الفلسفة

كيف نرى العالم؟

تجربة الرؤية التي حلّت نقاشًا فلسفيا طالَ أمده

  • جيم ديفيدز
  • ترجمة: مدى أحمد
  • تحرير: بلال الخصاونة

تخيّل أن تحدّق في غطاء فتحة المصرف التي تبعد عنك بضع خطوات في الشارع، سيبدو دائريًا لعينيّك، مهما اختلفت زاوية رؤيتك؛ وهذا حتمًا بسبب الآلات الإدراكية المذهلة في عقلك! ونمط انعكاس الضوء في عينيّك وعلى شبكيتها، وطبعًا، النمط الذي يظهر به الشكل البيضاوي ذاته لنظامك البصري!

عندما تلتقط أعيننا شيئًا بيضوياً أو شبه دائريّ فنحن تلقائيًا نراه كدائرة أولًا، يرجع السبب وراء ذلك إلى مجموعة متنوعة من الإشارات البصرية التي نمتلكها بالإضافة إلى معرفتنا السابقة بالعالم وكوننا نألف هذه الأشياء.

كيف يفعل عقلك هذه العملية المدهشة التي اكتشفها العلماء منذ عقودٍ؟ والسؤال الذي طال أمده، إلى كم من الوقت يحتفظ عقلك بالشكل البيضوي؟

يوجد نوعان من وجهات النظر لهذا الأمر: الأولى هي أنّه يتم التخلي عن الشكل البيضوي في وقت مبكر من المعالجة البصرية، وعوضًا عن ذلك، يتم استبداله بالاعتقاد أن غطاء فتحة المصرف دائري أصلًا بحكم معرفتك السابقة، جنبًا إلى جنب مع اتجاهه ولونه وما إلى ذلك. وجهة النظر الأخرى هي أن عقلك يحتفظ مسبقًا بشكل الدائرة، وأنت في الآن ذاته تشعر تدريجيًا بأن الشكل الذي أمامك بيضوي وليس دائرة.

وقد هذا أثار جدلًا بالنسبة للفلاسفة لمئات السنين: هل نحن يمكننا أصلا الخروج من المنظور الذي نرى العالم من خلاله؟

نشرت دراسة حديثة في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم، في حزيران/يونيو، تشير إلى أننا لا يمكننا الخروج أبدا من هذا المنظور؛ “بل إننا نستنتج أن الأشياء لها طابع مزدوج: هناك شكلها الموضوعي الثابت “في الخارج” وشكلها الظاهري “من وجهة نظرنا”.

أظهر عالم النفس جورج موراليس، والفيلسوف أليكس باكس، والعالم المعرفي تشاز فيرتسون في تسع تجارب، أن الصورة البيضوية على الجزء الخلفي من العين تبقى معنا على الأرجح!

كجزء من التجربة، قام الباحثون بتقديم صور مطبوعة لعملات معدنية وعرضوها على المتقدمين، كانت الصور من زوايا مختلفة، فعند النظر إليها مباشرة، تكون الصورة بالنسبة للعين عبارة عن دائرة! حتى عندما تكون زاويا العملات المعدنية مائلة بالفعل!

تضمنت التجربة أن يعرضوا على الأشخاص صورًا لعملتين في الوقت ذاته، وطُلب منهم أن يختاروا، بأسرع ما يمكن، أيهما تبدو دائرية الشكل في الواقع.

ولكن يظل السؤال، كيف يؤكد لنا هذا أن الشكل البيضوي بالنسبة للعين باقٍ في النظام البصري؟ عندما نلاحظ شيئين متشابهين، يستغرق التمييز بينهما وقتًا أطول.

على سبيل المثال، إذا كان عليك اختيار الحرف (ب)، فسيكون أسرع إذا كان الخيار الآخر هو الحرف (ز) وأبطأ إذا كان الخيار الآخر هو الحرف (ت). إذْ أن الحرفيّن “ب” و “ت” متشابهان لدرجة أنهما يتنافسان على جذب انتباهك.

وعلى غرار ذلك، عند التحدّيق في صورة العملة النقدية، سيكون أمامك شكل بيضاوي حقيقي، وفي نفس الوقت عملة نقدية مائلة نسبيا أقرب للدائرة.

أثناء تحديقك، إذا استمر الشكل الدائري في نظام رؤيتك، فذلك يعني أن تمييزك بين الاثنين سيكون بطيئًا للغاية؛ لأن الشكل البيضاوي للعملة سيشتت انتباهك عن الهيئة الفعلية لها. حيث إنه إذا تجاهلنا الصورة الدائرية الكامنة في أعيننا، فإن ذلك سيحدَّ من التباطؤ بشكل كبير.

 لكنك للأسف لازال هناك تباطؤ! فقد وجد الباحثون أنّه في جميع التجارب -ومع التحكم في الكثير من المتغيرات- أن العملات المعدنية المائلة تشتت انتباه الناس وتبطئهم من العثور على العملة المعنية!

تداعيات هذا الامر أكبر بكثير من مجرد تمييز عملة معدنية، فإنّ الإدراك مليء بالمعلومات غير الهامة التي يبدوا أنه من السهل تهميشها.

فمثلًا، عندما يسطع ضوء على وجه شخص ما، نحن لا نلاحظ الظل الذي ينتج بجانب الأنف إلا إذا كنا نبحث عن هذا الظل تحديدًا. وأيضًا، عندما يخطئ الناس قليلاً في نطق الكلمات، تصحح عقولنا تلقائيًا ونسمع الكلمة منطوقة بشكل صحيح.

تقترح دراسة “إدراك الأشكال” أعلاه، أن هذه المعلومات، بدلاً من أن تُهمش تمامًا فإنها لا تزال قيد المعالجة. على الرغم من الحاجة إلى مزيد من الدراسة لمعرفة ما إذا كانت قد حدثت أيضًا في أيٍ من المجالات الأخرى.

تثير هذه النتيجة أيضًا سؤالًا مهمًا: إذا استمررنا بإدراك الأشكال فقط بأعيننا، فلماذا يتعذّر علينا التعرف عليها بسهولة إذًا؟

لنضع مثالًا آخر على ذلك: المقصود بتعلم الرسم هو أخذ مشهد نراه ثلاثي الأبعاد وتمثيله على قطعة ورق ثنائية الأبعاد. هذا صعب، ولهذا السبب فإن الرسم المنظوري يتطّلب ممارسة، جزء كبير من تعلم الرسم أن تعير انتباهك إلى الأشكال الموجودة على شبكية العين وتحاول إدراك هيئتها. وبالرغم من بقاء هذه الأشكال في مجال رؤيتك، إلا أنها في الغالب موجودة بشكل غير واعٍ، ويتطلب الأمر التدرب للتعرف عليها على حقيقتها.

ومع ذلك، حتى الأشكال التي تتم معالجتها دون وعيٍ يمكن أن تتداخل مع الإدراك، فقد استنتج موراليس وباكس وفيرستون أن “الأشياء يتم طبعا ونمذجتها بمنظور المدرِك“، إذًا نحن لا نرى العالم منفصلاً تمامًا عن منظورنا.

اقرأ ايضًا: فطرية القدرات العقلية: هل الأطفال مُعَدّون لتصوّر العالم؟

أعجبني المقال

المصدر
nautil

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى