الفلسفة

ما وراء المجهول: ثلاثة تفسيرات لماهيّة الدين

  • جيمس ريرسون
  • ترجمة: سهام محمد
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

     يُعدُّ تيم كرين (Tim Crane) من الفلاسفة الملحدين، رغم تعلّمه في بيئة كاثوليكية. فهو يؤمن بأنّه لا يوجد شيء خارج إطار التجارب اليومية والتفسيرات العلمية – لا شيء متعالٍ عنها. إذ لم يكن من الناس الذين يؤمنون أنّ هناك سرًا خلف العالم. واعتناقه الإلحاد خلافًا للاأدرية، لا يبدو له نابعًا عن الغطرسة فقد نظر في الحجج والبراهين المتعلقة بالموضوع وخرج بأكثر الاستنتاجات منطقية. ما الذي قد يفعله المفكر أكثر من هذا ؟. إنه على يقين تام بخطأ من يعتنق الأديان.

     ولكنّ قضيته ليست معهم، كما صرّح في كتابه الواضح والمدروس (معنى الاعتقاد: الدين من وجهة نظر مُلحد) إصدار “جامعة هارفرد”

.(THE MEANING OF BELIEF: Religion From an Atheist’s Point of View (Harvard University

 

     فهو أكثر انزعاجًا من بعض رفاقه الملحدين – خاصة هؤلاء الذين يشنُّون حملات هجومية ضد الدين ويرونه خالٍ من العقلانية ويعج بالأفكار البدائية التي فنّدها العلم الحديث وعفا عليها الزمن. وأبرز السِّمات في هذا الهجوم بحسب رأيه، هو عجزه عن تغيير عقول المتدينين الذين قد يكونون حمقى، أو كما يراهم كرين ، قد لا يتصوَّرون أنفسهم أو معتقداتهم في إطار الهجوم المقصود.

وهكذا يخطئ الملحدون أهدافهم لأنّهم يصوِّبون بعيدًا عنها، ولأنّهم يعجزون عن إدراك ماهيّة الدين، ممّا يجعلهم يفتقرون إلى “طريقة واقعيّة ومجدية للتواصل” مع المتدينين الذين يمثلون الغالبية العظمى من الناس-.

     وبكل وِدّ، يقترح كرين على زملائه غير المؤمنين رسم صورةٍ أوضح عن الدين، فالدين قضية كبيرة، متنوعة، ومترامية الأطراف وأيّ محاولة لتعريفه – رغم شمولها- ستلغي جانبًا منه، وأيّ محاولة لتعريفه – رغم اختزالها- ستحيط بجانب منه، فالأمر كلّه يدور حول المحور الذي نحوم حوله. يقاوم كرين الفكرة المشتركة بين الملحدين المهاجمين للدين، وهي أنّ جوهره نابع من علم الكونيات/التنجيم القديم (المعتقدات التي تدور حول أصل الكون والخوارق) الممزوج بقواعد أخلاقية. لا شك أنّه حين تقع في مأزق تصوير الدين بهذه الطريقة، وترى أنّه مجردُ مجموعة من المعارف الفاسدة والضَّارة، وأوامر عشوائية= فمن الطبيعي أن تسعى لاستبداله بالعلم النافع والأخلاق المنطقية .

ويرى كرين أنّ أفضل الطُرق لفهم النظرة الدينية للعالم تعتمد على موقفين:

أولًا: شعور بمتعالٍ/مقدس غير مرئي وضع نظامًا أخلاقيًا للكون، يُعرف بـ “الإله”.

ثانيًا: مجتمع يحاول “فهم العالم” بجعل أعضائه منسجمين مع هذا النظام الأخلاقي من خلال السرديات التقليدية والطقوس. ثم يقرُّ كرين بعلم الكونيات هنا؛ الإيمان بالتعالي هو “دعوى كونية”. و يعترف كذلك أنّ الدين يشبه العلم في محاولته لتفسير الأشياء، إلاّ أنّ نوعية تفسيره القائمة على علم الكونيات تفترض “الخفاء في بعض الجوانب وعدم القدرة على فهمها”، وهذا خلافًا للعلم الذي يسعى للقضاء على الغموض .

     ويرى المُلحد وعالم الأحياء التطوُّري ريتشارد دوكنز أنّ فكرة الإله هي “فرضية” عن كائن خارق أو فوق طبيعي، وهو سبب محتمل للظواهر الطبيعية المُحيِّرة. إلاّ أنّ كرين لا يتفق معه، ويذهب إلى أنّ الإله الحقيقي للمتدينين – مصدر النظام الغيبي الذي يُضفي المعنى على كلِّ شيء- أدق وأكثر غموضًا من ذلك. يلتقط العلم الأشياء “المعقّدة والمحيّرة” ويحاول “تبسيطها” و”شرحها”، ولكنّ “الإله” ليس بهذا الاختزال ليُشرح ويُبسط بسهولة. ولا ينبغي أن يكون الدين تفسيرًا أنيقًا للقوى السَّببية، بل يُفترض أن يكون شرحًا أعقد لمغزى الحياة.  ويؤكد كرين أنّه قُدِّر لهذا التفسير ألاّ يكتمل للأبد، وأن نبقى في حالة نضالٍ دائمٍ لسبر أغواره، ولا يعود ذلك لنقص في حقائقه الأساسية، بل لأنّه ينطوي على “محاولاتٍ لمواجهة” ما هو متعالٍ.

 

     يعتقد كرين شخصيًا أنّه لا وجود للمتعالي في الواقع، إلاّ أنّه يدرك عدم وجود دليل على اعتقاده. ونظرًا للغز الوجود الذي لا مفرَّ منه، فإنّه يظن أنّ الدين قد يكون عقلانيًا وأنّه “ردُّ فعل إنساني ومنطقي لمواجهة غموض العالم”.

     وبلا شك فإنّ هذه الصورة الدينية ستبدو لعالم الاجتماع كريستيان سميث على أنّها “مبالغة في الإدراك، والعقلانية، والفكر”. ففي كتابه المهم والثري بالمعلومات (الدين: ما هو؟ كيف يعمل؟ ولماذا هو مهم؟)

.(RELIGION: What It Is, How It Works, and Why It Matters (Princeton University

     يقدِّم لنا سميث نظرية علمية اجتماعية، تنازع المفهوم الذي قدمه عمالقة الفكر الاجتماعي مثل كليفورد جيرتز، وماكس فيبر، والتي تقول أنّ الدين هو نظامٌ ثقافي لخلق المعنى. يكتب سميث “لا يقوم جوهر الدين على صياغة ردود للأسئلة الوجودية، وإن وجدت فيه غالبًا”.

     يرى سميث أنّ التعبير النموذجي للدين أشبه بمناجاة الله لشفاء زوجتك من السرطان، أو التضرُّع طلبًا للمطر الذي يسقي المحاصيل الذابلة. وبعد دراسته للتقاليد الدينية في أنحاء العالم وعبر التاريخ، يرى سميث أنّ جوهر الدين يتمحور حول مجموعة من “الممارسات المفروضة ثقافيًا”، هدفها مساعدة الناس على الوصول إلى “القوى الخارقة” على أمل “تحقيق المنافع البشرية” وتجنُّب الأضرار. واعتادوا على ذلك في “الظروف والمواقف التي يعجزون أمامها أو يفقدون السيطرة عليها”. إلاّ أنّه يُسارع إلى الاعتراف بأنّ الدين ليس مُقتصرًا على هذا، وليس هذا هو الدافع الوحيد لممارسة الناس لطقوسه، ولكنّه يؤكد أنّه السبب “المركزي”. ويشكِّل فرادة نوعية للدين، خلافًا للأمور الأخرى التي يقدمها مثل الهويّة (التي قد نجدها في المكانة الوظيفية) أو السعي إلى المعاني الوجودية (التي يمكن أن نجدها في الفلسفة).

     تكمن الخطورة المنهجية خلف مناقشة الدين بهذا المستوى التجريدي، في الحاجة “لاستقراء آراء الملايين من البشر” كما يقول كرين. ويسعى سميث لتجنُّب هذه الصعوبة من خلال تخفيف التركيز على المعتقدات الدينية الشخصية، والإحاطة أكثر بالممارسات الدينية العامة (التي تميل إلى الموضوعية). وهذا ما سمح له بالتركيز على ماهيّة الدين – كما يظن- ، وهو يفرِّق بين هذا وبين ما يفعله الدين “نتائجه الثانوية” (مثل تعزيز الهوية، والمعنى، والمجتمع .. الخ). ورغم أنّ هذه المزايا الفرعية “غالبًا ما تؤدي دورًا حاسمًا” بالنسبة للتجارب الشخصية، وقوة المؤسسة الدينية، إلاّ أنّها ليست “السبب الأساسي في وجوده”.

     ما قدّمه سميث كان كلامًا نظريًا، إلاّ أنّه قدَّم توضيحاتٍ وافيةً لنظريته، ودعمها بالتقاليد الدينية التي كانت متضادة في بدايتها، مثل البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية التي تؤكد على أنّ المعتقدات والسلوكيات أهم من الطقوس والعادات. وقد وجد أنّ الابتهالات الجماعية لطلب العون من السَّماء، تتضمن غالبًا مخاوف دنيوية مثل الاستقرار المالي وصحة العائلة، وترتكز عليها. أمّا مخاوفهم المرتبطة بمواضيع مثل معنى الحياة ومعضلة الشَّر، فإنّها تحتل حيزًا هامشيًا عندهم. “لم يكن الدين ليوجد لولا وعده للناس بالخلاص بمساعدة القوى الخارقة” هذا ما استنتجه سميث.

     لم يكن الدين موجودًا في ماضينا السحيق[1]: قصة نشأته ودورها في فهم طبيعة الدين هو موضوع كتاب قصة الكون الجديدة

.(THE NEW COSMIC STORY: Inside Our Awakening Universe (Yale University

     للاهوتي جون ف. هات الذي سار على طريقة سميث وكرين في اتّباع “المنهج العام” للدين، والتركيز على التقاليد المشتركة فيه. و يرى خلافًا لكرين وسميث أنّ الدين أشبه برحلةٍ “لم تكتمل” على غرار رؤية العلم الحديث لباقي الكون. ومن هنا يجب فهم طبيعته، جزئيًا، من حيث قراءة وجهته.

     و يصف هات الدين بأنّه “ترقُّب للعدالة التي أصبحت الآن خارج نطاقنا”.وهو يلتقي برؤيته هذه مع كرين وتفسيره للنظام الأخلاقي المُتعالي، الذي يوجد في كلِّ مكان، ويبدو بعيد المنال على حدٍ سواء. ولكن هات رجل مؤمن ولا يتفق مع كرين أنّ الحقائق الدينية ستبقى بعيدة، إذ شهدنا ظهور المادة مذ وقع الانفجار العظيم، وأعقبته نشأة الحياة، ثم بزوغ الوعي فيها، و كما يقول هات، فقد ظهر “خاصةً” الوعي الإنساني “للكفاح الداخلي” الذي بلغ أوجَّه حين نخوض مغامراتنا الروحية.

     ومن يدري ما التقدُّم الديني الذي سيحلُّ مع المراحل التالية من تطوُّر الكون؟، فبفضل العلم الحديث، يقول هات نحن ندرك “أنّ نهاية قصة الكون لم تحن بعد” ويمكننا النظر “بصبرٍ وترقب للمعاني المستقبلية التي قد تحيطُ بكلِّ شيء”. إذا منحَنا الكون مثل هذه الهبة، فإنّ هذا سيكون بمثابة إنقاذ للعالم المادي – لا خلاصًا-  منه، بطريقة قد تسمح حتى للملحد بالتعايش معه.

اقرأ ايضاً: الطريق إلى “المخرج الوحيد”


[1] ليس بصحيح، فالأبحاث تتابع على أنّ الدين قديم قدم الإنسان، كما أنّ الأصل في الديانات التوحيد وليس تعدد الآلهة. (المراجع)

المصدر
nytimes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق