منه العلوم والفنون كما عبر عن ذلك العالم السويسري كارل يونج، فتجلّت جلالة الأدب من كونه طريقًا مباشرة تنزل به مكنونات النفس نزول استقرار وطمأنينة، وتفسّر من خلاله دوافعها وتنتصر فيه لقناعاتها دون مد يد عون من أحد، أقرب فيه ما تستجدي الذات بذاتها.

الأدب في حقيقته تعبيرٌ عن رؤية تعكس حدثًا ما يضعنا أمام تجلٍ لأثرٍ عظيم يكشف ما كان خافيًا في بعض جوانب النفس الإنسانية، فالتأمل والتفتيش في ثنايا الأعمال الأدبية والفنية عن هذه الرؤية عمل تكتنفه المعضلات، وهو أشبه ما يكون بالبحث في صحراء قليلةِ المعالم، وهو كذلك اقتفاءٌ للأثر من خلال الشعر في بيت، والنثر في كلمة، والرسم في لون، وهو تعقبٌ لصدى الكلمات ورجوعٌ إلى أرشيف الأيام، والألم يلازم مسرّة الحب ملازمة الصدى للصوت كما يقول نجيب محفوظ، وبتمهلٍ ندرك أن البحث في عبقريةٍ فنية وقيمةٍ جمالية تراءت لأصحابها من خلال الأدب يتطلب جهدًا وصبرًا ومزيد تأمل، أشبه ما يكون بإعادة خلق للأثر ولو بعد زمن طويل.

لا تحيط اللغة وأساليبها بمعاني الإنسانية المستوطنة في أجسادنا وتحولاتها التي ألقت بظلالها عليها، دون أن يكون البحث في هذا المجال يلقى ما يلقاه من تساؤلات دفعته باتجاه تنويع مصادر المعرفة في سبيل اختبار قيمة كل معنى وأثر ينتج عنها، والأدب بطبيعته شديد الحاجة إلى المقارنات والموازنات كما يقول طه حسين(1)؛ مما جعل التحليل النفسي أداةً علمية تراكمت معارفها من أخصب ميادين علم النفس من جهة علاقته بالأدب، فهو يسعى في تقديم رؤى حول موضوعات – شغلت باحثي الأدب ونقّاده – تكشف دلالات نفسية كان لها الأثر الأكبر في تجلي ونشأة القيمة الفنية والجمالية للمتلقي، ومحاولة للإجابة عن سؤال الباعث وأثر الصدق فيه أو محاولة تلبس هذا المعنى أحيانًا أخرى، ومن خلال ذلك جرى تناول عددٍ من المفاهيم كان منها: مفهوم التطهير الذي تحدث عنه ارسطو في أثر المأساة وما يتضمنه من انفعالات في النفس وشعور بعطف وإشفاق على أشخاص الرواية(2)، فكان هذا أول معلم حقيقي من معالم الطريق إلى شرح العلاقة بين الأدب والنفس. ويؤكد هذه العلاقة هربرت ريد قائلاً: (ولقد كان من رأيي دائمًا أن واجب الناقد الأدبي في هذه الحالة أن يقتص لنفسه، وأن يلتقط من علم النفس أحد أسلحته. وبهذا اقتربت شيئًا فشيئًا من نوع سيكولوجي من النقد الأدبي، لأني تأكدت أن علم النفس ولا سيما طريق التحليل النفسي يستطيع أن يمدنا دائمًا بشروح لكثير من المعضلات المرتبطة بشخصية الشاعر وفن الشعر وتذوق القصيدة).(3)

وفي ظل تقاطع الأدب مع علم النفس كان السؤال الذي اتجهت إليه الأنظار يدور حول الينبوع الذي تنبع منه المعاني الإنسانية، بما تحمله من قيم فنية وجمالية، ترسم الابتهاج وتطلب الدهشة برسم معنى مذهل يلفت الانتباه، ويمنحه الاحترام والاعجاب لسبقه ومزيد تفرده به، ثم انتقل السؤال إلى محاولات جادة لتحصيل المعرفة واستخراج الحقيقة، ومحاولة تفسير العلاقة التي تربط الإنسان المبدع بالعمل الأدبي أو الفني، وكيف أن الأدب يكشف مصير هذه الشخصية والموقف الذي تتمثله، مراعيةً في سبيل ذلك التفرقة بين أن يكون الأثر الأدبي ثمرة لشخصية هذا الانسان وامتدادًا لمسيرته في الحياة، وبين كونه أثرًا ناشئًا عن حالة إبداعية تحرر فيها من ذاته ليصور ذواتًا أخرى، فمن علامات صدق الشخصيات الفنية ومشاكلتها للواقع أن تكون قابلة للتحليل النفسي(4). فرواية (الإخوة كارامازوف) مثلًا يصفها د. عز الدين إسماعيل بأنها قضية ذات شعب كثيرة، لكنها تدور حول محور واحد، هذا المحور هو التناقض، وربما كان ميل (دوستويفسكي) إلى أن يجعل التناقض الظاهر لنا في الحياة انعكاسًا للتناقض الكامن في نفوسنا أو أثرًا منه.(5) يقول د. سامي الدروبي: “ولعلنا نستطيع حين نتزود بالمعرفة العلمية أن نكشف عن ثغرة في الرؤية الأدبية كما يكشف الحذاء عن خطأ في لوحة ينتعل فيها أحد شخوصها حذاء أغفل الرسام في تصويره بعض العناصر أو رسمها رسمًا خاطئًا.. لعلنا نستطيع إذن أن نكشف بالمعرفة العلمية عن صدق الرؤية الأدبية أو زيفها، لعلنا نستطيع بتسليط أضواء العلم وتطبيق مقاييسه أن نقول عن أثر من الآثار الأدبية إنه لم يكن ثمرة رؤية صادقة وحدس نافذ، بل كان ثمرة تلفيق وتركيب”(6).

 واستكمالًا لمحاولة الوصول إلى آثار تتسم بالصدق والواقعية لفت علم النفس النظر إلى أهمية الاستعداد النفسي والذهني للمتلقي أثناء تناول هذه الآثار بالتذوق والنقد، مما يعكسه هذا الاستعداد وبذل الجهد في زيادة القدرة على إدراك القيمة الذاتية لها، ويقلل من تأثر فعل التلقي بسبب تفاوت الحالة النفسية في مختلف الأحوال على معايشة التجربة وإصدار الأحكام. يضاف إلى ذلك تقدير الموازنة المثلى في العقلية الأدبية الناقدة للرسائل التي يحملها الأدب للمجتمع وردود الأفعال عليها.

وإن كانت الاستعانة بمنهج التحليل النفسي في قراءة الأدب قد أخذت حيزًا لا يستهان به من قبل علماء علم النفس ونقاد الأدب، فقد فتح ذلك سجالًا ثريًا حول شخصيات أدبية مختلفة تتمثل في مدى تفاوت واختلاف أصحاب الذوق والنقد في تفسير النصوص الأدبية على ضوء الحياة الشخصية، وكيف انعكس أثر ذلك على هذه الشخصية وعلى تقبل المجتمع لها في تلقي آثارها، مثل تناول طه حسين لشخصية المتنبي، أو العقاد لشخصية المعري، مما فتح آفاق مختلفة لتأويلات جديدة تستدعي محاولات للنقد جديد. ومن الأعمال التي جعلت من التحليل النفسي منطلقًا منهجيًا لدراسة نقدية أدبية، ونقطة انطلاق لا نقطة وصول_أعمال د. جورج طرابيشي النقدية، ومنها: “عقدة أوديب في الرواية العربية” و “الأدب من الداخل” والتي تناول فيها عددًا من الروايات في محاولة للكشف عن أبعاد جديدة للنص الأدبي قد تبقى معتمة إذا لم تُستكشف على ضوء منهج التحليل النفسي.

إلا أنه في ذات الوقت توجه نقد شديد للقراءة النفسية للنصوص الأدبية، والتقليل من شأنها مقارنة بالنقد الفني البحت، وذلك أن القراءة النفسية تتباين في طريقة تحليل النص الأدبي، وتغفل المستوى الفني وتعزله عن سياقاته في النصوص التي تطبق عليها الدراسة، وأن هذه القراءة تغفل القيمة الجمالية وترى فيها مجموعة من الرموز والدلالات، إضافة إلى ما تستند عليه القراءة النفسية من مرجعية معرفية تسند فيه القيم الجمالية والفنية للنص الأدبي إلى عقد أو مكبوتات لا شعورية.(7)  يقول د. الحبيب الدريدي: “وقد رأينا أن هذه القراءة النفسية للصور الشعرية تفسر الأدب بما ليس من الأدب، فهي تتناول مادة فنية وفكرية بأدوات تحليلية خارجية لا تلائمها وتعامل نشاطًا واعيًا بمقولات اللاوعي بما يجعل هذه القراءة محدودة النفع والطائل ضيقة الأفق”.(8)

وإن كان هذا النقد يلامس جوانب من واقع التحليل النفسي للأدب إلا أنه لا يجب أن يصرفنا ذلك عن أهمية تلمس أثر اختلاف الأحوال النفسية وقراءتها على إبداع الآثار الأدبية، والتقاط المؤثرات التي نفذت من خلالها حاملةً رائحة الزمان والمكان والإنسان دون أن تفقد معانيها الملهمة وأثرها النبيل جاعلةً منها قيمة إنسانية خالدة.


  1. من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، د. محمد خلف الله أحمد، صـ162، دار العلوم للطباعة والنشر 1984م.
  2. دراسات في علم النفس الأدبي، د. حامد عبد القادر، صـ 127.
  3. من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، د. محمد خلف الله أحمد، صـ27.
  4. الأعمال النقدية الكاملة د. جورج طرابيشي، صـ 160المجلد2، دار مدارك 2013م.
  5. التفسير النفسي للأدب، د. عز الدين إسماعيل، صـ 249، دار المعرف 1963م.
  6. علم النفس والأدب، د. سامي الدروبي، صـ 118، دار المعارف.
  7. القراءة النفسية للنص الأدبي العربي، د. محمد عيسى، مجلة جامعة دمشق، مجلد العدد (1+2) 2003م.
  8. الصورة في الشعر الجاهلي، د. الحبيب الدريدي، صـ200، مسكيلياني للنشر والتوزيع 2019م.

 

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى