عام

الإيمانُ كفعل إنسانيّ

  • جوش ستو
  • ترجمة: إبراهيم عبد الحميد
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: حنان عاطف

يقول أجوستين فوينتس، القس إدموند ب. جويس، أستاذ علم الأنثروبولوجيا: “إنَّ القدرة على رؤية ما يتجاوز ما تراه أعيننا قد شكلت الإنسانية بطرق عميقة”. ويضيف مؤلف كتاب الشرارة الإبداعية: كيف جعل الخيال البشر استثنائيين: “إن المعتقدات التي توسع الخيال تكشف عن جانب رئيسي لما يعنيه أن تكون إنسانًا”.

ويشرح ذلك قائلاً: “عندما نتحدث عن الاعتقاد وكأنه أحد الأشياء الغريبة المجنونة – كالحكايات الخرافية وقصص الأشباح وغير ذلك- فإننا بذلك نسخر منها ونعتقد أن خداع العقل أمرٌ مضحك. لكن الأمر في الحقيقة لا يتعلق بخداع العقل، بل بقدرتنا على التطور والتخيل والالتزام بتلك التخيلات، وهذا لا يعني أنها ليست حقيقية أو غير صحيحة”.

يتحدث الكثير من الناس عن الإيمان وكأنه وسيلة للانخداع بالأكاذيب، وهذا ليس ما نتحدث عنه هنا، إننا نتحدث عن القدرة على استلهام الأفكار أو التوصل إليها، ومن ثمَّ الالتزام الكامل بها.

يقول فوينتس، الذي يكتب كتابًا جديدًا: إن السجل الحفريّ يُظهر أنَّ قدرة البشرية على الإيمان تزايدت بمرور الوقت، وكما يقول: بين حوالي 2 مليون وربما 500000 إلى 400000 سنة في الماضي، تضاعف حجم أدمغة أسلافنا.

ومنذ ذلك الحين، لم يزدد حجم أدمغتنا ولكن كان هناك تحول في شكله وتعقيده؛ مما أدى بمرور الوقت إلى نمو مصاحبٍ لذلك في الفن والأدوات المعقدة، وهجرة البشر وتنمية التجارة.

ويقترح، أنه في مرحلة ما، نظر أسلافنا إلى الحجارة ورأوا أنه يمكن تعديلها إلى شيء آخر. يقول: “إن قدرتهم على رؤية شكل آخر للحجر يجب عليهم صنعه، مع أنّ هذا الشكل الجديد ليس موجودًا أمامهم لهو أمرٌ مثير للإعجاب حقًا؛ لكونه نوع من الاعتقاد والالتزام بالقدرة على التخيل ثم جَعْل تلك التخيلات حقيقية”. “وإننا ننسى أنَّ كمّ الأشياء التي نتحلى بها لنكون بشرًا مرتكز تمامًا على قدرتنا على الإيمان.”

لقد مكنتنا هذه القدرة المتزايدة، من تشكيل حقائق معقدة بشكل متزايد، بداية من الأدوات إلى المدن الصغيرة ثم الكبيرة، ووصولًا إلى الدول القومية والاقتصادات الحديثة. يقول فوينتيس: “نحن نؤمن بها، ولذا فهي حقيقية”. “فالمال يتُداولُ لأننا فقط نؤمن به، وهذه أنظمة معقدة وهي واقعية وديناميكية تمامًا. لكننا آمنا بها حقّا وجعلناها حقيقية؛ لأن لدينا الكثير من الأشياء. “

ويواصل عالم الأنثروبولوجيا حديثه قائلًا: “لقد ظهر اهتمامي الكامل بالإيمان من اهتمامي بتطور القدرات البشرية للتمثيل العقلي – للخيال والإبداع. لقد قمت بكل هذا العمل وأنا ناظرٌ إلى التطور البشري والسجلات الأثرية، وإلى أجسادنا، وإلى الطرق التي تعمل بها أدمغتنا وأجسامنا معًا، سواء داخلنا أو كأفراد متفاعلين – ويعتبر كل هذا أنثروبولوجيا وعلمًا جيدًا حقًا.

لكن ما أدهشني هو أن كل هذه القطع المختلفة بشكل فردي لم تقربني من إجابات جيدة حقًا لهذه التغييرات واسعة النطاق التي نراها في التاريخ والبشر اليومَ.

وهكذا عندما بدأت في النظر في بعض الأدبيات الفلسفية والأنثروبولوجية والنفسية حول الإيمان أدركت أن هناك شيئًا آخر – الإبداع والخيال والأداء العصبي البيولوجي والتكنولوجيا – كل هذه الأشياء تخضع لهذه القدرة على الإيمان “.

لقد عززتْ قدرتُنا الفريدة على الإيمان بأشياء تتجاوز حواسَّنا القدرةَ على الإبداع، وقد أدى ذلك إلى البحث عن المعنى في العالم الذي نواجهه ونشكله.

يقول فوينتيس: “كل مجتمع بشري، حديثًا كان أو حتى في الماضي السحيق، موجود دائمًا في عالم ذي معنى”. وهكذا، فإن القدرة على الإيمان بالأشياء – الأفكار أو الإيديولوجيات أو الافتراضات – تمكننا من التنقل في المناظر الطبيعية المعقدة والهادفة.

“ويعني هذا أنه عندما ننظر إلى العالم من حولنا، نتعلم ونكتسب كل شيء. ومع ذلك، فإن ما أمامنا ليس المادة فقط، بل ما يمكننا لمسه أو رؤيته أوسماعه أو تجربته”.

يقترح فوينتس أن أحد العناصر الحاسمة هو التزام المجموعة تجاه المعتقد والمبدأ الموحد لهذا الاعتقاد. قد تعتقد بعض الثقافات، على سبيل المثال، أن الأرواح تعيش في شجرة ما. يقول فوينتيس إن السعي للتمييز بين الخرافة والمعتقد ليس السؤال الصحيح.

“هل يعلم الجميع في هذا المجتمع تمامًا أن هناك شبحًا في تلك الشجرة؟ نعم يعلمون، ويتصرفون وفقًا لذلك “.

وبالمثل، قد نقول، “المس الخشب”[1]، وأن نحكَّ مفاصلنا على الطاولة. في حين أن البعض قد يسمونها خرافة، يقول فوينتيس، “ولكن هذا لا يعني أنها مزيفة. معظم الناس الذين أعرفهم يطرقون على الخشب، وهذا يعني شيئًا لهم “. بالنسبة للعديد من الأشخاص، كما يقول، فإن هذه الطقوس البسيطة تساعدهم على الاسترخاء والتفكير بشكل إيجابي في النتيجة المحتملة.

بالنسبة لفوينتيس، تدور أحداث الأشباح حول “الأسلاف أو الأفراد القتلى الذين نقول إنهم يعودون أو ما زالوا حولنا. هل هذا مستحيل تماما؟ كل شخص عرفناه هو في الواقع جزء من عقولنا، وجزء من الخلايا العصبية لدينا، والأنظمة العصبية في دماغنا، وتجاربنا. وهكذا ماذا لو. . . كان لبعض الأفراد الإحساس – الإحساس الصادق القلبيّ – بأن كل تلك التجارب تظهر نفسها بطرق خارج أجسامنا أيضًا؟ “

هذه المعتقدات تنعكس علينا كبشر، إنها تحمل معنى. يقول فوينتيس: “أن تكون إنسانًا يعني أنه يجب أن تؤمن”. “إنه أيضًا أمر إلزامي، لأننا نريد أن نصدق، نريد بشدة العثور على أشياء نستثمر فيها، ونلزم أنفسنا بها حقًا”.


[1] عبارة تقال لدفع الحسد، وقيل أن المراد بالخشب في المثل الإنجليزي “الصليب”، وقيل أنها مأخوذة عمن يعتقدون بأرواح إلهية تسكن الأشجار، وعلى كلٍ فهذا لا يجوز في شريعتنا وليس من الأسباب التي جعلها الله لدفع الحسد. (المراجع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق