عام

لا يوجد سر: أسطورة قانون الجذب

  • جي دي روث
  • ترجمة: أحمد بن محمد طايل
  • تحرير: عبدالرحمن آل ساهر

هذه المراجعة كُتبت قبل أسابيع، ولكن لم أنشرها حينها مخافة أن أغضب البعض. وأما الآن فقد تغيرت الأمور، ومناصرو قانون الجذب زادت حدتهم، واحتشدوا على موقعي بوابل من التعليقات، فوجب علي أن أرد!

“السر” هو الكتاب التحفيزي الأكثر مبيعا في العقد الماضي؛ بقيت مدة طويلة لم أقرأ الكتاب، وذلك لأنني اخترت العيش في بيئة بعيدة عن الإعلام، ولكن حين رشحه لي صديقي قررت قراءته، وقد قرأته مرتين، ولم يكن ذلك بسبب إعجابي به، ولكن لأني لم أصدق أنه مازال هناك من يصدق هذا الهراء!

ما السر وراء “السر”؟

السر هو قانون الجذب، وهو في الحقيقة ليس بقانون لأي شيء! ينص قانون الجذب على أن حياتك هي نتيجة للأشياء التي تعتقدها. من منظور نفسي يبدو أن في هذه الفرضية شيئًا من الحقيقة. ولو كان الكتاب استقصى الأبحاث المنشورة حول هذا الموضوع، لم أكن لأكتب هذه المراجعة؛ لكن الكتاب لم يفعل ذلك. لم يقدم السر أي دليل من أي نوع، إنما مجرد حكايات من هنا وهناك، وهذا أسوأ أنواع الخداع العلمي الزائف. لقد عظّم المؤمنون بقانون الجذب مثل روندا بايرن -مؤلفة الكتاب- من قيمته، ورفعوه إلى مرتبة دين جديد قادر على تفسير كل شيء، وهذا هراء!

بعض ادعاءات روندا بايرن عن كيفية عمل قانون الجذب:

الأفكار لها خاصية مغناطيسية ولها تردد، وعندما تفكر فإن أفكارك تنطلق في الفضاء لتجتذب كل ما يشابهها في نفس التردد. كل شيء ترسله يرجع الى أصله الذي هو أنت!

وعندما ترسل رغباتك فإنها فرصتك لتكون واضحا بشأن ما تريد؛ وبقدر ما تكون الأفكار واضحة في ذهنك فسيأتيك حينها ما تفكر فيه.

الإيمان برغبةٍ ما: يشمل الأفعال، والكلمات، والأفكار، طالما تؤمن بما تفكر فيه. عندما تلمس تردد ما ترغب فيه فإن قانون الجذب سيهيئ الأشخاص، والأحداث، والظروف، لتحقق لك ما ترغب فيه، وذلك يتضمن الشعور الذي ستشعر به عندما يحدث ما تريده فعلا. فالإحساس الرائع يضعك على تردد الحدث الذي تريده. ففي التخلص من الوزن: لا تركز على الحمية بحد ذاتها، لكن ليكن تركيزك منصبا على الوزن المثالي الذي تريده، ولتشعر بنفس شعورك وأنت ذو جسم متناسق، وهكذا ستكون!
لن يستغرق الأمر طويلا لكي يحقق لك الكون ما ترغب فيه، فالحصول على دولار واحد هو بنفس سهولة تحقيق مليون دولار!

لا تقلق إذا لم تفهم شيئا، فالكلام غير مفهوم حتى في الكتاب ذاته.

السر وراء المال

في هذا الفصل؛ تقدم بايرن وفريقها من الخبراء نصيحة حول كيف يمكن أن يعمل “السر” في بعض جوانب الحياة. على سبيل المثال: ففي جانب الصحة نتعلم أن (نظرية الميكروبات) هي محض خيال. فلا يستطيع أن يمسّك أي شيء إذا لم تؤمن أنه يستطيع ذلك، وهذا الايمان هو الذي يجلب ذلك الشيء إليك. وباستماعك لأناس يتكلمون عن أوجاعهم فإنك تستدعي المرض!

إذن لا داعي للقلق من إنفلونزا الطيور، فهي لا تستطيع إيذائك إذا لم تكن مؤمنا بقدرتها على إصابتك، فأنت في أمان! أنا متأكد من أن باحثي الطب سيحرصون على التعلم من الكتاب! ولكن بما أن مدونتي هي مدونة مالية، فلنأخذ نظرة حول ما يقوله الكتاب عن المال:

  • لتجذب المال: ركز على الثروة. من المستحيل أن تجلب مزيدا من المال إذا كان تركيزك على خسارته.
  • من المفيد أن تستخدم خيالك، وأن تعتقد بحق أنك فعلا حصلت على المال الذي تريده. العب بعض تلك الألعاب التي ترتكز على تجميع الثروة، وستشعر بشعور أفضل، ومن ثم ستبدأ ثروتك بازدياد!
  • شعور السعادة بحصولك على المال؛ هو أسرع طريقة للحصول عليه!
  • انظر لكل شيء يعجبك وقل لنفسك: (أستطيع شراء ذلك)؛ بذلك تغيّر تفكيرك وتبدأ بالشعور أفضل فعلا حول المال.
  •  أعطِ بعض المال لتجلب المزيد منه، فبكرمك وإحساسك بالعطاء كأنك تقول: عندي المزيد.
  •  تخيل بيانات حساباتك البنكية وهي تصلك على البريد.
  • اجعل تفكيرك دائما منصبا على الثروة.

ببساطة هذه هي أسرار المال، ليس عليك أن تتجنب الديون، ليس عليك أن تنفق أقل مما تجني، لا تحتاج للكدح، أو للشهادات، كل ما عليك: هو التفكير في الثروة.

إذا فالسبب الوحيد الذي يمنع أي شخص من الحصول على المال الكافي هو حجبه لذلك المال بأفكاره. كل سلبية في الفكر، والإحساس، والشعور، هي حجبٌ للخير من الوصول إليك، بما في ذلك المال. إذا فليست المشكلة أن المال ممنوع عنك، بل المال الذي تريده هو موجود الآن وسيهديه إليك الكون!

هذا النوع من الهراء خطير، بل هو النوع الأسوأ من أنواع الهراء؛ إذ إنه لا يساعد الناس على مواجهة مشاكلهم المالية، بل يضعهم في نوع من التمنّي غير الواقعي.

وكما أن طريقة (بأفكارك تتشكل حياتك) هذه لن تجعل تلامذة أفضل الموسيقيين عازفين دون ممارسة، فكذلك هذه النصائح لن تساعدك على الاستقرار المالي؛ إذ هي مجرد تمرينات قد تساعد لتغيير الذهنية حول المال، لكنها لن تجعلك غنيًّا بالطبع.

من المريح أن يواجه المرء أفكارا كهذه، أنا أعرف هذا جيدا، فعندما كنت في الحضيض منذ عقد أو أكثر، فإن كتبا كهذه كانت تمنحني الراحة، لكني مع ذلك كنت أغرق في المزيد من الديون.

الثروة تتطلب أكثر من مجرد الذهنية، فهي تتطلب عرق، وجهد، وبالتأكيد ليس من النوع الذي يقدمه ديفيد شيرمر في كتاب “السر”.

عندما فكرت وقلت لنفسي: ماذا لو تخيلت بعض الشيكات تصلني على البريد؟ وما حدث هو أنه في غضون شهر بدأت فعلا تلك الشيكات في المجيء، إنه أمر رائع! اليوم تجيئني الشيكات على البريد، وتجيئني بعض الفواتير بالطبع، ولكن الشيكات أكثر بكثير!

مجرد تخيل الشيكات في صندوق البريد لن يكفي ليفعل السحر مفعوله، عندما أقول إن “المال هو حالة ذهنية أكثر مما هو أرقام” فليس هذا ما أعنيه، ما أعنيه هو المثابرة والالتزام وتغيير المعتقدات وطريقة التفكير، ولم أذكر أي شيء عن ظهور تلك الشيكات في صندوق بريدك!

أنت ما تفكر فيه!

“السر” هو كتاب تحفيزي، قد يلهمك لوضع أهداف ورؤية للحياة التي تريد أن تعيشها؛ وكثير من أساليبه هي حيل نفسية مجربة للتحفيز، ولقد أحببت ذلك، ولكن الكتاب لم يعجبني حين ادعى أن قانون الجذب هو قانون كوني!

يحاول كتاب “السر” أن يمزج المسيحية (المسيح كان مطبقا لقانون الجذب، ألم تكن تعلم ذلك! ولا أنا!) بفيزياء الكم، وأمور أخرى، محاولا إقناع القراء أن العقول هي قوى كونية لها ترددات وأطوال موجية وهكذا، وهذا محض هراء ومثار غضب. قال هان سولو ذات مرة: ” لا توجد طاقة غامضة تتحكم بمصيري”.

والأكثر من ذلك أن مروجيه يريدونك أن تؤمن بأن كل ما يحدث على الأرض، (وفي باقي الكون) هو نتيجة لقانون الجذب. وهذا النوع من الإطلاق غريب، في أن كل شيء يحدث لنا هو نتيجة لتفكيرنا!

أخبرني عن ضحايا التسونامي والكوارث الطبيعية، هل اتفق تفكيرهم كلهم على أن يجرفهم المحيط؟

إليك كيف تبرر بايرن المآسي:

«دائما يستدعون أحداث التاريخ التي راح ضحيتها العديد من البشر، ويصعب عليهم فهم كيف أن العديد اتفق تفكيرهم على حدث واحد يستدعونه. لكن حسب قانون الجذب فإنهم كانوا جميعا على تردد واحد مع ذلك الحدث. ليس بالضرورة أنهم فكروا في نفس الحدث، لكن ترددات أفكارهم كانت متوافقة مع ذلك الحدث.

لو اعتقد الناس أنهم في المكان الخطأ والتوقيت الخطأ وأنهم لا يسيطرون على ظروفهم، فإن هذه الأفكار من الخوف والذعر والعجز -لو استمرت- فستجذب إليهم المكان والتوقيت الخاطئين!»

إذا كنت تصدق أن ملايين الناس ماتوا في الحروب والكوارث الطبيعية لأنهم أرادوا ذلك وفكروا فيه، فربما يكون كتاب “السر” مناسبا لك. إذا كانت عقليتك مستعدة لقبول فكرة أن آلاف من البشر بعقولهم وحدها جعلوا المحيط يبتلعهم، فربما أيضا يكون “السر” مناسبا لك. إذا كنت تعتقد أن 32 شخصا في (حادثة فيرجينيا تك) استدعوا موتهم بالذبذبات العقلية، فربما يكون “السر” مناسبا لك.

“السر” ليس مناسبا لي!

انتقادات أخرى

لم تقدم بايرن أي دليل لتثبت ادعاءاتها. كل ما قدمه خبراؤها هو حكايات -لا معنى لها- عن كيفية عمل قانون الجذب. بعضها يمكن تفسيره بالصدفة، أو كنتيجة لتأثيرات نفسية حقيقية؛ نتيجة لإيمان المرء بقدراته واستعداده العقلي، لكن لا علاقة لها بإظهار اتحاد أو تأثير أفكارك على الكون.

مما يثير الحفيظة أيضا عندما تحاول بايرن جعل المفكرين العظماء مؤمنين بقانون الجذب. استدعت (أينشتاين) في كتابها مرارا وتكرارا في محاولة لتعزيز مصداقيتها. قد يكون هؤلاء المفكرون آمنوا حقا بأهمية التفكير الإيجابي ووضع الأهداف والمثابرة لكن معظمهم -العلماء منهم تحديدا- كانوا سيرفضون الارتباط بمثل هذا النوع من التفكير الخرافي، وغير العلمي.

لا أريد أن يساء فهمي، فلنتفق على أن الأفكار المبنية على علم النفس في كتاب السر قد تكون جيدة، فهناك قيمة حقيقية للتفكير الايجابي، وأن تؤمن بأنك تستطيع بالاجتهاد الخروج من مشاكلك، لكن “السر” يتجاوز هذا بكثير، إنه يجعل الكون طوع كل رغباتك إذا ما تمنيت ما تريده بشدة! ألم ننضج عن ذلك بعد؟!

امض في حياتك واتبع نصيحة بايرن العامة، لكن غلف أهدافك ورؤيتك بالعمل والاجتهاد، واجعل أحلامك تتحقق بالعمل، لا بالتمني فقط!

اقرأ ايضاً: في بيان حقيقة قانون الجذب

أعجبني المقال

المصدر
getrichslowly

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى