عام

إلى الابنة.. ساعة عُسرة

مَن تحبّ من أبنائك أكثر؟

هذا السؤال الذي يوجّه إلى الآباء دومًا، وتبقى الإجابات القديمة: الحلقة التي لا يُعرف طرفاها، والصغير حتى يكبر، والمسافر حتى يعود، والمريض حتى يشفى، إلا أن السؤال المفتوح: مَن تحدّث أكثر؟ ومتى؟ دون اضطرار انتهاء الغاية في (حتى)..

لعلم النفس رأي في التمييز بين الخطابين: إلى الابن أو الابنة، يقول إن الابنة تتفوق في التواصل البصري واللغوي والعاطفي مع والديها، فتنثال معها مفردات مثل: الدموع والافتقاد والحب والرعاية، أمّا الابن فيتفوق في التواصل الذهني والحركي والذكاء المنطقي الرياضي، فتُنتقى معه مفردات مثل: النجاح والأمل والمسؤولية، وأخفى من هذا ما تثبته  بعض الدراسات أن الأب يكون أكثر انتباهًا للابنة واستمتاعًا باللعب معها، وأكثر صرامةً وخشونة في اللعب مع الابن، وهذا تبعًا لرصد ذبذبات المخ بأجهزة رنين مغناطيسي تقيس انفعال الأب أثناء اللعب، وليست اعتمادًا على ظاهر اللعب ولغته وحسب.

اللطيف أن تتوافق النتائج الغربية التقنية الحديثة مع ما قاله الشاعر القديم، الذي يجد في ابنته ريحانة روحه وسط محيط قاحل، أمّا ابنه فيؤمّل فيه امتداده وامتداد آبائه، فيوجّه إليه الوصايا والحكم ورحيق التجارب.

وهذه الأسطر تحاول قراءة شيء من خطاب الشاعر لابنته ساعة عُسرة -تحديدًا-، كالرحيل: القريب أو البعيد، أو النفي والإبعاد، أو تراكم الخيبات الاجتماعية واستحالة المُنى..

.

.

“أين.. أين الرحيلُ”..

شدُّ الأمتعة، وتفقّد الراحلة، وصخب السفر، مع توسلات البقاء من الصوت الأعذب والمُحبّة الأصدق مقامٌ يشجي الشعراء، ويبعث الشعر في محمل من الأسئلة وقوافل من الدعاء.. يقول الأعشى في أعذب شواهده عندي:

تقول بُنيّتي وقد قرّبتُ مرتحلًا
يا ربّ..جنّب أبي الأوصابَ والوجعا!

ويقول:

تقول ابنتي حين جدّ الرحيلُ
أرانا سواءً ومن قد يَتِمْ

أبانا فلا رِمتَ من عندنا!
فإنّا بخيرِ إذا لم ترِمْ

ويا أبتا لا تزل عندنا
فإنّا نخاف بأنْ تخترم

أرانا إذا أضمرتك البلادَ=
نُجفى.. وتُقطع منا الرحم

أفي الطّوفِ خفتِ عليّ الردى!
وكم من ردٍ أهله لم يرِم

فما زالت تتشبّث به، تتعلّق بأطراف ثيابه، تمسك خطام ناقته بإلحاح (عندنا)، وما انثنى لتوسّلاتها عن أحوالهم بعده، فأتت بحجة أخرى من خوفها عليه هو، فردّ بحجّة عقلية تفوق استيعابها الصغير: أفي الطوف خفتِ عليّ الردى!.. وكثيرًا ما تخاف النساء من سفر أحبّتهن، لا يبصرن في التطواف ما يبصرون، يقول عروة بن الورد:

“تقولُ سُليمى: لو أقمتَ لسرّنا
ولم تدرِ أنّي للمُقام أطوّفُ”

ابنة الأعشى مع عاطفته الجيّاشة نحوها ليست -في رأيي- إلّا جزءًا من وصف الرحلة التقليدية، جزء بنكهة الشاعر الخاصة؛ لأن الشعراء اعتادوا على تهويل الرحلة ومتاعبها، فإمعانًا في التهويل العاطفي تأتي صورة الصغيرة التي جازف أبوها بالرحيل من (عندها)..

أمّا مالك بن الريب فتستوقفه دموع ابنته وقت الرحيل، لكنه ماضٍ رغم تحول تلك القطرات الرقيقة إلى سلاح حاد:

“اسكتي.. قد حززتِ بالدمعِ قلبي
طالما حزّ دمعكنّ القلوبا”

يقول في واحد من عذب شواهد النحاة:

“تقول ابنتي -لمّا رأت وَشكَ رحلتي-:
سفارُك هذا تاركي لا أبا ليا”

ويروى البيت:

“تقول ابنتي إن انطلاقك واحدًا..
إلى الروع يومًا.. تاركي لا أبا ليا”

ويُروى بلفظ آخر:

“تقول ابنتي -لما رأت طول رحلتي-
سفارك هذا تاركي لا أبا ليا”

ولأن نسبة القصيدة في أصلها واكتمال أبياتها مما لم يُتيقّن منه، فضلًا عن ماذا قال مالك تحديدًا، لهذا لو خُيّرتُ أيّ الروايات الثلاث أقرب للنص، لاخترتُ (وشك رحلتي)؛ لأن الرحلة لم تطل بعد، وإن كان التأويل بالرحيل إلى خراسان؛ لا أظنه يشغلها لحظة الوداع طولُ السفر زمانًا أو مكانًا، ولا الرفقةُ واحدًا أو مع جماعة، بل يحزنها الرحيل كلّه، جملة وتفصيلا.. فاقتراب الموعد ورؤية ما يشبه حقائب السفر فاض في عينيها تنبؤًا بما سيكون: “لا أبا لها”.

.

.

.

إليها وحدها..الكلمة الأخيرة:

رثاء النفس من الأغراض الذاتية التي تجعل الشاعر يقلّب ملفّ الصور، ثم يرفع نظره إلى  ابنته، ويبثّها  التعليق الختامي..

أُصيب بشر بن أبي خازم، وأيقن أنها النهاية، فأخرج مشهدًا سينمائيًا كالذي نشاهده في أفلام الحروب، حين تفتّش النساء في فزع ولهفة بين وجوه العائدين، بحثًا عن وجه منتظَر، بِشر بن أبي خازم يكتب المشهد قديمًا، ويقول لها في يأس: انتظري لن آتي، ابحثي لن تجديني، تفاءلي قد قُتلت:

“أسائلةٌ عميرة عن أبيها
خلال الجيش.. تعترفُ الركابا

تؤمّلُ أنْ أؤوب لها بنهبٍ
ولم تعلم بأنّ السهمَ صابا

فإنّ أباك قد لاقى غلامًا
من الأبناء يلتهب التهابا

وأنّ الوائليَّ .. أصابَ قلبي..
بسهمٍ لم يكن يُكسى لغابا

فرجّي الخير.. وانتظري إيابي
إذا ما القارضُ العنزيُّ آبا”

ولبيد بن ربيعة في قافية ساكنة، مقيّدة بالملل لطول العمر وثقل ترقّب النهاية، “وسؤال هذا الناس كيف لبيدُ”! يبثّ ابنتيه الكلمات الأخيرة:

“تمنّى ابنتايَ أن يعيش أبوهما
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضرْ

فقوما فقولا بالذي قد علمتما
ولا تخمشا وجهًا.. ولا تحلقا شعرْ

وقولا: هو المرء الذي لا خليله
أضاع..ولا خان الصديق ولا غدَرْ

إلى الحول.. ثم اسم السلامِ عليكما
ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذرْ

سنة فقط؟! هيّنة لو كان الأمر اعتذارًا فقط..

النبيل في كلمته الأخيرة أن الوفاء غالب عليها، حضر الوفاءُ مع الوفاة، أثمن ما يريد أن تحتفظ به الصورة أنه وفيّ، وفيّ حتى في عذره لهما ووصيّته الحانية عليهما.. وسلامه المسالم بعد مئة وثلاثين عامًا من العمر الذي لم يسعفهما -ربّما- لردّ السلام..

وأبو فراس يرثي نفسها بين يدي ابنته أيضًا، بعد وصية بعدم الجزع -مثل لبيد- يعزّ على الوالد انكشاف ابنته، يعزّ عليه فقدانها الصبر، يعزّ عليه دمعها السخين ولو لم يره، وتختلف كلمته الأخيرة عن لبيد لأن رحلته أقصر وأشقى، كلمة مثقلة بخذلان الأقارب، وهزيمة الأحلام، قيل إنه قالها ورِجْلُه في الرِكاب، والخادم يضبط السير عليها، وابنته تبكي قلقًا من إصابته، زمن النعي قصير جدًا، في بضع ثوانٍ، لقطة خاطفة لنهاية رجل شجاع، على مجزوء الكامل، كأنّ كاملًا يتجزأ، لو كانت حياة أبي فراس قصيدة لكانت تلك المقطوعة مقطعها وختامها المُرّ، الذي يلخّص القصيدة/الحياة بجملة: لم تكن الرحلة ممتعة، لم يسعفه قصر الزمن حتى أن يردّ هو السلام:

“قولي إذا ناديتِني..
وعييتُ عن ردّ الجوابْ:

زَينُ الشبابِ أبو فراس
لم يُمتّع بالشباب”

.

.

أقسى الثمن من عينيها..

الندم أقسى ما يكون حين يجد الأب ابنته تدفع ثمن ما قدّم -أصاب فيه أو أخطأ-، الخطاب إليها في هذا المقام مختنق لأنه بلا منتهى أو غاية، نفثات حرّى من جلد الذات الخفي..

من ذلك مقطوعة الراعي النميري، بعد القصة المعروفة بينه وبين جرير بسبب ابنه جندل الذي تسبب في هجاء جرير:

فغُضّ الطرف إنك من نُميرٍ
فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا

يتأمّل في ساعة ظمأ عيني ابنته العطشى، دون جريرة:

“تقولُ ابنتي -لمّا رأت بُعدَ مائنا
وإطلابَهُ-: هل بالسبيلةِ مشربُ

فقلتُ لها: إنّ القوافي قطّعَت
بقية خُلّاتٍ بها نتقرّبُ

رأيتُ بني حِمّان أسقوا بناتِهم
وما لكِ في حِمّان.. أمٌّ.. ولا أبُ!

كأن ابنته المنفذ المتاح لينفث تلك النفثة الحرّى من جلد الذات، يشكو ظمأ كثيرًا بعد قطع المشارب المختلفة عنه، وسقاية بني حمّان بناتهم معنى مكثّف الدلالة لحكمة الآباء وسلطانهم وحمايتهم، وربما حذرهم من الشعر..

والمعتمد بن عباد ينظر إلى بُنيّاته النظرة نفسها، ولا أعرف لو كانوا أولادًا هل ستجيش نفسه بتلك الحسرة أو تطلب منهم المساندة!:

ترى بناتك في الأطمار جائعة
في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا

لا خدّ إلا ويشكو الجدب ظاهرُه
وقبل كان بماء الورد مغمورا”

.

.

.

الابنة الفتيّة رمز الحلم الكهل..

 

في الشعر المعاصر تنوّع الخطاب إلى الابنة في سياقات الخطاب الوجداني، الاغتراب الحقيقي بالسفر أو النفي، أو الاغتراب النفسي الذي ولّدته الحياة الصعبة المعاصرة، وفي كتاب “البنات في شعر الآباء” جمع د.مسعد العطوي نصوصا لشعراء معاصرين تحدثوا عن بناتهم في مناسبات مختلفة، من الاحتفاء ببشرى ميلاد إلى النحيب لحظة موت، وبينهما الكثير من التفاصيل الصغيرة وأغاريد الزفاف والبسمات والدموع.

ذلك النوع من أغراض الشعر في السعة -مهما بدا في الضيق-، شعر من طبقة واحدة، لا يغور فلا يثور، معنى أو مع معنى رديف قريب، في معظم تلك النصوص.

إلّا أن من ساعات العسرة عند المعاصرين أن تكون الفتاة الفتيّة رمزًا لحلمٍ كهلٍ مستحيل، في استدعاء رمزي يموّه الحقيقة ولا يُشوهها..

أمل دنقل في نصّه الرمزي “بين يدي زرقاء اليمامة” يجعل الابنة جزءًا من الحلم المستحيل، يريد أن يعمّق في نفس المتلقي الخيبات المتراكمة اجتماعيًا وذاتيًا، أن يمكّن منه ما يجده في نفسه، وجود الصغيرة في النص له أثره النافذ في قلب القارئ، ولا حمولة مؤثّرة مثل رمز ابنة صديق سجين يتحدث عنها كثيرا، ودنقل ناقل الخطاب إليها وعنها، فهي آخر ابتسامات الرفيق، ابنته التي تحمل رؤاه ومرآه، طموحه وملامحه، حنينه وعينيه، فيتملّى فيهما الحلم المستحيل:

“تقفز حولي طفلة واسعةُ العينين.. عذبةُ المشاكسة

(كان يقصّ عنكِ يا صغيرتي.. ونحن في الخنادق

فنفتح الأزرار في ستراتنا.. ونسند البنادق

وحين مات عطشًا في الصحراء المشمسة..

رطّبَ باسمكِ الشفاه اليابسة..

وارتخت العينان)

فأين أخفي وجهيَ المتّهمَ المُدان؟

والضحكة الطروبُ: ضحكته!

والوجه..

والغمّازتان!”

ومحمد إبراهيم أبو سنة يستدعي الابنة في رواية قصة واقعية لمعنى رمزي، ففي مناسبة القصيدة أن الكريم سبحانه وهبه على الكِبَر طفلته الأولى، وفي يوم ذهابها إلى المدرسة أهدى إليها النص الرمزي، لمعنى غائر عن الأماني البعيدة التي تأخرت، ونبوءة عن “المطر في غير موعده”، يستمهل المُنى المنتظرة المتأخرة لكيلا تموت “هكذا” وهي تعبر:

“تمهّلي..
تمهّلي وأنت تعبرين..

يا نجمةً وحيدةً في ليليَ الحزين..
تُرى.. صبرتُ كلّ هذه السنين

لكي أموتَ حسرةً عليك.. هكذا..
وأنتِ تعبرين!”

.

والخلاصة، أن الخطاب إلى الابنة يختلف بطبيعة العلاقة الحانية الحامية بينهما، ويكون مختلفًا ساعة عُسرة، من غاياته التنفيس عن الشاعر وإيغال التأثير في المتلقي، فلا أصعب عليهما معًا من لحظات الوداع المُرّ، المؤقت المنبئ بالأبدي، ولا أعنف من انكسار الأب لانكسار عيني ابنته بيديه، ولا أضيق من قيود الكلام التي تحتّم الرمز والمواربة..

 عُسرة يغيض فيها المعنى إلى الطبقات الجوفية، فيفيض التأويل عيونًا، الابنة فيها الماءُ والبصرُ..

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى